في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا في إحدى المناسبات وفي الوسط الملك سيمون الثاني

الملك سيمون الثاني ملك بلغاريا: “ثبت بالدليل الساطع أن الملكية دعامة استقرار الشعوب”

أعتبر نفسي محظوظا لأن الله من علي بحضور عدد كبير من المناسبات الهامة بالقصور الملكية العامرة أدام الله عمارها، وحفظ رمز سيادة وأمان ورخاء المغرب جلالة الملك محمد السادس.

وكنت كثيرا ما أحضر الاحتفالات التي كانت تقام بمناسبات أعياد العرش وأعياد الشباب في عهد مبدع المسيرة الخضراء الملك الحسن الثاني قدس الله روحه، حيث كنت ألتقي أهم وأكبر قادة العالم من ملوك ورؤساء دول يشار إليهم بالبنان. وفي عيد العرش لسنة 1986، كان الجو لطيفا جدا في مطلع فصل الربيع. وكنت من ضيوف حفل كبير برحاب القصر الملكي، فلمحني الملك فؤاد الثاني، ملك مصر فهرع نحوي واحتضنني بحرارة ثم قال لي: “توجد في القصر الآن شخصية هامة جدا، إنه الملك سيمون الثاني، ملك بلغاريا. وهو متواضع ودمث الأخلاق ويمكنك إجراء حوار صحفي معه”. وأخذني الملك فؤاد من يدي وتوجهنا نحو جهة أخرى من باحة القصر حيث كان يقف شاب طويل القامة في منتصف العمر متجاذبا أطراف الحديث مع شخصيات دبلوماسية من أوروبا ومن الدول العربية، فقدمني له الملك فؤاد قائلا: “أعرفك على السيد رمزي صوفيا الذي هو صحفي عراقي مقيم بالمغرب، وهو مدير إقليمي ومدير تحرير “جريدة السياسة الكويتية” – الطبعة الدولية التي توزع في شمال إفريقيا وفي أوروبا، ويرغب في إجراء حوار معك”. فقال الملك سيمون موجها كلامه لي: “الملك فؤاد الثاني هو صديق عزيز على قلبي ويعرف مدى صراحتي، لهذا أؤكد لك بأنني سأجيب عن كل أسئلتك بمنتهى الوضوح”. وبعد أيام قليلة كنت أجالس الملك سيمون الثاني بناء على موعد حددناه معا خلال حفل القصر الملكي.

وكان سؤالي الأول له كالتالي: “ما الذي جاء بك إلى المغرب؟” فقال لي ضاحكا: “إنه نفس السبب الذي جاء بالملك فؤاد إلى هذا البلد الرائع، لقد وجدنا في المغرب ما يستحيل وجوده في بلد آخر، إننا ملوك سابقون سبق لنا أن كنا على رأس هرم السلطة في بلداننا، والملك الحسن الثاني بشهامته النادرة وأخلاقه الكريمة وشخصيته العريقة الأصول يعاملنا وكأننا لا نزال ملوكا، حيث يعطف علينا ويساعدنا ويمسح حسرات القدر الملقاة في قلوبنا، لقد وجدنا فيه من النبل والأخلاق الكريمة ما لم نجده في أي مكان آخر. إن الملك الحسن الثاني يعامل كل الذين غدر بهم القدر بكل كرم وطيبوبة، والشعب المغربي محظوظ بوجود ملك في مستوى حكمة وشهامة وأخلاق وثقافة الملك الحسن الثاني الذي بهر العالم أجمع بطريقة حكمه لبلده التي جعلت المغرب يحقق ازدهارا يحتاج لقرون طويلة”. وسألته: “كيف كان الشعب البلغاري يعيش أيام الملكية وكيف هي أحواله اليوم؟” فأجابني: “أرجوك أن تطرح نفس السؤال على صديقك الملك فؤاد، كيف كانت مصر تعيش إبان العهد الملكي؟ وكيف عصفت بها الحياة بعد ذهاب الملكية؟ بل لماذا لا تسأل نفسك كعراقي كيف كان العراق في عهد النظام الملكي، وكيف انقلبت أحواله بعد مجيء الانقلابيين والثوريين؟ ثم أسألك لماذا تعيش بعيدا عن بلدك، فلو كان الاستقرار والديمقراطية في بلدك لما غادرتها، ولكن الأنظمة التي تأتي بعد الملكية تجعل الطفل الصغير راغبا في مغادرة وطنه من فرط القلاقل وعدم الاستقرار. إن كل الشعوب التي فقدت أنظمتها الملكية يحكم عليها بالقهر والانحطاط وعدم الأمان، حيث ترى الهم والغم باديا على وجوه الشعب بعد الرخاء والاطمئنان والرقي الذي يكون عليه خلال العهد الملكي. إن التاريخ لا يظلم أحدا ولا يكتم أسرار أي نظام. ويمكنك مراجعة تاريخ النظام الملكي العراقي عندما كانت الديمقراطية والعدالة والازدهار معروفا بالعراق، وكنا حتى في أوروبا نحكي ونتحاكى عن الرخاء الذي كان يعم وطنك، ثم انقلب الحال إلى فقر وتقتيل ورعب بعد ذهاب النظام الملكي، وهذا هو الحال في بلغاريا، وفي مصر، وفي كل البلدان السيئة الحظ التي فقدت عروش الملك بها وآل الحكم فيها إلى شردمات وشردمات من الانتهازيين على حساب تقدم الشعب”.

فسألته: “هل تنازلت عن عرشك مضطرا؟” فقال لي منتفضا: “أنا لم أتنازل أبدا عن نظام حكم عائلتي أبدا، ولم أوقع على أية أوراق للتنحي عن العرش، ولكن تم خلعي من طرف الشيوعيين في بلغاريا في سنة 1946 دون التفكير في مستقبل شعبي الذي كان يحبني ويثق في. وأنا مازلت لحد اليوم أحمل لقب “تزار” أي الملك (وهو لقب كان يحمله ملوك بعض دول البلقان)، وقد توفي والدي في سنة 1943 وأنا في سن السادسة من عمري، وتم تنصيبي ملكا على بلدي بلغاريا في تلك السن بالذات، ولكن ظل عمي وكيلا على عرشي بسبب كوني طفلا صغيرا آنذاك، ولكن دخول الشيوعيين السوفيات علينا قلب البلاد رأسا على عقب، وهكذا تم نفينا حيث واصلت تعليمي في إسبانيا بعد فترة قصيرة قضيتها في مصر”. وسألته: “وكيف عدت إلى وطنك حيث سمعنا عن الاستقبال الباهر الذي خصصه لك الشعب البلغاري؟” فقال لي مبتسما: “الشيء الذي يجب أن تتذكره دائما هو أن أي شعب فوق هذا الكوكب يعيش لفترة من الزمن في ظل النظام الملكي لا يمكنه أبدا نسيان المَلَكية أو الاقتناع بالأنظمة التي تأتيه بالإكراه بعدها، وقد عاين العالم أجمع كيف أنه في 1990 وبعد سقوط الشيوعية في بلغاريا حصلت على جواز سفر بلغاري جديد، وفي 1996 وبعد 50 عاما على عزلي عن العرش عدت إلى بلغاريا وقوبلت بحشود مهللة بعودتي في أجواء احتفالية رائعة جعلت العالم أجمع يتأكد بأن شعبي لم ينسن أبدا.

فسألته: “وماذا فعلت بعد عودتك لوطنك؟ فقال لي: “لقد استأنفت أنشطتي السياسية لخدمة الشعب البلغاري بكل ما في وسعي القيام به، وهكذا أسست حزب “الحركة الوطنية للاستقرار والتقدم”، الذي حصل على نصر كبير في الانتخابات العامة في 2001 بفوزنا بـ120 مقعدا من أصل 240 مقعدا في البرلمان.

وفي 24 نونبر من نفس السنة شكلت حكومة وأصبحت أول ملك يرأس بلاده في عهدها الجمهوري كرئيس للوزراء، وخلال فترة حكومتي انضمت بلغاريا إلي الناتو وحققت تقدما في مجال انضمامها المستقبلي إلى الاتحاد الأوروبي“. فطرحت عليه سؤالا حساسا: “وما رأيك في عودة النظام الملكي لبلغاريا؟”، فقال لي محرجا: “أرجوك أن تزيح هذا السؤال من حوارنا، فلا جواب عندي عليه، وكل ما يمكنني قوله لك وللعالم أجمع هو أنني سأبقى طيلة حياتي في خدمة الشعب البلغاري، وكل ما يهمني هو الصالح العام لوطني ولشعبي، وكل ما يمكنني القيام به من أجل ذلك لن أتردد في تحقيقه”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!