في الأكشاك هذا الأسبوع

منع رجال الدين من السياسة.. تنزيل للدستور

أقدم الدولة المغربية مؤخرا، على خطوة جديدة وجريئة ومتميزة في الرؤية والفهم السياسي لمفهوم الديمقراطية والانتقال الديمقراطي تمثلت في إعادة هيكلة الحقل الديني، والذي تمثل بإصدار نص تشريعي بظهير ملكي مرسوم” تضمن منعا صريحا للقيمين الدينيين، من أئمة ووعاظ وخطباء، من ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ أي موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية.

من خلال قراءة المفردات والأفكار التي تضمنها الظهير الملكي يتضح أن الملك محمد السادس قد مارس دوره بذكاء… من أجل ضمان استمرارية المستقبل للنظام الملكي، من خلال توظيف وتكريس البعد الديني الذي يشكل أحد عناصر قوة النظم السياسية التي تعاقبت على الحكم في المغرب منذ عهد الأدارسة وحتى يومنا هذا، إذ ليس في المغرب تعدد ديني أو طائفي أو تعدد مذهبي، فالمغاربة مسلمون على المذهب المالكي، لذلك يأتي إصدار الظهير في سياق التحسب العالي لمواجهة تحديات وتوجهات التيارات الإسلامية على اختلافها بما فيها المتشددة التي أبانت عن نتائجها ما سمي بثورات الربيع العربي منذ 2011 وحتى الآن، ومن أجل حماية أمن المغرب ووحدته الوطنية واستقراره السياسي، فضلا عن أن إصدار الظهير جاء ليؤسس وبشكل غير قابل للتأويل لآلية جديدة في تحديد مهمات العاملين في الحقل الديني “أئمة ووعاظ وخطباء”، وعدم السماح لهم بممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية، أو القيام بأي عمل من شأنه وقف أو عرقلة أداء الشعائر الدينية، بغية تحديد وتنظيم الوظيفة والمهام للعاملين في المجال الديني من أجل المحافظة على ثوابت الأمة وبناء مجتمع متمسك بمقوماته الروحية، ومنفتح على روح العصر بعيدا عن كل تعصب أو تطرف، هذا من جهة، ولقطع الطريق عمن يريد استثمار هذا المجال في خلق الفتنة والفرقة داخل المجتمع المغربي أو لتوظيفه لتحقيق تطلعاته السياسية من جهة أخرى، لذلك فإنمفردات هذا الظهير تمثل وعيا متقدما وإجراء غير مسبوق على مستوى النظم السياسية العربية في إطار تنقية العمل السياسي وتعزيز المنهج الديمقراطي.

كما أن مسألة الدين بالنسبة للمغاربة ليست مطروحة كشيء يمزق الهوية، لأن المغرب دولة وعت ذاتها من خلال وصول الإسلام إليها، وآمنت بتعاليمه طوال أربعة عشر قرنا إيمانا عقليا، فامتزجت به وامتزج بها حتى صار الإسلام بالنسبة إلى الإنسان المغربي على مر العصور ليس عقيدة روحية فحسب، بل مفهوما وطنيا وقوميا واقتصاديا واجتماعيا. لذلك فإن الدين في المغرب كان ومازال شرطا من شروط الوجود. معنى ذلك أن البعد التاريخي لمكانة الدين في النظام السياسي المغربي متجذر في التاريخ المغربي. إزاء ذلك، فالإسلام في المغرب يمثل أبرز الثوابت التي تضفي الشرعية الدينية على الملك بكونه أمير المؤمنين، لكونه من سلالة شريفة يرجع في نسبها إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، هذا النسب الشريف الذي أصبح يمثل في المغرب جوهر كل مشروعية سياسية، وبهذا نجد أن الملك المغربي يستند إلى شرعيته الدينية والتاريخية في إدارة شؤون الحكم.. وبهذا الظهير أراد الملك محمد السادس أن يؤكد مجددا على أن الدين الإسلامي في المغرب لا يمكن أن يكون محل حيازة لأحد، لأنه دين الدولة طبقا للإرث التاريخي والدستور، إذ ينص الفصل الثالث من الدستور على أن “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”.

كما أن البعد الديني للملك حاضر في النص الدستوري الفصل 19 من الدستور الذي ينص بأن: “الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات. وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حقوقها الحقة”.

وهذا النص الدستوري أصبح لا خلاف عليه من قبل جميع الأحزاب السياسية العاملة في الساحة السياسية المغربية على اختلاف توجهاتها ومشاربها، بما فيها أحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان، والتي هي معارضة للحكومة وليس معارضة لشخص الملك، هذه الأحزاب بعد تراكم تجربتها السياسية الطويلة سواء في المعارضة أو الحكم، أقرت بقبولها بمركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي.

الزمان 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!