في الأكشاك هذا الأسبوع
حشود غفيرة لها دلالتها حضرت جنازة الشيخ ياسين

ملف الأسبــــــوع | هل يفرض الفراغ السياسي خلق أحزاب جديدة؟

الرباط – سعيد الريحاني

“المكان: منزل الأستاذ عبد الواحد المتوكل، في حي الفتح بالرباط، التوقيت: الساعة العاشرة ليلا.. الموضوع: جماعة العدل والإحسان تعقد لقاء تواصليا مع بعض الصحفيين، لتسليط الضوء على آخر المستجدات”، بهذه الكلمات استطاع المسؤول عن التواصل بالجماعة حسن بناجح، جلب عدد كبير من الصحفيين للحضور إلى اللقاء الذي تزامن مع الجمعة الأولى من شهر رمضان.

تسلح بعض الصحفيين، بمن فيهم أولئك الذين يفضلون الاشتغال في بعض المواقع(..) بأجهزة التسجيل، الظاهرة والخفية(..) لتوثيق كلمة المتدخلين، وهما عبد الواحد المتوكل وفتح الله أرسلان، من يدري ربما قد يقولان كلاما لا تصدقه الأذن، لذلك ينبغي العودة للتسجيل.

فمن النادر جدا أن يجتمع فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام للجماعة، وعبد الواحد المتوكل رئيس الدائرة السياسية فوق منصة واحدة، لكن خرجاتهما الإعلامية القليلة كانت دائما مرتبطة بتحديد الأهداف والمسار.. فرغم الابتسامة التي لا تفارقهما إلا أنهما دائما يحرصان على اختيار المصطلحات والرسائل، فما هي رسالتهما هذه المرة؟

يمكن القول إن الصحفيين تكلفوا بنشر تفاصيل هذا اللقاء، لكن المعطيات كانت متناقضة تماما، وكل أصحاب محبرة تحدثوا عن اللقاء من زاوية نظرهم، هناك من قال إن الجماعة تريد تأسيس حزب سياسي، وهناك من قال إن الجماعة تدعو إلى حوار وطني بدون شروط؟ وهناك من قال إن الجماعة تريدها، خلافة على منهاج الاتحاد الأوروبي.. وهناك من قال العكس، فقد ذهب البعض إلى حد الربط بين تحركات الجماعة الأخيرة وبين تحركات تنظيم “داعش”، “إن محطة الندوة كانت فرصة للعدل والإحسان من أجل توجيه رسائل مشفرة تحمل تهديدا للمغاربة عما ينتظرهم في المستقبل.. إنهم داعش المغرب”، هكذا علق أحد المواقع الإلكترونية (معاريف بريس، 5 يوليوز 2014).

كل منبر تعامل مع المعطيات بطريقته، وكل صحفي فسر اللقاء بطريقته، هناك من تحدث عن “إفطار رمضاني مع جماعة العدل والإحسان”، والحال أن توقيت اللقاء تزامن مع موعد العشاء.. وهناك من فضل الحديث عما لم تقله الجماعة.. رغم أنه لم يكن حاضرا(..) وسط هذا الارتباك، يطرح السؤال من جديد ماذا قال أرسلان وعبد الواحد المتوكل بالضبط؟

“الأسبوع” كانت حاضرة في هذا اللقاء والرسالة كانت واضحة أيضا، “جماعة العدل والإحسان تريد فتح حوار وطني حول مستقبل المغرب، وليس مستقبل الجماعة، بل إن كلا من أرسلان والمتوكل تحدثا بطريقة إيجابية غير مسبوقة، وهما يدقان ناقوس الخطر.. حتى أن المتوكل لم يكن يجد حرجا، وهو يضرب المثال ببعض الأنظمة الملكية العريقة كإنجلترا، وإسبانيا..”، “نحن أناس طيبون ولسنا مثل تنظيم داعش، هكذا تحدث المتوكل”.

المتوكل، وهو رئيس الدائرة السياسية وجه رسالة واضحة لمن يهمهم الأمر: “لسنا نحن من لا يريد تأسيس حزب سياسي، بل الدولة هي من ترفضنا.. من يضمن لنا الحصول على ترخيص بتأسيس حزب، ونحن مستعدون للذهاب معه”، بالمقابل يؤكد أرسلان أن الإجراءات الإدارية ليست هي ما يعوق تأسيس حزب، لأن الأمر يحتاج إلى أمور غير مكتوبة، وأعطى مثالا عن حزب الحركة من أجل الأمة، الممنوع.. أليست هذه رسائل كافية للقول إن جماعة العدل والإحسان مستعدة أكثر من أي وقت مضى لتأسيس حزبها السياسي، ألا يمكن القول إن الأمور نضجت من أجل إحداث تطور هادئ في طريقة اشتغالها، أليست الفرصة مواتية للاستفادة من القدرة التنظيمية والخزان البشري اللذان تتوفر عليهما هذه الجماعة، من أجل إعطاء دفعة جديدة للحياة السياسية، في هذا الوقت الذي تمر فيه الأحزاب التقليدية بأسوإ مراحلها، ألا تتطلب المرحلة خلق أحزاب جديدة تعوض الفراغ(..).

 

يمكن القول إن جماعة العدل والإحسان تبحث عن محاور جديد، كي تحدد معه شروط المرحلة(..)، غير أن الوصول إلى هذه الدرجة يصطدم ببعض الذكريات التي يجب تجاوزها، فقد جرى الاتصال بجماعة العدل والإحسان أول مرة سنة 1991، عندما كان يقبع أربعة أعضاء من مجلس الإرشاد في السجن، وهم: محمد العلوي السليماني، ومحمد العبادي، وعبد الواحد المتوكل، وفتح الله أرسلان، كان ذلك تحت إشراف وزير الأوقاف عبد الكبير العلوي المدغري.. وقتها قيل للجماعة: “جميع الأحزاب تستفيد وأنتم لا تستفيدون..”.

في ذلك الوقت كانت الجماعة أكثر تشددا من اليوم، بل إن فتح الله أرسلان أكد في خروج إعلامي خلال شهر يونيو 2009 أن إخوان الشيخ ياسين اشترطوا بعض الشروط التي كانت ستؤدي لا محالة إلى فشل المفاوضات، مثل الامتناع عن تقبيل يد الحسن الثاني، وعدم تقديم البيعة؛ وهي شروط كانت كفيلة بنسف هذه المفاوضات.. وربما لم يحصل ذلك في هذا الوقت، فقد تغيرت المعطيات، والملك محمد السادس بخلاف الحسن الثاني، لا يفرض تقبيل يده، لكن السؤال المطروح هو: من سيتولى التقريب بين الجماعة والدولة؟

سبق أن تم التمهيد لمفاوضات موسعة مع جماعة العدل والإحسان في بداية العهد الجديد، غير أن مهمة المستشار الملكي والناطق الرسمي باسم القصر، حسن أوريد انصبت على “فك الحصار” على الشيخ ياسين، لكن الجماعة كانت ترى في ذلك الوقت أن المشكل أكبر من محاصرة شيخها..

—————–

وفاة الشيخ ياسين.. نهاية مرحلة

كان للشيخ الراحل عبد السلام ياسين مكانة خاصة داخل الجماعة، بل إن وجوده في وقت من الأوقات كان يعني بالضرورة استمرار مشكل الجماعة، نظرا لخلافه العميق مع النظام، رغم أن هذا الأخير، لم يكن يقول سوى نفس الكلام الذي يتردد اليوم بشكل علني على صفحات الجرائد(..) فالراحل “عبد السلام ياسين لم يكن إرهابيا يدعو إلى تفجير المنشآت العامة، ولم يكن من هواة الأحزمة الناسفة، لكن الحديث عن المرشد الروحي الأشهر في المغرب، كان دائما سببا لإثارة حفيظة بعض الأطراف التي كانت ترى فيه رجلا ذو طموحات لا حد لها”، (الأسبوع الصحفي، 20 دجنبر 2012).

قمة سوء الفهم بين الشيخ ياسين والنظام جسدتها رسالة “الإسلام أو الطوفان”، رغم أنه كان يخاطب فيها الملك الراحل الحسن الثاني بقوله، “يا حبيبي يا حفيد رسول الله..”، فالنظام في عهد الحسن الثاني لم يكن ليتساهل معه عندما قال مخاطبا أعلى هرم السلطة: “لو وجدت لك غير الجهل لالتمسته لك، إبقاء عليك ورفقا بك، لأنك تحكمنا منذ سنين بدعوى عريضة صاخبة، أنك باعث الإسلام وما بك إلا تبرير سياستك، المزرية بالإسلام، وأهله، متألها تائها كعهدنا بك”، لذلك كان من الطبيعي في ذلك الوقت أن يجد صاحب الرسالة نفسه في مستشفى المجانين(..).

وكان مسار الشيخ قد انتهى بوفاته خلال شهر دجنبر 2012، ولعل تلك الحشود التي حضرت لتوديعه، وتقدر بالآلاف كفيلة بأن تعطي صورة واضحة عن مكانة الجماعة، وحجمها السياسي(..).

————–

التحول نحو بنية حزبية

لم يساهم اللقاء الأخير الذي دعت إليه جماعة العدل والإحسان في تحقيق الأهداف المتوخاة منه، والسبب هو أن المواضيع التي تم الترويج لها كلها مستهلكة، لها علاقة بأسئلة الصحفيين الذين حضروا اللقاء(..)، بل إن المناسبة مرت دون أن يثير أي واحد من الحضور موضوع هيكلة الجماعة التي تطورت كثيرا منذ وفاة الشيخ ياسين، بل يمكن القول إن الجماعة اليوم تشتغل بنفس الآليات الحزبية، فهناك دائرة سياسية ومجلس للإرشاد.. على غرار لجنة مركزية، ومكتب سياسي المعمول بهما في بعض الأحزاب السياسية.

إن مجرد الحديث عن أمين عام، يمكن تجديده كل 5 سنوات، كمنصب تم إحداثه بعد وفاة الشيخ ياسين، بدل المرشد الروحي، يعني الانتقال إلى نظام جديد، “إحداث منصب أمين عام، أعاد من جديد جماعة العدل والإحسان إلى واجهة النقاش من طرف الأكاديميين، والباحثين والمتتبعين لشؤون الجماعة، إذ يرى البعض أن أحداث هذا المنصب يعني إضفاء الصبغة المدنية على المنصب بدل الصبغة الدينية، التي كان يحظى بها المرشد العام، وهو ما يعتبره مراقبون، بمثابة مؤشر على استعداد الجماعة، للتخفيف من حدة الانتقادات والمؤاخذات التي ظلت تتلقاها، علما بأن هناك اتجاهات تعتبر أن جماعة العدل والإحسان ينبغي عليها، أن تنتقل من دول الجماعة، التي يطغى عليها الطابع الديني إلى جماعة يمكنها أن تنخرط في التطورات والتحولات التي يعيشها المغرب، من خلال إعطاء الأولوية للطابع السياسي والمدني بدل الديني”، (جريدة الوطن، العدد: 499).

وتجدر الإشارة إلى أنه رغم وجود هذه المؤشرات، فإن أحد أبرز التحديات المطروحة داخل الجماعة في حالة الانتقال للعمل السياسي، هو ضرورة خلق الانسجام المطلوب في المواقف بين مجلس الإرشاد، الجناح الدعوي والدائرة السياسية (الجناح السياسي)، التي تعتبر نفسها أجدر باتخاذ المواقف.

—————-

أقرباء الشيخ ياسين.. نهاية زمن الراديكالية

يبقى أكبر المؤشرات على التغير الذي حصل داخل جماعة العدل والإحسان هو تراجع مكانة عائلة الشيخ ياسين المرشد الروحي في هذا التنظيم، فنادية ياسين لم يعد يسمع لها صوت، بل إن فتح الله أرسلان أكد أنها اختارت وضع مسافة بينها وبين الجماعة، وطالما أن الأمر كذلك، فهذا يعني أن الخط السياسي الذي بدأ يتسم ببعض المهادنة لم يعد يعجبها، وهي التي لا تتفق أصلا مع شكل النظام الموجود في المغرب، بخلاف عدد كبير من القياديين الحاليين.

الأمر نفسه ينطبق على زوجها عبد الله الشيباني، فبالإضافة إلى عدم تحقيقه لأي تقدم تنظيمي، فإن أفكاره التي عبر عنها مجتمعة في رسالة إلى عبد الإله بن كيران رئيس الحكومة (بتاريخ: 2 نونبر 2012) لم تلق أي ترحيب حتى داخل الجماعة، فما بالك بفريق سياسي آخر، ويعد عدم التجاوب مع مذكرة الشيباني دليلا على تراجع الأفكار الراديكالية في صفوف الجماعة، إذ يكفي الاطلاع على المضمون لمعرفة السبب الذي جعل البعض ينأى بنفسه عنها.

يقول الشيباني موجها كلامه لبن كيران: “كن جريئا كما كنت في الانخراط في هذه المغامرة (المشاركة في الحكومة)، وتُب بتقديم استقالتك من لعبة حشرتك نفسك فيها ولا طاقة لك بإنجاز شيء ذي بال، ولا تستسلم لعملية المسخ التي يتقنها المخزن”، وفي فقرات أخرى يدعو دعوة لم تجد من يسمعها، ولم تجد لها صدى داخل الجماعة(..)، إلى “تحويل القصور الملكية إلى جامعات أو معاهد، كما يدعو إلى توزيع أسهم الهولدينك الملكي “أونا” و”سيجر” على الفقراء وتخفيض ميزانية القصر..”.

——————

استبعاد فكرة الالتحاق بتنظيم قائم

سبق أن تحدثت بعض الأوساط عن إمكانية التحاق جماعة العدل والإحسان بحزب “الديمقراطيون الجدد” الذي يحضر له الأستاذ الجامعي محمد ضريف، لكن فتح الله أرسلان قال للصحفيين الذين سألوه: “نحن لنا تصور ولنا رؤية ومنهاج عمل، ولا نريد أن ندخل تحت قبة أي طرف من الأطراف”.

بذلك يستبعد أرسلان الذي يمكن اعتباره أقوى شخصية داخل الجماعة، بالإضافة إلى عبد الواحد المتوكل فكرة الالتحاق بتنظيم قائم، على غرار تجربة حزب العدالة والتنمية، التي لم تنجح في استقطاب أعضاء الجماعة من أجل التصويت لصالحها في الانتخابات، “نحن لم نصوت للعدالة والتنمية ولن نصوت لصالحها، في 2015″، يقول المتوكل، الذي ينتقد مثله مثل أطراف سياسية أخرى عدم قدرة بن كيران على اختيار وزرائه واستعمال صلاحياته(..).

—————

خلاصات

 

إن المتتبع لمسار جماعة العدل والإحسان، باعتبارها خزانا بشريا، والمتتبع للفراغ السياسي الذي خلفه تهلهلتوضعية بعض الأحزاب، قد يجد في طريقه كل المبررات من أجل الدعوة لتأسيس أحزاب جديدة ومن بينها حزب العدل والإحسان، فهم ليسوا مثل تنظيم “داعش”، كما أكد ذلك فتح الله أرسلان وعبد الواحد المتوكل، خلال آخر خروج إعلامي لهما.

————–

فتح الله أرسلان: “لا نطلب إلا ما يضمنه الدستور المغربي”

–         لماذا ترفضون دائما تأسيس حزب سياسي؟

–         نحن لا نرفض تأسيس حزب سياسي، المخزن هو الذي لا يسمح بتأسيس حزب إلا بعد توفر شروط غير تلك الواردة في قانون الحريات العامة. فالحزب السياسي في المغرب يخضع لمساطر قانونية، وإلى جانبها مساطر سياسية يفرضها المخزن فرضا على كل راغب في ممارسة حقه في التجمع والتعبير السياسيين. وكم من حزب في المغرب، بل كم من جمعية ثقافية أو رياضية أو فنية أو تربوية لم تتسلم وصل إيداع ملفها القانوني لمجرد أن المخزن شم رائحة معارض له من ضمن أعضاء مكاتبها. ويتابع الجميع كيف أن أحزابا تحصل على الترخيص بين عشية وضحاها، في حين ما تزال أحزاب أخرى تناضل منذ سنوات لنيل هذا الحق البسيط وتمنع منه إلى يومنا هذا.

كما أن الشروط التي يفرضها المخزن مقابل السماح بالنشاط الحزبي تفقد الحزب دوره ووظيفته التي من أجلها أوجدته الديمقراطيات الناجحة، وبالتالي ما الجدوى من تأسيس إطار لا يؤدي مهمته كما يفترض؟

–         هناك من يقول بأنه عرضت عليكم في وقت من الأوقات إمكانية الالتحاق بالعمل السياسي من خلال أحزاب قائمة هل هذا صحيح؟ وما حقيقة ذلك؟

–         نعم حصل هذا ولم نقبل به أبدا، نريد حقنا الطبيعي في الممارسة المجتمعية، وقد ارتضينا جماعة العدل والإحسان إطارا لذلك لا غيرها، لأننا نريد العمل بوجه مكشوف ولا نقبل التسلل من خلال النوافذ.

–         بشكل أوضح ما هي شروطكم من أجل الدخول في اللعبة السياسية؟

–         نحن منخرطون في العمل السياسي ولسنا أبدا على الهامش كما يصورنا البعض، ولعله يغالط نفسه من لا يزال يروج لهذه الشائعة بعد السنة الفارطة، وما كان فيها من أحداث كبيرة كانت جماعة العدل والإحسان المؤثر الأبرز فيها. وعلى كل حال فنحن لا نطلب أكثر مما يضمنه الدستور المغربي على علاته من حق في التجمع والتعبير بحرية.

 

مقتطف من حوار جريدة الأسبوع الصحفي بتاريخ: 26 / 01 / 2012

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!