في الأكشاك هذا الأسبوع
هل يمكن التفريق بين هذين الأميرين، سيدي محمد ومولاي هشام ((لقد حزن سيدي محمد لفراقي وأنا حزين جدا لفراقه)) (المذكرات)

الحـقــيقة الضــــائعة | أول تحرك صحفي لمحمد السادس أغضب الحسن الثاني

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

كان الحسن الثاني مهووسا بإحساس داخلي، يغار كثيرا وهو يتصور ولده سيدي محمد ملكا محله، وفي نفس الوقت كان يعاني من رفض ولي عهده لتبني أسلوبه ولطريقته في الحكم. لتأتي سرود وحالات تكشف أن المعاشرة الأخوية الطويلة بين الأمير سيدي محمد والأمير مولاي هشام، جعلتهما معا يشكلان اتجاها ثوريا على الأساليب المخزنية، فكانت غيرة الحسن الثاني منهما تزداد. ويحكي مولاي هشام مرة وكان عاد لتوه من عند الملك الأردني حسين سنة 1989 الذي قال له: ارجع إلى وطنك، فعلم الحسن الثاني بذلك، واستدعى مولاي هشام، وبحضور زوجته للا لطيفة ليقول له: ((اسمعني، أنا وأنت انطلقنا في تعاملنا انطلاقة سيئة لم تفهمني لأنك كنت صغيرا، والآن وأنت راشد، فلتعرف أنك ولدي الثالث، لأنني أنا الذي اخترتك، وليس لأنني توليتك من بعد موت أبيك)).

وكنت أتساءل – يقول مولاي هشام – وقد تحسنت علاقتي كثيرا بالحسن الثاني، عما إذا كان بصدد التخطيط لطريقة يكسر بها صداقتي مع سيدي محمد، وفاتحني أحد المستشارين الملكيين في الموضوع لأقول له: إن الملك، ليس بخالد، وسيموت في يوم من الأيام، ليسارع المستشار إلى إبلاغ هذه المحادثة، وليقول له الحسن الثاني: وكأنه يريد من المستشار أن يبلغ مولاي هشام قوله: ((إني سأحكم المغرب من قبري)) وأنا هذه الأيام – يكتب مولاي هشام – أتساءل، هل فعلا.. هذا هو ما يحصل الآن.

لتكون المفاجأة للحسن الثاني ولمولاي هشام، مرة في سنة 1993، عندما أعطى سيدي محمد استجوابا لمجلة “باري ماتش” الفرنسية وقال فيه: ((إذا كان والدي يظن أني لن أتحمل المسؤولية فليسلمها لأخي، أو لابن عمي)) فأخذ مولاي هشام المجلة في يده وهو يقول للحسن الثاني: هل ترى ماذا يحصل، إنك تخلق مشاكل بيني وبين ابن عمي سيدي محمد، فأجابه الحسن الثاني ((هل تظن أننا عائلة حانوت العطار، التي تغلق الدكان عشية؟ إني أعمل ما أريد، وما أريد أن أقوله لولدي، هو من مصلحة الوطن، ثم استدعى سيدي محمد ليقول له: لقد ورطتني عندما نقلت أمورنا إلى الرأي العام، ولكنه عاد ليوجه الكلام إليَّ وإلى سيدي محمد قائلا: إنكم إخوة)) ولكن الواقع يقول مولاي هشام ((أنه انطلاقا من سنة 1990، كانت علاقتي مع الأمير سيدي محمد، قد قتلت بالسم الذي بثه الحسن الثاني بيننا)).

متعددة هي حالات الغيرة، التي تصيب الكثير من الآباء، عندما يروا أولادهم يرتبطون بصداقات، تكاد تنهار لقوتها أركان العائلة، وصداقة مولاي هشام مع ابن عمه سيدي محمد لدرجة كتب عنها مولاي هشام ((إننا لم نكن نشعر بأحد، فلقد كنا مرتبطين وكأننا مرصوصين(…) لبعضنا، وهكذا كبرنا سويا، وفي المدرسة المولوية عندما كنا نتضايق معا ونعاني معا من هذه المسرحية المخزنية، بأزيائها وطقوسها، وتكليف وزير بتدريسنا تلك الطقوس، وتعليمنا وسائل الخطابة وطقوس احتفالات نهاية السنة الدراسية، وعندما خرجت من هذه المدرسة المولوية، تعاهدنا أنا وسيدي محمد أن لا نفترق أبدا، وكنا نتشابك الأذرع، لإنقاذ المواقف)).

وكانت دائما والدة الحسن الثاني، للا عبلة الحكيمة، هي التي مهدت لتسجيل مولاي هشام في الكوليج الأمريكي، حيث نجحت في إقناع ولدها الحسن الثاني بالسماح لي بالتسجيل في هذا الكوليج بعد انقلاب غشت 1972، وقالت ((إنها حريصة على تباعدنا المدرسي، تفاديا لشيطنة الحساد(…)، حتى لا يتم نسفها من طرف الدخلاء(…) وحرصت على أن لا يكون الكوليج فرنسي، حتى لا يقال أن مولاي هشام غادر القصر)) ويضيف مولاي هشام: ((لقد كان سيدي محمد حزينا لمغادرتي، وأني حزين جدا لافتراقي عنه، فهو أخي الكبير، فكنت حريصا على أن أتعشى معه كل يوم)).

أكيد، أن مولاي هشام، تأثر كثيرا بالدراسة في الولايات المتحدة، ولولا الحسن الثاني، لكان سيدي محمد قد أصبح هو أيضا أمريكي الطباع، والتفكير.

ومن الطباع الأمريكية يحكي مولاي هشام، أنه يوم زواجه بالسيدة مليكة بنعبد العلي، لم يكن عدد المدعوين يتعدى الثلاثين، وفي السابعة مساء كان الحفل قد انتهى، خلافا لأخيه مولاي إسماعيل، الذي نظم له القصر حفل الزفاف بحضور ألف وخمسمائة مدعو، وقضاء شهر العسل في جزر المالديف.

إلا أن قارئ المذكرات، مرغم أن يتوقف في التركيز، عند موقف للحسن الثاني تجاه مولاي هشام، يفهم من تفاصيله، أن الحسن الثاني وقبل موته بسنتين، وكان يتتبع الأنشطة التجارية لمولاي هشام، وربما كان يغار منه ومن ضخامة أعمال البيزنيس في الخارج، وهو يتنقل من عاصمة لأخرى، بعيدا عن المشاكل والأزمات السياسية، وسمع الحسن الثاني أن مولاي هشام عبر جوا من أمريكا ليتوجه عند صديق طفولته، الشيخ محمد بن زايد، ابن الشيخ زايد بن سلطان وولي عهد الإمارات الحالي، دون التوقف في الرباط، فأحسست – يقول مولاي هشام – بردة فعل عمي الحسن، وكانت إيجابية(…) فقد أحس الحسن الثاني، بالانشراح لضمان مستقبل ولده(…) وأنا أيضا وجدت غايتي(…) وأنا أطلق في أبو ظبي مشروعا ضخما لتربية الحيتان عبر شركة “اسماك”.

وبصريح العبارة، يكاد يفهم القارئ أن مولاي هشام، لم يبق منشغلا بمشاكل الحكم في المغرب، بل في كثير من فصول المذكرات، يعبر عن عدم تواجد اي طموح للحكم في انشغالاته، بل إن أحداث أخرى، بلورت رغبة صادقة من مولاي هشام في دعم سيدي محمد، الذي نوه به في عبارة واضحة، قال فيها وهو ينتقد طقوس المخزن المعقدة في عهد الحسن الثاني وكتب ((وفي سنة 1999، أنهى محمد السادس هذه الطقوس التي كانت سلطانية أكثر منها ملكية، وهي طقوس غير لائقة بالمواطن في عهد الديمقراطية العصرية)).

شهادة أخرى قدمها مولاي هشام، وكانت خارج القصر والطقوس، بل أمام النخبة التي كانت قديما متجمعة حول ما كان يسمى “مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد” التي كانت تتقرب من ولي العهد سيدي محمد وبالكثير من المبالغة(…) فاستدعوا مولاي هشام لإلقاء محاضرة حول “الانتقال الديمقراطي في العالم العربي” ولكنهم في آخر ساعة، وعندما جاء مولاي هشام قالوا له: آسفين، لقد حصل تغيير، والمحاضرة سيلقيها ولي العهد سيدي محمد مكانك، والذي تكلم أمام الجمع، ليعلق مولاي هشام في مذكراته على هذا الحدث ويكتب: ((إنه ولي العهد يباشر دخوله إلى عالم السياسة، وأنا أتيه في الضباب)).

وها هو مولاي هشام يفتخر، بأن بيعة الملك محمد السادس، أمضيت بقلمه، لأنه – ويفسر- لم يكن أي حاضر ساعة البيعة، بعد موت الحسن الثاني، يتوفر على قلم في جيبه، حتى التشريفات لم تفكر في هذا، فأحرجت الجميع بإخراج قلمي من جيبي. وهكذا تكون البيعة، هذا النص الذي يجدد الولاء، بين الحاكم والمحكومين، ممضاه من طرف المبايعين، بقلمي ((لقد أمضيت البيعة دون لبس الجلباب، الشيء الذي يفهم منه، إني كنت مجرد عابر(…).

مرة أخرى تغلب الصداقة القديمة، بين الملك محمد السادس والأمير مولاي هشام حينما جاء وقت السلام على الملك الجديد ((وأنا بحكم التأثر المفاجئ، عانقت صديقي بدل أن أقبل يده، ثم إني لم أكن أقبل يد الحسن الثاني، لدرجة أنه مرة قاطعني ستة شهور، وكان سيدي محمد هو الذي فسر لي سبب مقاطعة الحسن الثاني لي، لأني لم أقبل يده)).

ويدافع مولاي هشام عن نفسه أمام من أقاموا الدنيا وأقعدوها من أجل حكاية المعانقة أثناء البيعة، فيحكي جزئية أكبر أهمية من تلك الجزئيات، عبارة عن نقاش في أعقاب البيعة دار بينه وبين القطب الاستقلالي امحمد بوستة، الذي قال لمولاي هشام ((ما هذه التقاليد، إن هذه البيعة كان يجب أن تكون أمام البرلمان، وسترى(…) النتائج))، فيجيبه مولاي هشام ((مدافعا عن الملكية – كما قال – لا يمكننا أن نبدأ الإصلاحات بالتشكيك في نفوذ الملك، يجب أولا أن يتمركز في موقع النفوذ)).

وتحت أبصار المتتبعين، وربما الغيورين، من باب الغيرة، ومسامير المخزن، يركب الملك الجديد محمد السادس بعد بيعته سيارته، فيسأله مولاي هشام إلى أين، ليقول له محمد السادس، إلى بيتي في سلا، وليقول له مولاي هشام لا، إنك الآن ملك ويجب أن تقضي ليلتك في القصر، فيقرر محمد السادس، المبيت في القصر الملكي..

ويدخل مولاي هشام على الملك محمد السادس، بعد بضعة أيام، ليقدم له وجهة نظره في طريقة التسيير وتغيير المسار المخزني، وينصح بإبعاد إدريس البصري الذي كان يمثل أسلوبا أصبح متجاوزا، إلى غير ذلك من الأفكار، عبارة عن خريطة طريق إصلاحية، تجعل الملكية تدخل عهدا من القوة بدعم من الشعب ((حيث فوجئت بالخطاب الملكي الأول 30 يوليوز وقد كتبه المستشار عبد الهادي بوطالب، يتضمن الكثير من الأفكار التي قدمتها، لولا أني شعرت بتغيير الصيغة في خطاب 20 غشت)) الشيء الذي يقول مولاي هشام، لم أكن أتوقعه، مضيفا، وقد شعرت بالمحيطين بمحمد السادس يوجهون إلي نظرات تعني عدم الرضى.

وكانت مفاجأة مولاي هشام مرة أخرى، عندما زاره في بيته وفد من أصدقاء الملك، ربما كانت تنقصه اللياقة، وهو ينقل له رسالة من الملك محمد السادس، بأن لا يعود لزيارة القصر الملكي، إلا إذا تم استدعاؤه، ويذكر مولاي هشام أنه أحس بحرج بليغ، لولا أن محمد السادس، سمع بالعنف الذي طبع صيغة مبعوثيه(…) وسجلوا أن بذرة خلق الصراع بين سيدي محمد ومولاي هشام زرعت بعد موت الحسن الثاني بأيام، فبعث له محمد السادس وفدا آخر، بعضوية مدير ديوانه رشدي الشرايبي وفؤاد الهمة، ليقول له هذا الأخير، وكأنه يصلح ما افسده المبعوثون السابقون، بأن “المبعوثين الذي زاروه من قبل، أساؤوا إبلاغ الرسالة(…) لأن جلالته يبلغك أنه سيستدعيك كلما احتاج إليك.

ليكون رئيس الحكومة عبد الرحمن اليوسفي، آخر من يعلم، فقد استدعى مولاي هشام، ليسأله لماذا لم يبق يراه بجانب الملك، وبعد شروح مولاي هشام، يحكي له اليوسفي قصة شيخ الإسلام، محمد بن العربي العلوي الذي ذهب عند الملك محمد الخامس، ليقول له: كيف وضعتم كل أقطاب الحركة الوطنية في السجن، ليجيبه محمد الخامس بقوله: إنها قرارات صادرة عمن هم أقوى مني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!