في الأكشاك هذا الأسبوع

شعراء مراكش بين الإبداع والانتفاع

بقلم. ادريس أبابا

     لا يجب أن تكون تكريماتنا مقتصرة على انتماء سياسي أو تقارب عائلي أو تفاهم مادي، ولا يجب كذلك أن نسمي الأشياء بغير أسمائها في إعطاء التوسيمات لمن يستحقها، ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد فقط بل نودع موتانا في المقابر بالتطاول على الأحياء (بإقبار أحياء لإحياء موتى) فعندما نذكر المشيعين بميت فعل وفعل، ونضرب بفعل الحي بقهره ونسيانه وحتى بعدم التنبيه إليه من أجل إنقاذه من مرضه أو على الأقل إشعاره بأن له من يهتم به من أبناء وطنه، أو ممن عايشهم في بطن أمه… في مراكشنا أسماء عانت مما قلت وما تزال تعاني لم يراع في حقها (إلا ولا ذمة) أي (فرضا ولا سنة) جرتني ذكريات شبابي إلى بعض من عايشتهم من الكتاب والشعراء والمثقفين الذين جمعتنى بهم ليالي مراكش بمقهى “السوريون” بساحة جامع الفناء، ومقهى “الدرج”، وأندية ثقافية قرأنا فيها قصائد شعرية ومقالات نقدية ومنشورات صحفية انتظرنا مجيء سيارتها الحزبية حتى الصباح… كان بطل المسرحية الصديق (أيت وارهام أحمد بلحاج) لا أدري كيف تراجع هذا الصديق عن انتمائه لقبيلته “أيت وارهام” الأمازيغية، وإبدالها بكلمة “اية وارهام”، كان الصديق مثالا لجيلنا بلباسه الأنيق وسيجارته الممتدة بتبغها الممتاز!! وكم عجبت لصديقي وارهام في استهلاكه المفرط لسيجارته وهو يكتب أو يلقي قصيدته أو يجري معه الصديق الأديب البشير النظيفي استجوابا بعنوان: “الكتابة سلطة ليست بريئة” قد يظن القارئ أن إنتاجاتي مع الأخ وارهام كانت مقتصرة على ما قد لا يناسب مع شهر رمضان، ورغم المرحلة العمرية التي عشناها في هذا الظل فقد كنت وإياه لا نفارق جلسات روحية بترديد آيات القرآن الكريم أو قصائد صوفية، وكنا لا نكتفي بمجرد التمايل أثناء تلاوة الأذكار بل نكاد نندمج مع الذين أخذهم “الحال” بالعمارة وترديد اسم الله “الله، الله، الله” ما زلت أتذكر وكم هي مثيلاتها من تلك الذكريات ونحن في مقهى “الدرج” في انتظار سيارة “العلم” لنتلقى الجريدة، وقد خلت من موضوع في نقد ديوان شعري دون أن يكون اسمي فيه قد نشر، وما كان مني إلا أمسك ورقة في حالة من الاحتجاج على عدم النشر، وأبدأ بتخطيط جملة “السلام على من أتبع الهدى” ولم تكن الرسالة لتخطيء المرسل إليه إنه الزعيم الكبير الشاعر علال الفاسي رحمه، هذا الرجل وافقنى احتجاجي وأمر الراحل عبد الجبار السحيمي بنشر المقال في الأسبوع الموالي… تلك كانت أيام رفقتي مع الصديق أيت وارهام الذي أهنئه بإحرازه على الجائزة الأولى للشعر ضمن شعراء مغربنا في هذه السنة…

وأجد نفسي مع أحد كتاب المقالة بمراكش الصديق البشير النظيفي الذي تطالعني مواضيعه الثقافية المنشورة في الملحق الثقافي لجريدة “العلم” كل خميس، أذكر مقالات البشير المنشورة بـ”الميثاق الوطني” وفي طليعتها استجواب مع وارهام وهما معا في ريعان شبابهما سنة 1987، ما أثار انتباهي في الاستجواب واقع الأسئلة المحرجة والمطروحة على شاعر فحل في القصيدة الشعرية العروضية وما يمارسه باستمرار في قصائده النثرية من صور تدينه بهذا السؤال (بين الشعر العمودي والشعر التفعيلي الحر، أين تجد نفسك؟ ويلتمس الشاعر وارهام أكثر من عذر لتبرير اختياره!؟

(لا أستطيع أن أعطي تعريفا عن الذات، إذا كان السؤال يقصد ذلك، فأنا واحد من أبناء هذا الشعب، أعيش هاجسه ونبضه…) ثم يأتي سؤال من النظيفي ليعمق جرح الشاعر بالانسياق مع الشكل دون المضمون فيقول السؤال꞉ “هل ممارستك للشعر بشكله الجديد يخضع للتطور في الرؤية الفكرية والشعرية؟ أم أنه أمر لا يتجاوز التأثر بالحركة الشعرية الجديدة القادمة من العراق ولبنان ومصر؟” ويستمر الاستجواب محللا وموضحا شاعرية مع جذب نفسه من سيجارته، ويصاحب هذا الاستجواب نشر قصيدة للشاعر بخط يده تحت عنوان: “عالم آخر” من شعره الحر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!