في الأكشاك هذا الأسبوع
الصورة التي شملتها الرقابة على الصور الملكي فمنعتها، حيث يظهر مولاي هشام إلى اليسار، ثالث أمير يحمل نعش الحسن الثاني، بجانب الأميرين سيدي محمد ومولاي رشيد.

الحـقــيقة الضــــائعة | الزمن .. هو سيد الملوك

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

يحكي مولاي هشام، وهو يسرد أيام صباه، أن أباه مولاي عبد الله: ((كان يصعد إلى غرفته، ويحلق ذقنه، ويلبس أحسن ما عنده، لأن الزعيم علال الفاسي سيأتي لزيارته، وقبل وصوله يقول لأمي “لميا” انزلي إليه عندما يأتي، وحدثيه عن الشرق، وكثيرا من الأحاديث النبوية)).

جزئية صغيرة في مدلولها.. ولكنها كبيرة في معناها، فالعم الحسن الثاني، لم يكن يعتبر استقبال الأب مولاي عبد الله لأقطاب السياسة، إلا تحريكا لسكين الماضي، في أعماق الملك الحسن، الذي كان يعرف بالتدقيق، كل لحظة من لحظات ذلك التاريخ العميق، للصراع بين كل ملك وأخيه، حتى قبل ولدي هارون الرشيد الأمين والمامون ((وقد ترك لهما الأب العظيم، وصية، بأن يكون المامون ولي عهد للأمين، وأمر بأن تعلق هذه الوصية على أستار الكعبة ((فلما أصبح الأمين ملكا بعد أبيه طلب من الكاتب الذي علق الوصية في الكعبة، أن يحضرها له، ويمزقها)) (تاريخ العباسيين. ابن وادران).

وما جرى بين أولاد مؤسس الدولة العلوية، مولاي الشريف، سيدي محمد ومولاي رشيد، وهما الأخوان اللذان كانت مهمتهما نشر ألوية الإسلام في المغرب، سنوات قليلة بعد أن كانا في سجلماسة لا شيء، فقط أولاد حفيد رسول الله الذي جاء لتافيلالت قصد نشر الإسلام ((فتخوف مولاي رشيد من نفوذ أخيه محمد بعد أن أصبح خليفة لأبيه، لما يعرفه عن أخيه من صرامة وشهامة ونهض لقتاله والقبض عليه، ولما التقى الجمعان في بسيط أنكاد، كانت أول رصاصة في نحر المولى محمد وكان فيها حتفه يوم الجمعة 9 محرم 1075هـ /1664م)) (الاستقصا).

ولم يكن اتهام الحسن الثاني، بالتنكيل بأخيه مولاي عبد الله – كما يروي ذلك مولاي هشام بالتفصيل – نتيجة خوفه من أن يضايقه مولاي عبد الله في الملك، فقد كان يعرف، ما جرى عندما كانا معا في المنفى رفقة والدهما محمد الخامس، وكان الاستعمار الفرنسي، يخطط لتنصيب مولاي عبد الله ملكا على المغرب، ليحتفظ بمحمد الخامس والحسن الثاني، لاجئين في فرنسا، واشتروا لهما، لهذه الغاية، بيتا فخما في مدينة نيس.

في نونبر 1954 كتب مراقب لأفراد أسرة محمد الخامس، المنفيون، ((أن الأمراء والأميرات، كانوا يحضرون شوافة لبنانية، لتقرأ لهم الكارطة، ومرة قالت لمولاي الحسن، أرى أنك ستصبح ملكا، فالتفت مولاي الحسن إلى أخيه مولاي عبد الله وقال له: إن الفرنسيين يفكرون في تنصيبك، لأن رأسك فارغ، ولكن لتعلم أنه إذا خرجت عن الاتفاق معنا، فإننا سنصفيك…)) (الحسن الثاني. إينياس دال).

وكان رئيس الحكومة الفرنسية منديس فرنس هو صاحب اقتراح مولاي عبد الله، لعرش المغرب في تصريح له أمام المجلس الوطني الفرنسي، يوم 27 غشت 1954، في إطار اعتراف فرنسا باستقلال المغرب، وحيث تحفل الملفات الفرنسية، بالكثير من مواقف بعض الاستقلاليين والشوريين المؤيدة لمشروع منديس فرانس، فإنه من السهل، فهم التأويل الذي كان يعطيه الحسن الثاني لعلاقات أخيه مولاي عبد الله مع أقطاب الأحزاب المغربية.

وكانت أطراف القصر الملكي في عهد الحسن الثاني، لازالت تحتفظ في بنائقها(…) بالكثير من الشهود الأحياء، على تلك الحرب التي كانت قائمة بين سلطانين أخوين، مولاي عبد العزيز ومولاي حفيظ، سنوات قليلة، قبل تنصيب محمد الخامس، ومولاي عبد العزيز ولد سيدة تركية، لالا قيقة المستحضرة من اسطمبول، وقد سبقني مولاي هشام للخوض في هذا العالم المزخرف الجميل، الأشبه ما يكون بعالم ألف ليلة وليلة، وكان هو نفسه قد تعمق في جزئياته فحكى في مذكراته ((عن نساء الحريم المتبقيات في قصر الحسن الثاني، الرائعات، نجيبة، وهجر، وقد ارتبطت بهذه الأخيرة وأنا صغير حينما أدخل لأقبيتهن وأشاهد صورهن مع السلاطين العثمانيين الأتراك، كانت هذه السيدات تتكلم التركية والدارجة المغربية وتعزفن البيانو.. هجر كانت تشخص السر الخفي، فقد كانت محظية عند السلطان مولاي عبد العزيز وكانت أمي لميا، تمازحها وتسألها عن تفاصيل حياتها مع السلطان، فيقول لها أبي: اتركي عمي عنك، إنها الحياة الداخلية للعلويين)).

هجر أثرت بتاريخها وسرها الخفي، على مولاي هشام فسمى ابنته الثانية هجر.

وها هي جزئية تعود بنا إلى السلطان مولاي عبد العزيز، الذي كان سنة 1907، يخوض الحرب ضد أخيه مولاي حفيظ، وكانت حربا أخذت طابعا دوليا، حينما كانت فرنسا وإسبانيا وألمانيا، كل واحدة تراهن على أخ مولاي عبد العزيز، الذي استنجد بالعلماء المغاربة، لإصدار فتاوى لتكفير أخيه مولاي حفيظ، وهذا الأخير يشحذ القبايل لغزو الرباط، مضطرا للتحالف مع الصحراوي الهيبة ماء العينين للهيمنة على مراكش، وعندما شاءت الظروف إبعاد الأخوين المتصارعين عن المغرب، وتواجدهما لاجئين معا في باريس ((سألت ابنة مولاي عبد العزيز أباها يوما عن ذلك الشخص المغربي الذي مر بجانبه وهو يشبهه، ولم يكلمه، فقال مولاي عبد العزيز لابنته: إنه أخي مولاي حفيظ)) (المغرب في عهد مولاي يوسف. زين العابدين العلوي).

لذلك، وفي خضم دفع مولاي هشام، لنصيبه من هذا الصراع الذي أدركه، كتب حكمة في كتابه قال فيها: ((إن الزمن هو سيد الملوك)).

زمن الأخوين مولاي حفيظ ومولاي عبد العزيز، كان زمن السريجة والبغل سنة 1908، وفي عهد الأخوين الحسن الثاني ومولاي عبد الله، كان زمن الوسائل الكبرى.

يحكي مولاي هشام، أنه شاهد أباه مولاي عبد الله يبكي، عندما كان ممثلا شخصيا للحسن الثاني، وتوجه في إطار هذه المهمة لزيارة الملك خالد في السعودية، فقال له الملك خالد، إن الحسن الثاني اتصل بي وقال لي: لا تثق بما سيبلغه لك أخي مولاي عبد الله.

وعاد مولاي عبد الله لتوه للمغرب، ليقدم استقالته مكتوبة لأخيه، وجلس في البيت يفكر.. ظانا أن الحسن الثاني لن يقبل الاستقالة، مراعاة للحتميات الملكية.. ولكنه فوجئ في المساء، بخبر الاستقالة يذاع في التلفزة المغربية.. فجلس مولاي عبد الله يبكي، وكان ذلك في أركان القصر، تتويجا، لا للملك الحسن الثاني، وإنما لمخطط المحيطين به.. والذين كانوا في كل جلساتهم معه يقولون له: خذ الاحتياط من مولاي عبد الله، مستشارون ووزراء، في 1970، يعيشون بفلسفة القرن الماضي، ويزرعون في أركان القصر الحضاري للحسن الثاني، جذور الصراع التقليدي الموروث عن همجية أيام مولاي إسماعيل بين أفراد الأسرة الملكية الواحدة، ويظهر لنا في القرن الجديد، أن المحيط الملكي في القرن العشرين، نجح فيما يعانيه المحيط الملكي في القرن الواحد والعشرين.

وليس من حق المخطئ، أن يتصور أن هذه الأفكار الأركيولوجية(…) هي من وحي المخازنية، أو موالين الوضوء، أو الشوافات العواجز المتبقيات في دهاليز القصر ((فقد كان المستشار العصري(…) أحمد رضى جديرة على توافق مع المستشار الآخر أحمد بنسودة، لتوجيه الضربات إلى والدي مولاي عبد الله)).

((آخرون كانوا في المحيط الملكي يوجهون رماح الإهانة تجاه مولاي عبد الله، أحمد باحنيني، وأحمد السنوسي، حيث ذكر باحنيني يوما بأن التقليد يقضي بضرب الأمير بالفلقة)).

دموع مولاي عبد الله عندما قدم استقالته من منصب الممثل الشخصي، لم تشفع له في سنة 1980، قبل موته بثلاث سنوات، عندما سمع خبر إعفائه من منصب عضو في مجلس الوصاية، ليقول له الحسن الثاني معتذرا: إنها حتميات الدولة، ولكن الملك السعودي خالد، وكان في المغرب أعرب للحسن الثاني عن صدمته لهذا القرار، ولما كان الملك خالد يحكي لمولاي عبد الله، فوجئ بهذا الأخير يعلن رغبته في الابتعاد نهائيا عن المغرب، ويقول للملك خالد لقد دفعت تسبيقا في شقة اشتريتها في باريس، لأستقر بها، ولم يسأله الملك خالد عن الباقي، وإنما جاء كاتب الملك خالد بعد أيام، ليخبر مولاي عبد الله بأن الملك خالد، دفع المتبقى من ثمن تلك الشقة، 15 مليون فرنك، حوالي مليارين.

وقد يبحث الباحث المؤرخ، عن جذور هذا الصراع الخفي بين الحسن الثاني وأخيه مولاي عبد الله، هل هي سياسية، أو مجرد تكرار لما جرى في التاريخ، مقرونا بمقولة: إن التاريخ يعيد نفسه.

إلا أن أولئك الذين كانوا ينصحون الحسن الثاني ((بإهانة مولاي عبد الله، حتى لا يفكر في شيء آخر(…))) دخلوا على الحسن الثاني مرة في أعقاب محاولة انقلاب الصخيرات فرحين، إن الضابط المرافق لمولاي عبد الله الكولونيل الفنيري، كان مع الهيأة العليا، للثوار، وتم إعدامه مع أقطاب ثورة 1971، وإن مولاي عبد الله زار الفنيري في معتقله قبل إعدامه. مولاي هشام يلخص ضخامة هذه المحاولة الانقلابية عند مشاهدته للحسن الثاني في أعقاب هجوم الصخيرات ((وهو يضرب رأسه في الجدار ويقول: بسببي كادت أربعة قرون من تاريخ العلويين أن تذهب سدى، لقد تم تسليم هذا العرش، وكأنه جوهرة، من يد لأخرى، وأنا الذي كنت سأتسبب في ضياعه)).

لكن.. هل حافظ الحسن الثاني، وكرس ذلك الصراع بين الإخوة وأولاد العم، لتبقى الملكية عند العلويين، أما كان له أن يعطي هذه العائلة طابع الاستمرارية بعيدا عن التقاليد المخزنية، أم أنه تقليد متأصل منذ أربعة قرون.

((يُحكى أن السلطان محمد الرابع، محمد بن عبد الرحمن، كان سنة 1870 في قيلولة، “لاسييست” وأخذه النوم، فرأى في منامه أن ابنيه الأمير الحسن والأمير إسماعيل يتعاركان في صراع حول نعلي السلطان، وانتهى هذا الصراع بأن أخذ الحسن النعل اليميني، وأخذ إسماعيل النعل الثانية، ولما توفي السلطان سنة 1873 حصل فعلا صراع بين الحسن الأول مولاي إسماعيل، تدخلت فيه أمهما وكانت سيدة عاقلة لتضع الحرب أوزارها وينتظر الحسن الأول موت أخيه إسماعيل)) ولكل أجل كتاب (عهد السلطان مولاي يوسف. زين العابدين العلوي).

الصراع العائلي عند العلويين(…)، إذن، ليس من صنع الحسن الثاني، ولا أخيه، ولا من صنع محمد السادس ولا ابن عمه، وإنما هو صراع متوارث أبا عن جد.. أجيالا عن أجيال.

وما عملته زوجة السلطان محمد الرابع، عملته أم الملك الحسن الثاني، للاعبلة، التي قال مولاي هشام أنها لعبت دورا كبيرا في القصر، وكانت في عمق النفوذ، استدعت مولاي هشام يوما وقالت له ((إن هذه الألقاب(…) جاءتنا من الغرب، ولا تتناسب مع أي شيء، إنك لست لا سمو ولا أمير ولا ملكي، إنك فقط شريف، إن الحسن الثاني يتعامل معك هكذا، لأنه يخاف أن تكون ظلا حاجبا لولده)).

ويضيف مولاي هشام ((وقاتل لي، وكانت تشملني بعنايتها لغاية موتها سنة 1992: لا تكشف عن ذكائك، ولا ترتكب أغلاطا لكي يصلحوها لك، ولكن اكتب أغلاطا في رسائلك لمولاي الحسن حتى ينبهك إليها، وهكذا ستعود للقصر سالما، وبكل أسف، فإنها أخطأت في هذه الرؤيا، ولم يتحقق حلمها)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!