في الأكشاك هذا الأسبوع

المنبر الحر | السلطة القضائية والسلم الاجتماعي

       إن السلطة للشعب، وهو الأصل، وكل السلط الموجودة في الدولة، نابعة ومفوضة منه.

وإن من بين هاته السلط، المفوضة منه، سلطة القضاء، التي يعود لها دور الفصل في النزاعات المعروضة عليها على أساس القوانين الجاري بها العمل، بغية إرساء العدل الذي هو أساس الملك، بمفهوم العمران أي التنمية والبناء لأنه بدون اطمئنان رجال الأعمال على أموالهم بثقتهم في القضاء فإنه لا استثمار وبالتالي لا تنمية.

كما أن للقضاء دور أساسي في إرساء السلم الاجتماعي، إذ باللجوء إليه فإن يتجنب المتنازعون أخذ حقوقهم من تلقاء أنفسهم، والذي من شأنه أن يخلق الفوضى وعدم الاستقرار في المجتمع. وتعتبر سلطة القضاء ملاذ المواطنين الأخير، إذ أن اللجوء إليها لا يتم عادة إلا عندما تنغلق جميع الأبواب الأخرى لحل خلاف أو نزاع ما.

وعليه عندما تكون هاته السلطة في غير المستوى المنوط بها، لسبب من الأسباب، فإن ذلك من شأنه أن يفقد ثقة المواطنين فيها، وما يستتبع ذلك من العزوف عن اللجوء إليها، والذي يترتب عليه حتما، سواد اليأس والإحباط وتثبيط العزائم وتهديد السلم الاجتماعي والركود الاقتصادي.

وإنه لا جدوى من هيكلة الدولة، وتوزيع الاختصاصات على السلط، وإقامة الانتخابات وتصارع الأحزاب السياسية على الفوز بها، للقيام بعد ذلك بعملية التشريع وإصدار القوانين إذا كانت السلطة القضائية لا تطبق هاته القوانين. وهنا نركز على مفهوم تطبيق القانون وليس الحكم “فالحكم يومئذ لله” لأن القاضي واجبه هو تفعيل القانون وتنزيله على الواقعة المعروضة عليه، إن كان له رأي يخالف القانون في ما أوجبه، وخاصة في القضايا التي يمتزج فيها السياسي بالقانوني، والتي يتعين فيها على القاضي أن ينزع عنه جبته السياسية ويقضي بما ينص عليه القانون، وإن خالف ميوله أو توجهه السياسي، وإلا فسيكون في ذلك تجميع كل السلط بما فيها التنفيذية والتشريعية والقضائية بين يديه وذلك قمة الدكتاتورية والطغيان.

وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة، بغية التقليل من سلطة القضاء، لجوء جل التشريعات إلى الوسائل البديلة للقضاء كالتحكيم والوساطة.

وبمقارنة بسيطة في مجتمعنا المغربي، بين الأمس واليوم، فإننا نجد أن استقرار المعاملات والطمأنينة كانا سائدان أكثر من ظل مؤسسة “الأمين” بين الحرفيين والتجار، ومؤسسة مجلس القبيلة في القضايا المدينة، وإنه وإن كانت هاته المؤسسات يصعب عمليا تبنيها في الوقت الحاضر لتشعب مجال المعاملات وتعقدها، فإن البديل هو النهوض بمؤسسة القضاء بجميع عناصرها، وخاصة العنصر القاضي الذي هو عمودها الفقري، بتكوينه جيدا سواء من حيث المعرفة القانونية أو تكوين الشخصية القضائية التي تؤمن له الاستقلال والبقاء بمنأى عن الخضوع والخنوع، وتوفير جميع الظروف الكفيلة بأدائه لمهامه على خير وجه، ومنها تخفيف عبء كثرة الملفات بالزيادة في عدد القضاة، وتخصص القضاة في شعبة قانونية واحدة، يبتدئ بها مساراه المهني ليتطور فيها ابتدائيا ويجيدها استئنافيا ويتمكن منها في آخر مساره المهني.

 

                                                       عبد الحكيم هابي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!