في الأكشاك هذا الأسبوع
الأمير سيدي محمد والأمير مولاي هشام، وكيف كان الحسن الثاني يغار من تقاربهما

الحـقــيقة الضــــائعة | عندما حضر محمد السادس درسا في الجامعة الأمريكية عن الثورة

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

كان الأمير مولاي هشام، ممسكا بقباضة الهيليكوبتير التي كان يتلاعب بها فوق الشاطئ الأزرق، “هالفمون باي”، جنوب “سان فرنسيسكو”، وهو بين الفينة والأخرى يتتبع عفاريت(…) البحر وأفياله، وهي تخترق أمواج المياه الكاليفورنية، فقد كان أطباؤه الذين أجروا على قلبه عملية جراحية خطيرة، قد اختار منهم الطبيب الذي كان يعالج الحسن الثاني، الجراح “رومانو دوسانكتيس” الذي وجه مولاي هشام إلى المجمع الاستشفائي في “بانسيلفينيا”، حيث ركب له الجراح الدكتور “جوزيف بافاريا”، خمسة بونطاج قلبية، ليقول له الأطباء الآخرون، ما لا أعرف لماذا لم يذكره مولاي هشام في مذكراته، بأن جينات العائلة التي ينتمي إليها(…) لا تقاوم الموت ولا يتمتع أفرادها بعمر طويل.

لم يذكر مولاي هشام، هذه الجزئية، ربما خوفا(…) وربما حرصا على جانب التفاؤل تمسكا بالحياة أو ندما على ما ضاع من حياته، وهو ما كشفت عنه الأفكار التي راودته، وهو يجوب بالهيليكوبتير، متخيلا كما قال، إنه يقوم بجولة في صباح الدنيا، أو كأنني أعود للحياة.

مولاي هشام، إذن بشر مثل البشر، تهزه الحوادث التي يعتبر عبور صالات الجراحة، إحدى أكبر امتحاناتها.. وأخطرها، لذلك سارع ليحكي ما إذا أوحت إليه أمواج البحر الأمريكي وهو في طائرة الهيليكوبتير، وكأنه يكتشف الحقيقة الضائعة.

((لقد كنت أشعر بالراحة، بعد أن اكتشفت، وأنا في الهيليكوبتير، أني شخص آخر.. مادامت كل الأحداث تجد لها مكانا في أعماق حياتي، فالماضي عقيم، ثم إنه لم يبق يعني شيئا بالنسبة لي. كل ما هناك، أني كنت أريد أن أدعم الملكية.. ففقدت طريقي(…) وكأنني كنت في طنجرة معلكة، مع أناس غير ناضجين، طماعين في عالم من التفاهة وعدم الوعي، لقد فقدت عشر سنوات من حياتي ها أنا أخرج منها معقما، استلهم فكرة الكاتب “سمويل بيكيت” الذي يقول: “بأن الانكسارات لا مهرب منها، المهم هو أن تعود للوقوف”، والأهم أني لن أتراجع عن خدمة وطني)).

وهكذا، ستجدون، أن قضاء شهر رمضان هذا، بين صلاة وأخرى وبين إفطار وسحور ونحن نطالع محتويات أول كتاب يكتبه أمير من الدولة العلوية، باللغة الفرنسية: ((إنها أول مرة في التاريخ الطويل للعائلة الملكية حيث لم يسبق لأي واحد منها أن أخذ القلم ليتقاسم أفكاره مع خارج القصر ولا عبر جدرانه)) سنواكب عبر هذا الشهر الفضيل، أفكار هذا الكتاب الذي سنكتشف عبر صفحاته، أخبارا وأسرارا، وحقائق، كم كان مؤسفا أن يحرم المغاربة من متعة الاطلاع على ما جرى داخل القصور الملكية، ومؤسف، أن الحملة الهجومية التي تعدت في صفحاتها عدد صفحات الكتاب، طبعت بالمبالغة في النفاق، تجاه الملك محمد السادس، وكيف أن مؤامرات القصور، كما قرأناها في روايات الأدب العربي، لازالت مهنة مستمرة، كل الوسائل(…) مبررة لإنجاحها، بدءا من ترجمة عنوان الكتاب: الأمير المبعد أو الأمير الممنوع Le Prince Banni، والتي ترجمت بعنوان: “الأمير المنبوذ”.

وبعيد جدا، ما قيل وما كتب عن هذه المذكرات، من خلال رؤوس مواضيع، وزعت على الأقلام المنتقدة(…) وحملتها الكسالى(…) الذين لم يكتشفوا حقيقة ما فكر فيه مولاي هشام، وهو في الهيليكوبتير، وهو الذي علمته إقامته الطويلة في الجامعات الأمريكية، وهو الذي يكتب باليد اليسرى(…): ((أنا لست ضد الملكية، ولا اشتراكي ولا شيوعي، وإنما أمير مشاغب، أرى أن حل مشكلة المغرب، هو في القضاء على أسلوب المخزن، فأنا لست بجمهوري)).

وحتى لا يقول أحد ممن سماهم بأنهم ((يريدون الحفاظ على موقعهم وحدهم في مجال الهيمنة على الملك))، بأنه يقول بأنه ليس ضد الملكية، إذن، وكما عنونت الكثير من الصحف المأمورة(…)، بأنه يريد أن يكون بدل الملك، فيقول لهم: ((لست مرشحا لأي شيء ولا أريد أن أكون مكان أحد، ولكني لا أمنع عن نفسي أن أخدم بلدي وإذا أراد المغرب أن يكون مملكة الجميع، فأنا معه)).

عندما يموت أحد، أو يحتاج آخر لشكر، أو معونة، فإن الملك، محمد السادس، وهو السباق إلى هذه المكرمات، لا يكتب البرقية بنفسه وإنما الإشكالية هو ذلك الجهاز المكلف.

وهكذا عندما خرج مولاي هشام من المستشفى، ووجد على ظهر سطحه طائرة هيليكوبتير أوقفها الملك السعودي عبد الله ليلا ونهارا رهن إشارة مولاي هشام، فإنه تلقى آلاف البرقيات ومكالمة من الرئيس بوتفليقة، وحتى من أقطاب البوليساريو(…) فكتب في مذكراته بصيغة المصدوم، كيف أن الملك محمد السادس هو الذي لم يهنئه بسلامة النجاة من الموت.

ولكن أفكاره الجديدة التي قال فيها إنه أضاع عشر سنوات من حياته(…) أوحت إليه كما كتب، أن يهتم بأعماله التجارية وبمشروعه لبناء مدينة مستقبلية في عين العودة، فقرر أن يكتب رسالة إلى الملك محمد السادس، أدرجها في فصل خروجه من المستشفى بهذه الصيغة: ((إذا كنت قادرا على أن أفرض وجودي في الخارج، فإن واجبي يحتم علي أن أخدمكم « vous servir » وفاء لطفولتنا المشتركة، ولعائلتنا، وللمؤسسة التي تشخصونها.

وإذا كان صعبا علي أن أنجز مشروعا في المغرب، فإن تعليماتكم الإيجابية(…) كانت تفسر من طرف الغير، كإحساس منكم تجاهي، تترجم بأنها أوامر لتعقيد الأمور، وتأخير الترخيصات، في انتظار تعليمات أخرى.. وأخرى)).

صفحات كثيرة، مكتوبة، عن رفض الملك الحسن الثاني، التحاق مولاي هشام بالولايات المتحدة، فالحسن الثاني، يعرف، أنها مدرسة أخرى، لدرجة أنه مرة عندما عاد الملك الحسن من زيارة لواشنطن، استدعى مولاي هشام، وأعطاه ما سماه هدية، وهي عبارة عن دولار معدني مثقوب برصاصة، وقال له هذه هديتي احتفظ بها، ملمحا إلى أن الدولار الأمريكي، مثقوب.

وكان الحسن الثاني يخاف من الصداقة الأخوية التي كانت تربط ولده سيدي محمد بابن أخيه مولاي هشام، حتى لا يقنع مولاي هشام ابن عمه، بالتوجه أيضا للدراسة في الجامعات الأمريكية، فقرر الحسن الثاني، ألا يذهب مولاي هشام إلى الجامعة الأمريكية وبأي ثمن. مرة وفي خضم الكلام عن دراسة مولاي هشام بالولايات المتحدة: ((استدعاني الملك الحسن وقال لي: لقد قررت تخصيص ميزانية شهرية لكم: سيدي محمد 7500 درهم وأنت كذلك 7500 درهم، ومولاي رشيد 5000 درهم، وذهبت عند سيدي محمد لأسأله، كيف تكفيك سبعة آلاف درهم فأجابني، أنا أتصرف، لقد ذهبت إلى باريس، وفصلت عشرين بذلة، وقلت للخياط أن يبعث الفاتورة إلى القصر، وفعلا وصلت الفاتورة للكتابة الخاصة واستدعاني الوالد ليوبخني، ولكنه أعطى أوامره بأداء الفاتورة)).

ومرة وأمام إصرار مولاي هشام على الذهاب لأمريكا، وفعلا ذهب بدون إذن الملك، فاستقبله الثري “دافيد روكفيلير”، وقال له إن الملك الحسن فتح لك حسابا عندي في البنك ولكنه لم يضع فيه إلا سنتا واحدا، يعني قرابة درهم.

وعندما تسجل مولاي هشام في الجامعة “برنستون” وفي 5 يوليوز 1984، فوجئ مدير الجامعة، بمحاميين أمريكيين مرفوقين بالقنصل المغربي في نيويورك عبد السلام الجعيدي، الذي قال لمدير الجامعة، إن الملك يأمرك بأن ترجع مولاي هشام إلى المغرب، وقال أحد المحامين للمدير: إن الملك هو الوصي على مولاي هشام وله الحق في إرجاعه للمغرب، ليجيبه رئيس الجامعة، بأنه لا يمكن توقيف طالب في جامعتنا عن دراسته، ثم سأل مولاي هشام الذي أعرب هو ايضا عن رفضه.. ليتحدث الجعيدي عن المخلفات الدبلوماسية، فأجابه رئيس الجامعة بأنه سيتصل بوزارة الخارجية، ليتراجع الجعيدي، وينسحب هو والمحامين.

وازدادت مخاوف الحسن الثاني من ميل ولده سيدي محمد للسفر قصد الدراسة في الولايات المتحدة، وفعلا، كان سيدي محمد يزور ابن عمه عدة مرات(…) ((سيدي محمد كان أيضا مهووسا بالدراسة في الجامعة الأمريكية، وكان يرافقني في الدروس بجامعة برنستون، ونجلس جنبا لجنب، وكان الدرس ذات يوم، عن الثورات في أمريكا اللاتينية، وكنت معه نتتبع الدراسة، وأنفاسنا محبوسة)).

ويفاجأ مولاي هشام، في أزمة تواجده بالجامعة الأمريكية دون موافقة الحسن الثاني، بالتلفون يرن ((ألور.. أيها المخبول كيف أنت، سأحتفل بعيد ميلادي.. ألن تحضر.. وما هي الهدية التي ستحضرها لي معك.. بالمناسبة، قضية الدراسة هناك غلطة إنساها وأتمم فقط هذه الدورة)).

هل لم يكن للحسن الثاني شغل إلا تواجد مولاي هشام في أمريكا.. أما هناك سبب آخر.

إن الحسن الثاني لم يتأخر في كشف هذا السبب، مرة عندما قال لمولاي هشام: ((هل تعرف، أن اغتيال الملك السعودي فيصل كان على يد ابن أخيه(…) ولا يمكن لأحد أن يكون أقرب للملك من ابن أخيه، قتل عمه، بتوجيه من أمريكا)).

ومادام الدرس الذي حضره الأمير سيدي محمد بجامعة برنستون يتعلق صدفة بالثورة الشعبية في أمريكا الجنوبية، ترى، ماذا كان سيتعلم أكثر، لو أنهى دراسته العليا بالجامعات الأمريكية.

فقد تعلم مولاي هشام هناك، أصول الديمقراطية والمساواة، وهي الميزات التي رفعت شأن الشعب الأمريكي، إضافة إلى ميزات أخرى، إنسانية هي أيضا، كشف عنها مولاي هشام، عندما أجريت له العملية الجراحية سنة 2007 وكتبها بعد جولته الاستطلاعية في الهيليكوبتير، والتي بعدها كتب هذه المذكرات، التي تكشف صفحاتها أنه يريد للمغرب أن يعيش نفس الظروف الديمقراطية التي يعيشها الشعب الأمريكي، ثم إن الميزات الأخرى، المستوحاة من اعترافاته بعد العملية الجراحية، هي التي جعلته يقرر عدم تقديم مذكراته للطبع، عندما قال لأصدقائه مرة في باريس إن عوامل نفسية جعلتني أقرر عدم طبع الكتاب سنة 2007 (انظر الأسبوع عدد 20 مارس 2014).

يسخر بعض المعلقين المهاجمين لكتاب مولاي هشام، وتعمقوا في تعبير العوامل النفسية، وكان الأمر يتعلق بالكذب، ولكنه أكد ذلك القرار في الكتاب نفسه، وكتب ((حيث أن هذه المذكرات، كتبت وأنا على فراش المرض(…))) وكانت العملية الجراحية في 21 جوان 2007، فإنه لولا تلك الحملة المجانية(…) التي شنت على مولاي هشام، سنة 2013 والكتاب محجوز في الرف سبع سنوات، لما طبعت هذه المذكرات، ولما تمتعنا بما تحتوي عليه، من كنوز سياسية لا يكفي شهر رمضان لسردها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!