في الأكشاك هذا الأسبوع

تكريم مراكشي لأحد أهرامات القضاء

الأسبوع – محمد بركوش

لقاء تاريخي بكل ما في الكلمة من معنى أو معان، سيبقى موشوما في ذاكرة الحمراء المدينة الخالدة برجالها ونسائها وشبابها المتعطش إلى القدوة الحسنة، تخلفت فيه كل الأعطاب كما قيل، واختفت الحزازات بعد أن عوضتها ابتسامات لم تغب عنها براءة الطفولة.. لقاء شهدته إحدى القاعات الخميس 26 يونيو 2014، والمناسبة هي تكريم أحد أهرامات القضاء بالمغرب الأستاذ عبد الإله المستاري الذي قال عنه الأستاذ فارس الرئيس الأول لمحكمة النقض في كلمة ألقيت بالنيابة عنه (رغم أن الحاجة كانت ماسة إلى حضوره للاستمتاع بصوته وإلقائه العجيبين) بأنه ينبوع متجدد، ومدرسة قائمة بذاتها ونموذج من معدن أصيل، تضيق العبارة عن الحديث عنه، وتصعب الشهادة في حقه خشية الانزلاق في التقليل من قيمته.

في اللقاء أو الحفل قدمت شهادات وازنة في حق شخص وازن، تتقاسمه كل العلوم والمعارف وتتجاذبه كل الخطابات والتيارات، شخص عبقري بأخلاق سمحة دافع طوال حياته المهنية باعتباره عمدة النيابة العامة عن استقلال القضاء وفصل النيابة عن التعليمات كما قال الأستاذ عبد العزيز وقيدى الرئيس الأول في كلمة هادئة مشبعة بالتقدير والأدب اللائقين بالمحتفى به (كان يناديه سيدي عبد الإله)، كلمة مختصرة إلى أبعد حد، درءا لكل ثرثرة قد تثقب بمقارعها الأغشية الرهيفة للاستماع كما قال بشكار ذات مرة، وخوفا من احتدام بين المؤتمرات والتمثلات كما وقع للأستاذ عبد المنعم رئيس المحكمة الابتدائية الرجل الطيب الذي لم يقوَ على تحمل اللحظة، حيث غلبته دموع المحبة الصادقة والحب الخالص قبل أن ينهي كلمته التي جال بها وصال في بداية اللقاء، وبعد كلمة رئيس الودادية الحسنية للقضاة الذي اعتبر فيها المناسبة محطة عرفان لرجل بيان بامتياز “إذا تكلم أقنع وإذا تحدث أبدع”، لهرم معروف بمواقفه الجريئة وقراراته الصائبة وابتسامته البريئة التي أرغمت الكل على حبه والاطمئنان إليه (فطوبى له)، ومشهور بمدرسته التي مازالت تنتح وتعطي وتطعم القضاء بالكفاءات والقدرات، تلك المدرسة التي نالت شهرة كبيرة، حيث زودت القطاع بالعديد من الفعاليات، والدليل هو تحمل مجموعة من تلامذته والذين اشتغلوا معه للمسؤولية كالأستاذ واعجو عبد السلام الوكيل العام بخريبكة، وأحمد الباكي الوكيل العام بوارزازات ومصطفى اصاملي، والأستاذ لحلو، والأستاذ بلحسن (كلهم وكلاء للملك).

الأستاذ مصطفى مداح الوكيل العام بمحكمة النقض ألقى (بالنيابة) كلمة وفاء، في حق رمز من خيرة الرموز الذين “أنجبهم القضاء شجاعة وإبداعا وإنسانية” وحملوا المشعل وأدوا الرسالة بإتقان وأمانة، في حق رجل من العناصر المرموقة والصيت الحسن، تربع على القلوب محبة ومعزة بفضل نزاهته وحرصه على حماية المجتمع فكان بذلك نسيجا متفردا ونموذجا وحيدا، ودع المسؤولية “دون أن يودع المجال” مرفوع الرأس موفور الكرامة، تاركا المكان لشخصية أخرى “الأستاذ أنس” أبى إلا أن تشارك بكلمة مقتضبة ومركزة حيث ذكر بمناقب الرجل وأخلاقه العالية، وبتضحياته وتسخير كل طاقته القانونية في سبيل إعلاء كلمة الحق ونصره المظلوم مشيدا بعمله الدءوب والذي كثيرا ما كان يستمر إلى وقت متأخر من الليل، زيادة على احترافيته وتواصله مع نوابه الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر يوم الأربعاء من كل أسبوع للالتفاف به والتزود بنصائحه والاستفادة من تجاربه الرائدة، واقتراحاته السديدة التي كانت تلقى آذانا من طرف المسؤولين، حيث يأخذونها بعين الاعتبار ويعملون على تفعليها في المجال العملي.

لقد لقي المحتفى به حفاوة منقطعة النظير، وهو شيء طبيعي فالرجل كان رائدا في صناعة المواقف “وهي صناعة غائبة في أيامنا”، وفي ملاحقة الأحداث ونسج القرارات الهادفة بجدة بحوثها وهوامشها الزاخرة بالإحالات والحبلى بالمراجع تستحق كما قيل أن نتأبطها بلذة القراءة وجودة الاستفادة، وأن نلقنها لجيلنا ولأجيال قادمة عن طريق الرواية تجسيدا لتعبير نيتشه “لن أقرأ لأي كاتب يبدو أنه أراد تأليف كتاب، ولكن سأقرأ فقط لأولئك الذين تجلب أفكارهم على شكل كتاب”، كان رائدا أيضا في نذر تجربته المهنية برمتها إلى ما يشكل تقابلا مطلقا مع ألق الحياة الحرة الكريمة والمحاكمة العادلة، تلك المحاكمة التي ظل صوتها الثائر الذي يصدح بنبرة مغالى فيها أحيانا في التعبير بضمير المتكلم الذي تنهض معه الجماعة كإشارة إلى الالتحام والمناشدة والتشديد على التذويب، ظل كذلك طيلة فترة عمله يفكر في ما ينبغي التفكير فيه، وكيف يتكيف مع الموجود الراهن مع استمرار حلمه بما هو أروع وأجدى.

لم يثبت أن لام عدوا أو حابى صديقا (في الحق)، فقط كان يكتفي في كل مرة بعناق حار، لأنه كان وكما قال يعيش داخل الكرامة التي تمنعه من مقابلة الإساءة بمثلها حتى مع أولئك الذين سعوا في وقت من الأوقات إلى إبعاده عن مراكش التي تعرف كل شيء عن طقوسه وصلواته، عن حقيقته وصور ظلاله، عن تحرزه من أي طرح تسطيحي أو دعاية استعرائية نيئة محكومة بآلية الهيمنة والتنميط السياسيين.

استشف لمشروعه نافذة سجالية أعلن من خلالها في العديد من المرات عن استعداده لرفع التحدي ومواجهة المعارض والمؤيد في استباق لكل المواويل والهتافات، وكأنه يردد قول إحدى الشاعرات “عانقوها أو ارجموها هي ستكون مستعدة جيدا للاحتمالين”، وعن تشبثه بانشغالات واهتمامات تضمر موقفا ينتصر للحياة الآمنة يحرص على اجتراحها لتعرية الزيف والانتحال، وهذا طبعا رهان له امتداد عبر شجرة متصلة الجذور بوالده رحمة الله عليه، المناضل والقاضي النزيه، وأحد الموقعين على وثيقة الاستقلال سنة 1944، وبزوجته الفاضلة الأستاذة الصفار (رئيس غرفة بالمحكمة التجارية الاستئنافية بمراكش) التي كان لها الفضل في تفوق الأستاذ وارتحاله من أفق إلى أفق كما قال الشاعر الفيتوري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!