في الأكشاك هذا الأسبوع

المنبر الحر | التقاعد والغبن المجتمعي

من المؤكد أن الموظف المسؤول يقضي أروع أيام حياته حين تناط به مسؤوليات جسام يكون لها وقع حيوي على السير الطبيعي لدواليب الدولة، إلا أن هذه المسؤولية تختلف حسب نوع الدرجة التي يوجد عليها هذا الموظف المسؤول، ذلك أن إنتاجه الوظيفي يظل حبيس مدى قدرته الذهنية على تحمل هذه المسؤولية بكل أمانة وصدق، قد يكون لها انعكاسات مشعة على مستقبله الوظيفي، لأن ذكاء المسؤولية يختلف من مسؤول إلى آخر، فهناك الموظف السامي والذي يتمكن من الغوص في دواليب الدولة العميقة، عن طريق تدرج درجات المسؤولية باجتماع عدة عوامل، منها على الخصوص القرابة العائلية والمصاهرة وكذا مهارة التكتيك بغض النظر عن منطلق الاستراتيجية التي يتم تركها جانبا للاغتنام بالطريدة قبل أن ينفلت بها غيره.

ومثل هذه الصراعات هي التي تقع بالخصوص في تقلد مناصب المسؤولية الكبرى في دواليب الدولة، وهي تتطلب بالطبع توافر عدة عوامل تساند التكتيك المتبع للفوز بالغنيمة..

غنيمة المسؤولية وما يترتب عنها من امتيازات، عملا بالمقولة العربية: “فاز باللذة الجسور”.

وهكذا، تكون الأيام.. ويتم تداولها على هذا النحو، حيث إذا ما بلغ هذا المسؤول سن التقاعد، قد يحس بالانحدار الذي ينتظره حيث يعتبر هذا الانحدار نهاية لمساره المهني وكذا السياسي، وكذا المخزنة وبذلك يعرف الله تعالى.

لكن.. هناك فعلا عدة مسؤولين كبار في مرحلة تقاعدهم سواء كانوا وزراء أو كتاب عامين أو مدراء أو رجالات السلطة من خلال جميع مراتبها أو سفراء؛ حيث تجد سحنات بعضهم تذبل بوقع السنين من جهة ومن وقع تجريدهم من هالة المسؤولية وما يحيط بها؛ فتلتقي ببعضهم في بعض الندوات، فتراهم تجردوا من كبريائهم في حين يفضل بعضهم نهج سياسة الصمت المطلق.. كأنهم ولدوا في مريخ آخر أو كأنهم كاتمو أسرار يخافون تسربها للأغيار، وذلك غالبا بسبب طابع المخزنية التي ظلت تلازمهم بالرغم من توديعهم قرار المسؤولية منذ سنوات، وكأن هناك شيئا من الغبن المجتمعي يلاحقهم بمنعهم من التعبير عن آرائهم بكل حرية، ربما بسبب التجاوزات التي ارتكبوها أثناء تحملهم المسؤولية والتي اغتنموا على إثرها غنائم غير مشروعة، وهذا يخلف لديهم كبرياء من نوع خاص خصوصا حين اطمئنانهم من كابوس المتابعة.. كأنهم يريدون إحساس الأغيار بأنهم فوق الجميع، في حين أنهم ولجوا عالم التأمل لدى ملك الموت.. أما بسطاء الموظفين الذين تمت إحالتهم على التقاعد فإن البعض منهم يحس أنه أصبح مهمشا في المجتمع يقضي معظم وقته في التسكع بين المقاهي.

وأما المتدينون منهم فإنهم يجدون عزاءهم في الحفاظ على الصلوات الخمس في المساجد وقراءة الحزب بعد صلاة المغرب في انتظار اليوم اليقين.. عملا بقول الشاعر المتنبي:

دقات قلب المرء قائلة له        إن الحياة دقائق وثوان

 

فالموظف السامي المتقاعد مخطئ إذا ظن أن الزمن لا يتغير لأن المثل يقول: “الدهر يومان يوم لم ويوم عليك”.

وفي جميع الأحوال، فإن الموظف كيف ما علا كعبه أو تدنى حين يتم إحالته على التقاعد قد يزوق مرارة أيها الناس ولكن هذا لا يمنع أن مآله التراب، فاللهم اجعلنا من أهل الله.. آمين يا رب العالمين.

 

عبد الرحمن المريني (القنيطرة)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!