في الأكشاك هذا الأسبوع

ما الذي تتضمنه التقارير الأمريكية الخاصة حول المغرب؟

       تداولت بعض الصحف الوطنية قبل مدة ليست ببعيدة، خبرا مفاده أن القيادة العليا للقوات الأمريكية طلبت من إحدى الشركات الذائعة الصيت على المستوى العالمي Mon document11بتخصصها في جمع المعلومات، ووضع الخرائط بواسطة الأقمار الصناعية Digital Globe، أن تمده بدراسة مفصلة عن المغرب تتضمن معلومات دقيقة عن جغرافيته، ومسحا جيولوجيا عن ثرواته الباطنية، ودراسة سيويو اقتصادية عن سكانه، وكذا الوضعية الإثنية والدينية. إضافة إلى دراسة حول الوضع السياسي العام بما فيه وضعية الأحزاب السياسية، إضافة إلى معلومات عن باقي المجالات. وأشارت الصحف الوطنية أن الجيش الأمريكي طلب من تلك الشركة أن تعد التقرير في أجل زمني قدره 180 يوما.

———————–

وقد هولت الصحف الوطنية من الأمر، فكانت المقالات معنونة “بأمريكا تتجسس على المغرب“. والواقع أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي تقوم بها أعظم دولة في العالم بدراسة حول المغرب من هذا النوع.

والمثير أن هذه الدراسات لا يطلبها الجيش أو الحكومة الأمريكية إلا بعد أن يعرف المغرب حدثا بارزا أو يحدث في محيطه الإقليمي تغير مهم. وانطلاقا من معرفتنا المتواضعة بالأرشيف الأمريكي، فقد طلبت الحكومة الأمريكية دراسات من هذا النوع عن المغرب بعد استقلاله، وكذلك بعد المحاولة الانقلابية لغشت 1972.

ومن خلال هذا المقال نود أن نطلع قراءنا على تقرير أجرته إحدى المصالح الخاصة التابعة للولايات المتحدة الأمريكية بعد استقلال المغرب، وقد تضمن الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمغرب، ويبقى الهدف من ذلك هو اطلاعهم على أشكال التقارير التي تنجزها أمريكا عن المغرب، والمواضيع التي تتضمنها، ومدى دقتها.

تقرير أهم، صدر عن مكتب “National Intelligence Estimate” التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، ورفع عنه طابع السرية مؤخرا، وقد رفع إلى وزارة الخارجية بتاريخ 29 يناير 1957، أي مباشرة بعد تمرد عامل إقليم تافيلالت عدي وبيهي. وحمل تفاصيل كلها جد دقيقة عن الوضعية السياسية بالمغرب في تلك المرحلة، كما تضمن توقعات حول مستقبل المغرب السياسي، وكانت كل هذه التوقعات دقيقة وصحيحة.

وقد كان مطلوبا من أصحاب التقرير أن ينجزوا البحث حول الموضوع التالي: “اختبار إمكانيات استقرار المغرب، ومحاولة تقدير اتجاه وسياسات المغرب المستقل في العشر سنوات المقبلة“، وسنستعرض هذه الملاحظات التي قدمها هذا المكتب كالتالي، غير أننا سنركز على الجانب السياسي فقط، إذ ركز التقرير بخصوص هذا الجانب على خمسة نقط وهي:

Mon document 10 

أولا: علاقة الملك بحزب الاستقلال

 

رأى هذا التقرير أنه على الأقل في المدى القصير، هناك إمكانية أو احتمال للتعاون بين الملك محمد الخامس وحزب الاستقلال، كما يرى بأنه من المحتمل أن يكون للحكومة المغربية قدر أساسي من السلطة، وذلك على الرغم من أن العناصر “المتطرفة” من حزب الاستقلال يمكن أن تنفصل عنه، كما يمكن للحكومة أن تبقي هذه العناصر “المتطرفة” تحت المراقبة للسنة القادمة أو السنتين على المدى البعيد.

وفعلا ذلك ما حصل، فقد بقي السلطان على علاقة جيدة مع الحكومة لمدة وصلت السنتين أي إلى الأول من دجنبر 1958 عندما قدم بلافريج استقالته من الحكومة. كما انفصلت العناصر الشابة عن حزب الاستقلال وأسست الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

 

ثانيا: الملك ضروري لوحدة المغرب

رأى التقرير أن المغرب ضم في تلك المرحلة المنطقة التي كانت محمية فرنسية، وكذلك المحمية الإسبانية، والمنطقة الدولية، وعدد سكانه في تلك المرحلة 10 ملايين نسمة، وقد عملت الحماية الفرنسية والإسبانية على تفريقه جهويا. وأشار إلى أن استمرار حكم السلطان سيكون أساسيا لمراقبة والحفاظ على سياسة الأهالي والسلطة العسكرية، كما ذكر التقرير أن السلطان كسياسي حاذق يتمنى تحديث المغرب ولكن تحت قيادته وسلطته الشخصية.

وقد كان هذا التقرير دقيقا في هذه النقطة، حيث أنه لولا وجود الملكية لاتخذت اضطرابات من قبيل ما عرفه الريف ما بين خريف وشتاء 1958 و1959 منحى آخر، كما اتضحت نوايا الملك في رغبته في تحديث المغرب تحت سلطته الشخصية في عدم منح حزب.

 

ثالثا: دور الملك في الحياة السياسية

 

رأى التقرير أن كل السلط التي تنبعمن الملك هي سلط دينية وسياسية، وقد استطاع في تلك المرحلة القصيرة أن يرسخ سلطته عن طريق تفادي التطاحنات السياسية والاهتمام بالعمل الحكومي، وكذلك وهو الأهم التركيز الحصري والخاص على القضايا التي تخدم سمعته وسلطته الخاصة، والتي تضخم من هالته. كما اعتبر هذا التقرير أن السلطان لوحده فقط هو صلة الوصل والجسر بين مكونات المجتمع المغربي التقليدية والحداثية، وبين الطبقة العمالية والطبقة المتوسطة الحضرية والصغيرة والتجمعات “النصف فيودالية” الموجودة في البوادي. كما رأى التقرير أن تأسيس المجلس الوطني الاستشاري كان بهدف الوصول لملكية دستورية، ولكن السلطان حتما لن يسمح بأي تنازل مبكر في هذه المرحلة عن أي من سلطاته.

وقد كان التقرير دقيقا أيضا في هذه النقطة حيث نجد أن وضع دستور للبلاد تأخر إلى أواخر سنة 1962.

 

رابعا: التحديات التي يواجهها الملك

 

رأى التقرير أن أهم تحدٍ أمام الملك يأتي من قوة وطموح حزب الاستقلال، بيد أن هذا الأخير يواجه معضلة ما دام أنه لا يستطيع التعبير عن قوته بدون برلمان، إلا أنه يجب عليه القيام بمبادرات جبارة في الحكومة من أجل الحفاظ على الدعم الشعبي. كما أشار التقرير إلى أن الحزب يقوده الوزير أحمد بلافريج الذي تتلاءم وجهات نظره مع السلطان، ومن جانب آخر يقود الحزب علال الفاسي الذي كون نظرته “التطرفية” عبر سنوات مريرة من الكفاح المرير ضد فرنسا.

كما رأى التقرير أنه لحد الآن لا يبدو في الأفق أي فجوة رسمية بين السلطان وحزب الاستقلال حول قضايا من قبيل تشكيل الحكومة والإصلاحات الدستورية المستقبلية والبرامج الاجتماعية.

كما حمل هذا التقرير قراءة في دور كل من الاتحاد المغربي للشغل، والحزب الشيوعي المغربي، حيث رأى أن الاتحاد المغربي للشغل بنسبة أعضاء تتراوح بين 300 ألف عضو، من الممكن أن يمارس ضغطا متزايدا على حزب الاستقلال والحكومة، لتحقيق التطلعات الاجتماعية المطلوبة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المناضلين الاستقلاليين وبقايا من جيش التحرير ما زالت تنشط على الحدود، ومن الممكن أن تطالب بحذف المصالح الفرنسية وبإحداث تغييرات سياسية واقتصادية مهمة. وهذا ما حدث حيث هاجم الاتحاد المغربي للشغل حكومة حزب الاستقلال في بداية دجنبر 1958، وكان هجومه سببا في سقوط حكومة أحمد بلافريج.

أما بخصوص الحزب الشيوعي غير المرخص له، ورغم أن عدد أعضائه لا يتجاوز بضع مئات، إلا أنه سيستمر في جهوده للولوج إلى الاتحاد المغربي للشغل وحزب الاستقلال، وذلك من أجل الدفع بالاتحاد المغربي للشغل لأخذ موقف أكثر تطرفا.

 

خامسا: الأزمات المحتملة

 

رأى التقرير أنه سيكون على القادة الاستقلاليين ضغط يحملهم على سياسة تتعارض مع الملك ومسانديه الأقربين، على الأقل في العام المقبل، ومع ذلك سيحاول كلا الطرفين منع وقوع أي شرخ في العلاقات بينها. كما رأى أنه من المحتمل أن تنشب خلافات متعددة من قبيل قيام الملك بجهود لتنظيم مسانديه المستقلين سياسيا، وكذلك سيستمر في إلحاحه على خلق حكومة ائتلافية، كما أن تدخل الأمير مولاي الحسن في الشؤون السياسية سيغضب حزب الاستقلال. وهذا ما حصل حيث ساهم الملك في تأسيس حزب الحركة الشعبية، ودخل في خلافات كبيرة مع حزب الاستقلال خصوصا “جناحه التقدمي“.

كما يرى التقرير أن المجلس الوطني الاستشاري ربما يسعى للحصول على سلط أكثر مما خطط له السلطان، وربما ستسعى عناصر “متطرفة” من حزب الاستقلال إلى تشكيل تجمع معارض. بيد أن ضرورة تشكيل جبهة متحدة ضد فرنسا من أجل المساعدات الخارجية، ولتحقيق حل للمشكل الجزائري وبسط سلطة مركزية تستجيب للتعامل مع الخصوصية القبلية، ربما هي ما سيحدد استمرار التعاون بين السلطان وحزب الاستقلال.

كما يرى التقرير أن الحكومة المغربية من المحتمل أن تظل قادرة على الحفاظ على قدر مهم من السلطة الداخلية، وذلك بالاعتماد على الجيش الملكي، وكذلك تحويل الأنظار إلى ما هو خارجي، من قبيل الانسحاب الفرنسي، والمطالبة ببعض المناطق التي ما تزال محتلة.

كما يرى هذا التقرير أن أكبر خطر يتهدد السلطة هو احتمال نشوب نزاع فرنسي مغربي، قد يؤدي إلى ردود أفعال واسعة يمكن أن تؤدي إلى فوضى عارمة.

وهناك خطر آخر حذر منه هذا التقرير وهو الاضطرابات القبلية التي يمكن أن تنشب عن طريق انتشار الاضطرابات السياسية في الأرياف، كما أن عدم قدرة الحكومة المغربية على السيطرة على هذه الاضطرابات قد يؤدي إلى انهيار السلطة.

وفعلا هذا ما حصل فبعد ما يقرب السنتين من صدور هذا التقرير عرف المغرب ما يعرف بأحداث الريف ما بين خريف 1958 وشتاء 1959، وهي من أهم الاضطرابات التي عرفها المغرب عبر تاريخه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!