في الأكشاك هذا الأسبوع

نار الأسعار والإضرابات تهدد المغرب في رمضان

     أصبح من المألوف عند المغاربة ارتفاع الأثمان في معظم المواد الاستهلاكية خلال شهر رمضان من كل سنة، وما فاقم من حدة تخوفهم هذه السنة توالي الإضرابات لأهم القطاعات الأساسية، فبعد إضراب أرباب المخابز في مايو المنصرم، كان المغاربة تحت تهديدات موزعي الغاز الذين لوّحوا في بداية شهر يونيو الجاري بخوض إضراب وطني، الشيء الذي أثار قلقا وسط الرأي العام المغربي، من ارتفاع صاروخي لأسعار أسطوانات غاز البوتان، والتي يصل ثمنها حاليا إلى 40 درهما أي حوالي 5 دولارات أمريكية.

ولطمأنة المواطنين.. بعد مراسلة وزارة الشؤون العامة، كان رد مكتب الوزير محمد الوفا، أن أسعار المواد الغذائية المقننة التي تدخل ضمن قائمة المواد الثلاثة عشر المدعمة من طرف الحكومة لن يطلها أي تغير، كالسكر والدقيق العادي.

وأكد المصدر ذاته استمرار الحكومة في تقديم الفارق المالي عن كل قنينة لغاز البوتان المستعمل في الطبخ المنزلي، مع مواصلة مسلسل المشاورات بين الحكومة ومهني القطاع لتدارس مطالبهم.

وإذا كانت الحكومة قد حددت لائحة المواد المدعمة من خلال صندوق دعم الأسعار أو ما يطلق عليه في المغرب ب”صندوق المقاصة”، فباقي المواد الاستهلاكية الأكثر طلبا خلال شهر رمضان تبقى خاضعة لقانون السوق، على اعتبار أن القوانين المغربية مبنية على حرية الأسعار والمنافسة.

ورغم أن رمضان هو شهر للصيام عن الطعام، إلا أن استهلاك الأسر المغربية للمواد الغذائية يرتفع إلى نسبة 50 في المائة مقارنة مع باقي شهور السنة، مما يضاعف ميزانيتهم خلال هذا الشهر للضعف.

مثالا على ذلك الحاجة فاطمة موظفة متقاعدة، قالت في حديثها ل”مصر العربية”، أنها تعاني من عجز في ميزانيتها الشهرية بسبب ارتفاع الأسعار المفرط خلال شهر رمضان، ومع اضطرارها لاقتناء مواد إضافية في رمضان كالتمور والحلويات والتوابل وغيرها، يرتفع استهلاكها إلى حدود 600 دولار شهريا، في حين أن راتبها الشهري لا يتجاوز 400 دولار، أي أن هناك زيادة في ميزانيتها بنسبة 40 في المائة.

ومن أجل الوقوف على أحوال السوق مباشرة، انتقلت “مصر العربية” إلى بعض الأسواق في مدينة الدار البيضاء اكبر مدينة مغربية من حيث المساحة وكثافة السكان، بدءا بسوق الخضر حيث لامسنا وبجلاء الفرق الشاسع بين الأسعار التي كانت متداولة قبل شهر رمضان، إذ قفز سعر الطماطم من درهمين ونصف إلى 5 دراهم للكيلوغرام أي بمعدل الضعف، وكذلك الشأن بالنسبة لسعر البطاطس وصل 4 دراهم، وتعرض الفاصوليا ويسومنها في المغرب “اللوبيا” بسعر 12 درهما بزيادة تقدر بضعفي ثمنها قبل آخر أسبوع من شهر شعبان حيث لم يكن ثمنها يتعدى 3 دراهم، ووصل سعر “الباميا” وتعرف في المغرب باسم “الملوخيا” إلى 15 درهما، في حين ظل سعر البصل في مستواه، إذ لا يتعدى درهمين للكيلوغرام.

سألنا إحدى السيدات بالسوق فأجابت بامتعاض وحسرة شديدة “أنا لا أفهم كيف ترتفع أسعار الخضروات بين عشية وضحاها، ولما لا توجد مراقبة من طرف المسئولين للباعة بالتقسيط لا فقط التجار بالجملة، وإدا كان المغرب بلد فلاحي ويصدر للخارج كيف نحرم نحن في الداخل من خيراته“.

حملنا تساؤلاتها لجمعية حماية المستهلك، فكان ردهم أن سبب ذلك مرده لصعوبة متابعة الباعة المتجولين في الأسواق الشعبية وبالتالي يكون السوق مفتوح بمصراعيه أمام المضاربات، وحتى أصحاب محلات الخضر والفواكه لا يمكن السيطرة عليهم، لأن كشف الأثمنة في المغرب رغم المصادقة عليه إلا أنه لم يدخل حيز التطبيق بعد، زد على ذلك رفع الحكومة دعمها على المحروقات يضيف ذات المصدر.

إلى سوق الأسماك هذه المرة حطت “مصر العربية” الرحال، فعاينا إقبالا كبيرا للزبائن فمعروف عند المغاربة ارتفاع طلبهم على الأسماك في فصل الصيف عامة ورمضان خاصة، لكنهم جميعا عبروا لنا عن اندهاشهم الكبير من الأسعار المعروضة للأسماك، خصوصا التي اعتادت أغلب الأسر المغربية تناولها مثل السردين والصول والقمرون “الجمبري”، حيث تراوحت نسب الارتفاع بين ضعف وثلاثة أضعاف مقارنة مع الأيام العادية.

وعزا أحد البائعين الارتفاع الكبير للأسعار إلى من سماهم باللهجة المغربية ب”الشناقة” أي المضاربين في سوق السمك، في حين قال آخر إن السبب يعود إلى الحرارة المرتفعة التي أثرت -حسب قوله- على تكلفة عملية نقل الأسماك خصوصا من المناطق الجنوبية للبلاد، فيما أرجع تاجر للسمك بالجملة سبب الغلاء إلى انخفاض المنتج السمكي المتعلق بالتفريغ الشهري للأسماك مما انعكس سلبا على العرض وازاه ارتفاع كبير في الطلب.

تصريحات الباعة لم يستسغها العملاء، حيت قال لنا أحدهم كيف لبلد معروف بثروته السمكية وتصديرها للخارج أن يشتكي من قلة الأسماك“.

وكان المكتب الوطني للصيد البحري بالمغرب قد ذكر أن كميات منتج الصيد بلغت أكثر من 500 ألف طن خلال الفصل الأول من عام 2014، في حين لا تتجاوز النسبة المخصصة لتموين السوق الداخلية 20%، وهذا ما قد يبرر غالبا الإحصائيات التي تفيد أن نسبة استهلاك المغاربة من الأسماك في حدود 12 كيلوغراما سنويا.

أسعار اللحوم الحمراء ظلت مستقرة إذ تتراوح بين سبعين درهما (8.2 دولارات) وثمانين درهما (9.3 دولارات) للكيلوغرام الواحد، أما اللحوم البيضاء فتدبدب ارتفاعها بين درهمين وثلاثة دراهم أي من 15 إلى 17 درهما للكيلو الواحد.

وقبل حلول رمضان بأسبوعين أعلنت أكبر شركة عالمية للحليب ومشتقاته عن زيادة 20 سنتيمم في كل موادها، الشيء الذي استفز العديد من زبنائها الذين أعلنوا عن حملة لمقاطعة منتجاتهم والتوجه لشركات أخرى مغربية وعلى رأس من نادوا بالمقاطعة كان رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران.

غيرنا الوجهة هذه المرة صوب أكبر مجمع تجاري بالمملكة، حيث تسرق نظرك للوهلة الأولى إعلانات التخفيض بمناسبة رمضان، وهناك سجلنا ارتياح العديد من العملاء ليس فقط بسبب التخفيضات بل لكشف الاثمنة ولجودة السلع المعروضة، ولكن عند الأداء يصاب العديد منهم بالدهشة لارتفاع الفاتورة.

ومن المفارقات التي سجلناها أيضا خلال جولتنا، أنه وبرغم ارتفاع الأسعار إلى أن ذلك لم يمنع المواطنين من اقتناء كل ما يحتاجونه لتحضيرات رمضان، فكثرة العرض يوازيها كثرة الطلب، فالأسواق مكتظة بالزبائن والكل في سباق مع الزمن، مع مراعاة أن شهر رمضان زامن عطلة الصيف موعد قدوم الجالية المغربية المقيمة في الخارج.

سألنا إحدى الزبونات عن سر هذه المعادلة فقالت “تعودنا على تقاليد وعادات خلال شهر رمضان لا يمكن أن نتجاوزها وإن أثقل ذلك قدرتنا الشرائية واضررنا للاقتراض مثلا من الأبناك”، وتواصل “لكن هذا لا يعني رضانا عن هذه الوضعية التي ألفوا تسجيلها كل سنة، فالباعة بالجملة أو التقسيط يرمون بحملات مصاريفهم ومشاكلهم مع الحكومة على عاتق المواطن البسيط التي يتكبدها“.

وتكرس هذه الزيادات الملموسة في الأسعار ما كشف عنه بحث ميداني جديد أصدرته المندوبية السامية للتخطيط، بحيث أبرز أن 90% من الأسر المغربية رأت أن أثمان المنتجات الاستهلاكية سجلت ارتفاعا ملموسا خلال السنة الماضية، و66 في المائة من هذه الأسر تتوقع ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية خلال السنة المقبلة.

وانتقد محمد الأديب أستاذ الاقتصاد، مسلسل ارتفاع الأسعار الذي يتكرر رمضان كل سنة، ويثقل كاهل الأسر المغربية المحدودة الدخل، وأضاف أن قانون تحرير الأسعار والمنافسة لا يعطي الحق للمضاربين والوسطاء لاستغلال الفرص من أجل تحقيق هوامش ربح فاحشة على حساب المواطن، وفي هذا الإطار يمكن القول إن السلطات العمومية وأجهزة المراقبة تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في ما يتعلق باختلالات التي يعرفها تموين الأسواق بالمواد والمنتجات الغذائية، وما ينتج عن ذلك من زيادات غير طبيعية في الأسعار.

ومن جهتها، أفادت وزارة الداخلية المغربية في بيان لها توصلت “مصر العربية” بنسخة منه، بأنها أعطت تعليمات صارمة لمختلف مصالح المراقبة على صعيد المحافظات والأقاليم، للتحلي باليقظة الدائمة لضمان السير العادي للأسواق خلال شهر رمضان وتكثيف عمليات التوعية والمراقبة، لمواجهة جميع محاولات الاحتكار والمضاربة في الأسعار والادخار السري والغش في جودة المنتجات الغذائية، مع اتخاذ ما يلزم من عقوبات وفق المقتضيات القانونية المعمول بها في هذا الشأن.

كما قامت فيدرالية جمعيات المستهلك في المغرب بشن حملة على المضاربين والغش في السلع، وذلك من خلال إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لتلقي شكاوى المستهلكين ومتابعة التجار المخالفين.

masralarabia

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!