في الأكشاك هذا الأسبوع

هنري كيسنجر قال بأن عدة ملوك ورؤساء كانوا يستشيرون الحسن الثاني

بقلم. رمزي صوفيا

     الصدفة هي مفتاح النجاح في بعض الأحيان. وطالما تمنيت مقابلة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، الذي لعب دورا كبيرا في تدبير ملف القضية الفلسطينية ومشكلة العرب الدائمة مع إسرائيل، حيث أصبح له اسم رنان في كل المنابر الدولية وعلى طاولات المفاوضات السياسية عبر الجهات الأربع للمعمور.

وكان هنري كيسنجر من فرط انشغاله المتواصل ورحلاته المكوكية قلّما يستجيب لطلبات إجراء مقابلات صحفية معه. وعندما كنت في الولايات المتحدة الأمريكية حاولت بشتى السبل الحصول على موعد لالتقائه، ولكن الجواب المحبط كان يأتيني باستمرار بعبارة واحدة وحاسمة: “قد تنجح في التقاء الرئيس الأمريكي وإجراء حوار معه، ولكن يستحيل عليك الحصول على دقيقة لقاء واحدة مع هنري كيسنجر، لأنه بكل بساطة صعب المِراس ومعقد من الصحفيين”.

ومرت سنوات وسنوات، فجاء الحظ ليقف في صفي ويحقق مبتغاي كصحفي، حيث تلقيت دعوة لحضور عيد ميلاد الإعلامي والملياردير الأمريكي الراحل فوربس، صاحب أكبر مجلة “بيبول” في العالم، التي مازالت لحد اليوم تنشر لوائح أخبار واستطلاعات ومسابقات تخص عالم الأثرياء والمشاهير. وكان الحفل في منزل فوربس بمدينة طنجة. وتوجهت لتلك المناسبة السعيدة مع صديقي العزيز، رجل الأعمال والمهندس العراقي المعروف نزار النقيب الذي اختار طنجة مقرا ومستقرا منذ عقود طويلة، والذي كنت دائما أنزل ببيته العامر كلما حللت بعاصمة البوغاز.

وعند وصولنا فوجئنا بوجود سمو ولي العهد آنذاك الأمير سيدي محمد وشقيقه سمو الأمير مولاي رشيد في بيت فوربس. وبعد السلام على سمو الأميرين، تقدمت لتهنئة فوربس، ففوجئت بوقوف نجمة السينما العالمية إليزابيث تايلور بجواره وهي في قمة أناقتها كعادتها. وحيث أنني كنت قبل ذلك بعدة سنوات قد أجريت حوارا صحفيا ناجحا مع هذه النجمة الفاتنة ومع زوجها السابق والراحل ريشارد بورتون، وقمت بنشره على صفحات عدة صحف ومجلات معروفة وأيضا على صفحات كتابي الفني “أيام مع النجوم”، فبمجرد ما وقع نظرها علي حتى رحبت بي بحرارة شديدة. وهكذا كان يوما مشهودا في حياتي وفي حياة صديقي رئيس الجالية العراقية المهندس نزار النقيب. يوم لن ينمحي من ذاكرتي ما حييت.

وخلال الحفل لمحت وجها هز كياني من فرط المفاجأة، لقد كان هنري كيسنجر بنفسه وبذاته وصفاته. فطلبت من فوربس على الفور أن يعرفني عليه. وهكذا كان، حيث أخذني من يدي دون تردد وسار معي حتى وقفنا أمام كيسنجر، فقدمني له قائلا له: “هذا صحفي عراقي يعيش في المغرب ويكتب في أهم الصحف العربية”، فرحب بي هنري كيسنجر. فقلت له مستغلا الفرصة بسرعة: “أمنيتي هي أن أجري مقابلة صحفية معك وأعدك بأنني لن أزعجك بأسئلة غير معقولة، كما سأترك لك حرية الإجابة على الأسئلة التي ترغب في الرد عليها. فسكت قليلا ثم قال لي: “أنا موافق، وغدا ألتقيك في الغولف الملكي لطنجة”. وهكذا كان. وأؤكد لكم بأنني لم أذق طعم النوم في تلك الليلة من فرط فرحتي. وفي الموعد المحدد كنت جالسا مع هنري كيسنجر لأطرح عليه أول أسئلتي قائلا له:” ما رأيك في المغرب؟” فأجابني على الفور: “المغرب دولة مهمة، وفيها ملك عظيم قلما يجود الزمن على دولة بمثله. والحسن الثاني هو شخصية عالمية تتمتع باحترام الجميع. ولن أخفي عليك بأن الكثير من زعماء البلدان العربية والغربية يستشيرونه في أمور بلدانهم التي يستعصي عليهم العثور لها على حلول، وهؤلاء الرؤساء يعملون بكل نصائح الحسن الثاني. وعلى المغاربة أن يسعدوا ويهنأوا بالا بوجود هذا الملك العظيم ببلدهم.” ثم أضاف قائلا: “كم كنت سعيدا بالأمس عندما التقيت ولي العهد الأمير محمد وشقيقه الأمير رشيد، فقد وجدت فيهما الأصالة العربية والذكاء المتميز والتهذيب الراقي. وأتمنى كثيرا أن أزور المغرب كلما سنحت لي الفرص”. وعدت لأسأله: “لقد لعبت دورا كبيرا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد اتهمك الكثير من الفلسطينيين بالوقوف إلى جانب إسرائيل، فما هو موقفك الحقيقي من هذه القضية الشائكة؟” فأجابني: “لقد كتب عني الشيء الكثير. وأكثر ما كتب كان ضدي سواء بأقلام العرب أو أقلام الإسرائيليين. وأقول لك بكل صدق وأنا خارج الحكم بأنني لم أنحز لأي جانب منهما، لأنه في اعتقادي من حق الفلسطينيين أن تكون لهم دولة متكاملة يعود إليها كل اللاجئين الفلسطينيين المشتتين عبر العالم ويتم التبادل الدبلوماسي بين دولة فلسطين وبين دولة إسرائيل، وتتم مصالحة هذه الأخيرة مع الدول العربية بأكملها حتى يتسنى للجميع الاستفادة من التبادل الاقتصادي وتعيش المنطقة بأمن وسلام وتزول الأحقاد والحسابات لتفسح المجال للتنمية والتطور. فحرام أن يستمر تبديد الأرواح والأموال بسبب الخلافات الفلسطينية الإسرائيلية”. وقاطعته قائلا: “ولكن تصريحاتك ومواقفك عندما كنت وزيرا لخارجية أمريكا كانت غير ذلك، ثم إن إسرائيل قد قتلت وشردت آلاف الفلسطينيين واستولت على ممتلكاتهم واستوطنت أراضيهم فما هو ردك حول كل هذا؟” فأجابني: “هناك بعض التصريحات والمواقف التي صدرت عني عندما كنت وزيرا لخارجية بلدي بسبب ضغوط لا يمكنني الكشف عنها اليوم. ولكني بعدما أخذت أتابع أوضاع اللاجئين الفلسطينيين والتصرفات اللاإنسانية التي يقوم بها المتطرفون الإسرائيليون، فإنني صرت أعارض إسرائيل في مواقفها المتشددة. وعليها الاعتراف الكامل بدولة فلسطين كما أنه على الفلسطينيين أن يردوا بالمثل حتى يعم السلام”. ثم قال لي بصرامة واضحة: “لا تحرجني بالمزيد من أسئلتك وأرجو ألا تحرف كلامي وتكتب كلاما آخر”. وقبل أن أجيبه أطل علينا فوربس ومعه فاتنة الشاشة العالمية إليزابيث تايلور وقال لي: “أيها الصحفي العربي، لقد حصلت على مقابلة مع كيسنجر وأرجو أن يكون مقالك مفيدا”. وعندما سلمت على هنري كيسنجر مودعا، قال لي وهو ينظر في عيني: “لا شك أنك تتساءل لماذا أنفر من الصحفيين، سأجيبك قبل أن نفترق، لأن الكثيرين منهم حمّلوا لتصريحاتي أكثر مما تحتمل”.

وقبل ختم موضوعي، لا بأس من سرد نبذة عن حياة هنري كيسنجر الذي كان بالأمس من أشهر المفاوضين الدوليين:

اسمه الكامل هو: هنري ألفريد كسنجر والأصح هاينز ألفريد كسنجر. وقد وُلد يوم 27 مايو1923 في مدينة فورث بألمانيا. وهو باحث سياسي أمريكي وسياسي فائق الدهاء، وكان أبوه معلما. وبسبب أصله اليهودي هرب هو وأهله في عام 1938 من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية خوفا من النازيين الألمان. والتحق بمعهد جورج واشنطن في نيويورك، ثم حصل على الجنسية الأمريكية في عام 1948 والتحق بالجيش في نفس السنة، وشغل منصب وزير الخارجية الأمريكية من 1973 إلى 1977 وكان مستشار الأمن القومي في حكومة ريتشارد نيكسون. لعب دورا بارزا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة مثل سياسة الانفتاح على الصين وزيارته المكوكية بين العربوإسرائيل والتي انتهت باتفاقية كامب ديفيد عام 1978. عينه الرئيس رونالد ريغان في عام 1983 رئيسا للهيئة الفيدرالية التي تم تشكيلها لتطوير السياسة الأمريكية تجاه أمريكا الوسطى. وأخيرا قام الرئيس جورج بوش (الابن) بتعيينه رئيسا للجنة المسؤولة عن التحقيق في أسباب هجمات الحادي عشر من شتنبر 2001.

من خلال الحوار الذي سردته عليكم بكل أمانة، يتضح بأن هنري كيسنجر كان في قرارة نفسه مقتنعا بعدالة القضية الفلسطينية وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، ولكنه كان يوجد في منصب عليه ضغوطات كانت أكبر منه ومن قناعاته بكثير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!