في الأكشاك هذا الأسبوع
جثة أحد ضحايا أحداث 23 مارس 1965، محمول على سيارة أحد المواطنين

روبورتاج | كيف أقنع الحسن الثاني أمريكا بإعلان حالة الاستثناء؟

الوثيقة المؤرخة بـ12 جوان 1965 صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، وهي عبارة عن تقرير كتبه وزير الخارجية روسك، عن سفير المغرب بواشنطن علي بن جلون، حين جاء ليخبره ويطلب موافقته على إعلان حالة الاستثناء بالمغرب.

—————-

تعتبر مرحلة حالة الاستثناء ما بين 1965 و1972 من أهم صفحات المغرب الراهن، فهي التي أدخلته في ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص. وسنحاول من خلال هذا المقال الوثيقة الفرنسية ليس مجرد إعادة تكرار ما كتب وما قيل عن هذه المرحلة، ولكن سنحاول إضافة الجديد من خلال وثيقة من الأرشيف الأمريكي، حيث سنسعى إلى إبراز كيف أقنع الحسن الثاني أمريكا بإعلان حالة الاستثناء، وكذلك معرفة طبيعة النقاشات التي دارت بين المسؤولين المغاربة والأمريكان بهدف إقناعهم، وفي الأخير معرفة الضمانات المقدمة للأمريكان نظير قبولهم بذلك.

 

سياق إعلان حالة الاستثناء

 

كانت مؤشرات الاحتقان واضحة وحاضرة بقوة قبل أحداث 23 مارس 1965، فقد كان الفضاء السياسي المغربي بعد الاستقلال مجسدا في الأحزاب السياسية المغربية سليلة الحركة الوطنية، التي كانت كلها في حدود سنة 1965 تجسد واقع التذمر العام، من الحكم القائم. فقد خرج حزب الاستقلال للمعارضة منذ سنة 1964، وترجمت مواقفه في لعب دور معارضة قوية بجلاء في مؤتمره السابع المنعقد يوم 12 فبراير 1965. وقد تبين من خلاله أن الحزب أصبح معارضة ضد الملك، وليس ضد الحكومة، وذلك حينما قال علال الفاسي في خطابه في ذلك المؤتمر “وجب القضاء على الإقطاعية والطبقة المسيطرة” أعقبه نشر جريدتي “الأمة الإفريقية” و”الاستقلال” نصا لجمال الدين الأفغاني“العرش بالشعب والشعب بالعرش”. وهو ما عجل بحملة قمع ضد الحزب، بحيث تم حجز الصحيفتين بتهمة نشر نصوص تضر بالأمن العام.

أما حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي خرج للمعارضة منذ إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم، فقد ظل يمارس معارضة قوية داخل البرلمان، وهو ما يتضح من خلال مداخلة أحد نوابه في إحدى الجلسات البرلمانية المنعقدة في سنة 1965 حيث قال: “إن هذه الأزمة التي تجتازها بلادنا اليوم، كما أوضحنا مرارا وتكرارا، نتيجة لسياسة مشؤومة معادية للشعب تتنكر للمصالح الأساسية للبلاد، سواء في الميدان الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، أو في ميدان حقوق الإنسان ومصيره. إن هذا التدهور العام الذي أقل ما يقال فيه إنه نتيجة لأغلاط خطيرة، وأخطاء جسيمة ارتكبت في حق الوطن بأجمعه”.

أما المنظمات الطلابية، فلم تكن أقل تشاؤما من الأحزاب، بل كانت أكثر منها. ويتضح ذلك من خلال منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، التي كان واضحا بصفة قطعية في مؤتمرها الثامن في الدار البيضاء سنة 1963، المذهب الثوري ضد الحكم، حيث يقول النص المذهبي “إن المؤتمر الثامن للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، يعلن رسميا بأن إلغاء النظام هو الحل الأمثل لإخراج البلاد من هذه الأزمة المفتوحة“. هذا بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كان يتخبط فيها المغرب في تلك المرحلة.

وقد شكل القرار الوزاري الصادر يوم 9 فبراير 1965، والقاضي بـ”من الضروري أن لا يتوجه إلى السنة الرابعة من الثانوي سوى التلاميذ القادرين على متابعة الدراسة في إحدى الشعب المتخصصة من السلك الثاني، وأنه يمكن أن يتوجه إلى السنة الرابعة من الثانوي التلاميذ المزدادون عام 1948، وتبلغ أعمارهم 18 سنة أو أكثر فلا يمكنهم ولوج السلك الثاني من الثانوي والوصول إلى البكالوريا“. العامل المرسب أو السبب المرسب بلغة علماء النفس، في انطلاق مظاهرات وحركات احتجاجية عارمة. ولما عمم هذا المنشور على المؤسسات التعليمية في بداية مارس ثار التلاميذ ضدا على القرار الحكومي انطلاقا من الدار البيضاء، وانتشرت الاحتجاجات في معظم المدن المغربية، والتحق بها أولياء التلاميذ والعاطلون عن العمل، مما جعل السلطات تتدخل وتقوم بقمع المظاهرات وبشدة.

وتشكل أحداث 23 مارس 1965 المبتدأ والخبر في تطور الأحداث التي أدت إلى إعلان الحسن الثاني عن حالة الاستثناء، حيث أنه لما قضت السلطات على الاضطرابات بالعنف دخل الملك في سلسلة من المفاوضات مع أحزاب المعارضة، وقدم بعض التنازلات بهدف استقطابهم ومنها العفو العام على أعضاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ودعوة بنبركة للعودة إلى المغرب، وأثناء هذه المفاوضات اشترط حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حل البرلمان وإقامة انتخابات جديدة. ودخلت الأغلبية البرلمانية في انقسام على نفسها. وهو الأمر الذي جعل الملك يفكر في إعلان حالة الاستثناء، التي قبل بها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولكن رفضتها باقي الأحزاب الأخرى. أما عن الأوضاع الدولية فقد كانت فرنسا تشن حملة ضد المغرب من خلال صحفها، بفعل إقدام المغرب على عزمه على استرجاع أراضي الاستعمار الخاص والرسمي من أيدي الفرنسيين، في حين كان المغرب قد اتجه صوب أمريكا القطب الأول في العالم والأهم.

 

الوثيقة الأمريكية

 

والوثيقة، عبارة عن تيليغرام أو رسالة إلكترونية وجهتها وزارة الخارجية الأمريكية إلى السفير الأمريكي بالرباط، مؤرخة بـ12 يونيو 1965، على الساعة 15:30 بتوقيت واشنطن، وهي موجهة من واشنطن إلى الرباط. وهذه الوثيقة عبارة عن حوار بين السفير المغربي بواشنطن بن جلون، والأمين العام لوزارة الخارجية الأمريكية، وموضوعها محاولة إقناع السفير المغربي بناء على طلب من الملك الحسن الثاني، الحكومة الأمريكية بقرار إعلان حالة الاستثناء.

 

سلطة الملك على المحك

      

تشير الوثيقة إلى أن السفير المغربي بواشنطن بن جلون في صباح يوم 12 يونيو 1965، اتصل بالأمين العام للحكومة الأمريكية وأخبره بأن الملك طلب منه تفسير القرارات السياسية الأخيرة في المغرب على ضوء علاقات وثيقة وودية بين البلدين. وقد أكد السفير بأن حالة الاستثناء مجرد وضع مؤقت، حيث سعى الملك من خلالها إلى “إعادة الهدوء“، وأكد وبصريح العبارة بأن “سلطة الملك على المحك”.

ويصف السفير المغربي لنظيره الأمريكي نشأة الأزمة وعدم القدرة على إيجاد حل لها، بسبب المطالب غير المعقولة التي طالبت بها الأحزاب السياسية كعامل أول، إضافة إلى عدم وجود أغلبية برلمانية واضحة كعامل ثان. كما أكد السفير وشدد على التأكيد على أن قرار الملك الحسن الثاني بتعليق البرلمان ومراقبة الحياة السياسية بالكامل، نابع من إطار قانوني ومؤسساتي في إطار دستوري، كما أن السفير طمأن الكاتب العام الأمريكي بأن ما تداوله البعض من حديث عن انقلاب سياسي قام به الملك جراء إعلانه عن حالة الاستثناء، يبقى مجرد دعاية فرنسية ليس إلا.

 

قرار إعلان حالة الاستثناء قوبل بارتياح لدى الشعب المغربي

 

في رده على سؤال الأمين العام لوزارة الخارجية الأمريكية عن ردة فعل الشعب المغربي حول قرار الملك بإعلان حالة الاستثناء، قال السفير بأن ردة فعل الجماهير الأولية كانت مواتية ومريحة. ومرد ذلك حسب السفير لتندي جودة البرلمان والبرلمانيين، فمن جهة لم يخلف البرلمان أو لم يعط صورة إيجابية عنه لدى أوساط الشعب، ومن جهة، فإن البرلمانيين حسب السفير دائما ما يجادلون إلى ما لا نهاية في القضايا الثانوية، ويغفلون القضايا الرئيسية والجوهرية للبلاد. وأكد بن جلون بأن الجماهير الشعبية في المغرب تريد حكومة قوية ومستقرة تخدم مصلحة الناس.

 

الجزائر لن تعارض ومصر ستحاول عرقلة القرار

 

لقد تساءل الأمين العام للحكومة الأمريكية بشأن ردود أفعال دول الجيران تجاه القرار الملكي، فإن بن جلون أكد بأنه في الحقيقة فإن الجزائر لم يصدر منها أي رد فعل رسمي بخصوص قرار الملك الحسن الثاني، في حين أن الجمهورية العربية المتحدة المؤلفة من مصر وسوريا لن تسهل الأمر على الملك، وستسعى جاهدة للتدخل بقوة من أجل الحيلولة دون أن يتخذ الملك هذا القرار.

وعندما تساءل الأمين العام بشأن أي مقاومة أو معارضة داخلية من طرف الأحزاب أو النقابات أو باقي التنظيمات السياسية، ضد القرار الملكي، قال السفير بأن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ممثل في شخص عبد الرحيم بوعبيد أمينه العام قد قبل القرار، على الرغم من عدم تحفزه الكبير تجاه هذا القرار. أما بخصوص حزب الاستقلال أحد أهم الأحزاب السياسية المغربية والذي يشكل أغلبية كبيرة، فإنه يعارض بحزم وبقوة حق الملك في استعمال “الفصل 35” من الدستور الذي يقضي بحق الملك في حل البرلمان في حال عجزه عن أداء مهامه، ومن حق الملك إعلان حالة الاستثناء.

 

ضمانات المغرب لأمريكا

 

عند استعداد السفير للمغادرة، أخبر الأمين العام بأن وزير الخارجية المغربي بنهيمة اتصل به هاتفيا ليقول له بأن الملك قد أوحى له بزيارة قريبة إلى واشنطن لمناقشة الوضع العام بهدف تبادل الآراء بشأن القضايا الراهنة. ولعل أبرز القضايا علاقة المغرب بالجمهورية الألمانية الاتحادية التي اعترفت بإسرائيل، ودخلت في صراع مع العالم العربي، وهو الأمر الذي أقلق أمريكا، وقد أكد السفير بأن وزير الخارجية المغربي يخطط لزيارة لمدينة بون الألمانية يوم 17 يونيو، وهو الأمر الذي يصل “إلى حد التحدي المباشر للجمهور العربي” نظرا لتوتر العلاقات الألمانية العربية في تلك المرحلة. وأشار إلى أن السياسة المغربية بخصوص جمهورية ألمانيا الاتحادية تعتبر مسألة “شجاعة“، وفي هذا إرضاء لأمريكا.وقد كان الاستعداد لمؤتمر القارات الثلاث يجرى على قدم وساق والذي كان يسمى بمؤتمر باندونغ الثاني، والذي كان المغرب يلوح بلعب دور قيادي فيه، واتخاذ قرارات ثورية لا تخدم مصلحة الغرب، فإن السفير أكد بأن المغرب خطط مؤخرا للعب دور معتدل فيه، وهو ما يشكل ضمانة ثانية لأمريكا.

وفي الأخير، أشار الأمين العام بأن الحكومة الأمريكية مهتمة إلى حد بعيد بأمن ورخاء وازدهار المغرب، كما أعرب عن أمله في أن يتعهد الملك بحماية وصيانة حرية الفرد، وحقوق الأحزاب السياسية والنقابات، حيث أن من شأن هذا أن يمنع الأجواء من أن تصبح متوترة، أو متفجرة بين القصر وباقي التنظيمات السياسية، وذلك بحثا من طرف الجميع عن التقدم الاقتصادي. وأعرب عن أمله أن يقوم الملك في كل الحالات بالتشاور مع قادة مختلف القطاعات، بهدف تعبئتهم والحصول على مساعدتهم. كما أعرب الأمين العام عن أطيب تمنياته للملك في هذه الأوقات الصعبة، بالخروج من هذه الأزمة.

 

 

تعليق واحد

  1. اين نجد الوثيقة الرسمية اوالنسخة الالكترونة عنها .رجاء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!