في الأكشاك هذا الأسبوع

الحـقــيقة الضــــائعة | “اتركوا الملكية .. وخذوا ما شئتم”

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

يُحكى.. والعهدة على الراوي، أن طالبة من بنات الشعب، وقفت وهي تجتاز اختبارا شفويا في كلية الطب، فسألها الأستاذ الفاسي الأصل، والذي سيصبح فيما بعد، رئيسا للحكومة، عن اسمها، فأجابته باسم يفهم منه أنها بنت دوار(…)، فالتفت الدكتور المستجوب لمن بجانبه وقال له: “هادشي علاش الخدامات ما بقاوش في الديور”. الحكاية كما روتها أحد أعداد مجلة “نيشان” الفقيدة(…) وكانت مؤرخة بتاريخ دجنبر 2006، والتي رددت قليلا من الكثير مما رددته، أو كانت تردده الأقلام، حقا أو باطلا عن الفاسيين.. الذين كانوا ذات زمان، يشكلون البورجوازية الوطنية، فكرا وثروات.. منذ أيام الفاتح مولاي إدريس، الذي يوجد بقرب ضريح ولده مولاي إدريس الأصغر بفاس، بيت أثري قديم، يعرفه الفاسيون باسم “دار بلارج”، حقيقته كما روى الباحث الفرنسي “لوتورنو”، أن طائرا من فصيلة بلارج، اللقلاق، وقف قرب ضريح مولاي إدريس، وفي فمه عقد من اللؤلؤ، أخذه أولاد مولاي إدريس، وبنوا بثمنه تلك الدار التي تسمى لحد الآن “دار بلارج”، غير بعيد مما لازال لحد الآن يسمى ضريح للا كنزة الذي يتهافت عليه الباحثون عن البركة، على أساس أنه قبر أم مولاي إدريس الأصغر، بينما ينفي المؤرخ الفرنسي ذلك ليقول بأن للا كنزة، إنما هي قريبة لمولاي إدريس، كان لها في البيت الذي أصبح الآن قبرا مزارا، متجر كانت تبيع فيه الجواهر، لتبقى الجواهر واللآلئ التي تحولت الآن إلى “ترافلر شيك” وحسابات في الأبناك مرتبطة بالفاسيين، برادة، وبن جلون، وبن كيران، وبناني، وبن شقرون، الذين ارتبطوا بالثروة منذ أيام مولاي إدريس، إلى أيام البنك سويس.

ورغم أن فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، حاولت تكوين طبقة جديدة من الأثرياء، في البوادي، بواسطة القياد والباشوات إلا أن السبق الفكري والتجاري بقي عند الفاسيين الذين هيمنوا على الحكم والأبناك، وبالتالي على السياسة والدولة، لتعيش الأجيال التي واكبت مرحلة ما بعد الاستقلال، صراعا حملت فيه الجماهير المحتاجة الوافدة، مسؤولية فقرها، إلى غنى الفاسيين المهيمنين على الأبناك والمصانع، والذين تركوا فاس، للوافدين من الضواحي واستقروا في البيضاء التي أعطت الوزراء ومسيري الأحزاب، في صراع سرعان ما تحول إلى شبه حرب أهلية غير مرئية(…) استطاع الحسن الثاني، بدهائه أن يفرض عليها بعض التوازن بقوة الجيش، ليكتشف أن مكونات ذلك الجيش، كلها، بجنرالاتها وكولونيلاتها وحتى عساكرها، الذين بحكم الحاجة، أو بحكم الغيرة، يعتبرون أصحاب الثروات والنفوذ، وأغلبهم فاسيون، هم من أعدائها.

وبعيدا عن أنظار الحسن الثاني، كان كبار ضباط الجيش، يضخمون في جلسات البوكير والقمار، والسهرات الحمراء، عداوتهم للفاسيين المهيمنين على الثروة والحكومة، إذ لم تكن مبالغة في التأويل السياسي، للأنشودة الحزبية، “المغرب لنا.. لا لغيرنا”، والتي على نغماتها تم تشييع الشخصيات الغير فاسية، وحتى التي كانت في الحكومة، لإبعادها عن حلبة الحكم. ولنتذكر، هروب وزير الداخلية، الحسن اليوسي ولجوئه لإسبانيا، وإعلان عامل تافيلالت عدي وبيهي، ثائرا هاربا، وقصر حكم العالم السوسي الكبير المختار السوسي، وقصر حكم الوزير الزموري حدو الشيكر، ومسعود الشيكر، ورئيس الحكومة مبارك البكاي، وحسن الزموري، والزموري عبد السلام بنعيسى وبوفتاس، لتبقى أغلب الوزارات تكاد تكون رهينة بين أيدي الفاسي، عبد الكريم بن جلون، والحاج عمر بن عبد الجليل، وامحمد الدويري، والإخوة باحنيني، أولاد فاس الجديد، وعبد الرحمن بن عبد العلي، والأمن، عند محمد الاغزاوي ومحمد بن الحسن الوزاني، وعبد القادر بن جلون، ومحمد الفاسي، ومحمد عبد السلام الفاسي، وبنسالم جسوس، وأحمد بن سودة، وعبد الهادي بوطالب، والتهامي الوزاني، وولد فاس الجديد الآخر مولاي أحمد العلوي، وأحمد بن كيران، والمامون الطاهري وأحمد بناني، ونور الدين الغرفي، وعبد اللطيف العراقي، وكريم العمراني، والعربي الشرايبي، وبدر الدين السنوسي، واللوائح طويلة، ليجد الجنرالات الأقوياء، المذبوح، وأوفقير، والدليمي، والشلواطي، وبوكرين، وحمو، وغيرهم، أنفسهم في خدمة طبقة معينة من المنحدرين من فاس العامرة، التي أعطت القضاة والسفراء والمديرين، والمتصرفين المقترحين من طرف الوزراء الفاسيين، ليكون الزعيم المتنطع الأول، المهدي بنبركة، صاحب أول ثورة على الزعامة الفاسية في حزب الاستقلال، نبه إلى خطورة هذا اللاتوازن وكتب: ((إن سياسة تخدم مصالح أقلية(…) من المحظوظين، لا يمكنها أن تدوم في عصر الديمقراطية، هذه الديمقراطية التي لا يمكن أن تكون مجرد يافطة تعرض للسياح)) (الاختيار الثوري. المهدي بنبركة).

وليست قليلة، تلك الأسرار والخبايا التي كشفت في مختلف المصادر المكتوبة، عن العلاقات السرية بين المهدي بنبركة والجنرال أوفقير، وعن اتصالات حامي القصر الملكي، الجنرال المذبوح، مع اقطاب المعارضة الاتحادية التي كان أغلب رجالها، لا تربطهم بفاس، اية رابطة، وخلافا للأسماء الوزارية المحظوظة ذات الأغلبية الفاسية، نجد المقاومين والمعارضين أغلبهم من ذوي الأسماء المفجعة: الزرقوطني، وبن حمو، والمانوزي، ودهكون، وبوزاليم، والفيجيجي، وشيخ العرب والصنهاجي، وبونعيلات، وبولحية، واللوائح طويلة، حتى لا نستغرب انعدام أي اسم فاسي في لوائح الجموع التي قادت كل المظاهرات، وما سمي بالمؤامرات(…)، وما وقع من انقلابات على أيدي أمقران، وعبابو، وعقا، ليبقى هذا الصراع في التاريخ مختصرا صباح 13 يوليوز 1971 ((حين كان الشلواطي مساقا إلى صف الإعدام، ليشتمه رئيس الحكومة أحمد العراقي منتقما، فيقول له الشلواطي: لا تخف سيأتي يومك ونلتقي أمام الله)) (مذكرات محمد الرايس).

حادث انتظر القطب الحركي المحجوبي أحرضان، سنوات من بعد، ليكتب انتقامه(…) في صيغة منظر مريع، وهو يتحدث عما جرى قبل يوم إعدام الشلواطي ومن معه، ويكتب: ((كان الوزير الحبيب الفهري الفاسي، مجروحا في ساحة مطار سلا تحت قصف طائرات الانقلاب، غشت 1972، يده تسيل دما وهو يحاول إيقاف الدم باليد الأخرى، حين جاء كلب صغير يلعق دم الفهري وهو يصيح كيف يمكنني أن أتخلص من هذا الكلب، وكان مصطفى فارس يقول له حاول.. حاول.. ليقول له الفاسي الفهري: إذا زولت يدي.. فالدم سيعمل فشت، ليقول له فارس.. أتعمل الدعاية لمشروب بيريي)) (مذكرات أحرضان).

منتهى الانتقام.. نتيجة صراع لم يكن يراه أحد.. وإنما كان ينخر أعماق فئة من هذا الشعب الواحد، ولكنه تطور إلى معركة مفاجئة، لعبت فيها الاستهانة بالأخطاء، دورا جعل فئة من الذين يشعرون بالإهانة، لا يقنعون بالنفوذ السياسي أو العسكري الذي كانوا ينعمون به، وها هي الحجج والوثائق، تؤكد أن أولئك الجبابرة الذين لا يخفون ولاءهم لملك البلاد، أمثال المذبوح وما أعظمه، وأوفقير وما أخطره، والدليمي وما أقواه، يتسببون في كوارث وطنية نتيجة عدم احترام قواعد المساواة.

يحكي واحد لازال حيا، أنه بضع ليال قبل الانقلاب الكارثي للصخيرات(…) كانت مجموعة من كبار المسؤولين عن الدولة، موحى اليوسي، وكان مدير المخابرات العسكرية، وبوعزة يكن من أقطاب الحركة البربرية، وإدريس السلاوي مستشار الحسن الثاني، يتناولون العشاء المسقي(…) حين قال لهم أحدهم كلمونا عما يجري، وكان كل واحد منهم يتفادى الحديث عما يجري.. أو سيجري، لأن كل واحد يعرف الثمن الذي سيدفعه مقابل كلامه(…)، فالتقوا جميعا حول مائدة لعبة البوكبير، لكي يتفادى كل واحد منهم الكلام، وينشغل بالكسب السريع ليقول واحد منهم: إن اللعبة منتهية(…)، فيقول مدير المخابرات اليوسي: من قال هذا؟

وليدخل التاريخ بعد ذلك، تصريح مصيري للملك الحسن الثاني، كان بمثابة فلسفة(…) لعلنا بعد موته بخمسة عشر عاما، نعيش واقعها الذي لم تنفع معه ديمقراطية جديدة، ولا مساواة قديمة.. حين قال الملك الحسن في خطاب رسمي: ((إنه ما عدا كرسي الملك، فإن الفرص الإدارية والسياسية والتقنية والمالية، وطريق الحكم أيضا، مفتوح أمام الجميع)) (خطاب 20 غشت 1972).

وها هو الجميع، أحزابا حكومية، أو معارضة، أو مكلفة(…) بالمعارضة، مدنيون وعسكريون، وكل من له يد في الإدارة أو في السياسة أو في الميزانيات أو في المالية، يخوضون حربا ضروسا من أجل الاستغناء، المشروع أو غير المشروع.

بل أخطر من هذا، ظهرت مع الأجيال الجديدة، وخاصة في الحاضر الذي اندثر فيه عهد الحسن الثاني، واندثرت معه القوات المخيفة، وأصبحنا نرى، قوات جديدة، لا تخاف معارضة، لأن المعارضة اندثرت، ولا عقابا لأن العقاب بقي من نصيب سارق البقرة، ومعطي الشيك بدون رصيد، وأصبحت لنا مصادر قوة خفية تتلاعب بالملايير غير المحسوبة، وغير المرئية، وربما إذا لم يكن لنا من يقول آح، فقد قالتها نيابة عنا مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، عدد مارس 2014، حين تألمت لكون المغرب، صرف في ست سنوات 20 مليون دولار، عشرين مليارا أخذها السفير الأمريكي السابق في الرباط “غابرييل” من أجل تلميع صورة المغرب في الولايات المتحدة، ليوضح الصحفي المغربي “التيجيني” بأن عدد الذين اطلعوا في الفيسبوك على الحملة التي كلفت عشرين مليارا، لم يتعد أربعمائة قارئ، وها هو حاسوب المراقب العالمي كوكل يؤكد أن عدد رواد موقع الأسبوع الإلكتروني، بلغ خمسمائة ألف.

وبينما حوكم وزير المالية السابق المامون الطاهري من أجل حصوله على هبة ثمانين مليون سنتيم، أصبح عندنا من يكسب ثمانين مليون درهم بمكالمة تلفونية عبر الهاتف النقال.

وتتباهى ولاية الدار البيضاء، بأنها تدفع عبر مجلس شركة توزيع الماء والكهرباء ليديك، أغلى أجر في العالم(…) لأحد المحظوظين الذي عين رئيسا لهذه المصلحة بأجرة 15 مليون شهريا مع تخصيص فيلا فاخرة وسيارة لهذا المحظوظ رغم أن أجرة والي الدار البيضاء لا تتعدى خمسة ملايين سنتيم شهريا.

ويتكلمون بحذر وخوف هذه الأيام، عن ولد شاب لمستشار سابق، يهيمن بشركاته على ميزانيات وصفقات إحدى أهم الوزارات، التي رغم أنها تحت سلطة وزير من الحزب الحاكم(…)، إلا أن الولد المدلل، الذي لازال يستعمل الهيبة التي كان يتمتع بها والده، ليعقد الصفقات الغير المرئية وليس وحده، بل هناك صحف تنشر أن المدير الجديد لجامعة كرة القدم أعطى للوزير السابق(…) صفقة بالملايير، ومديرين يكسبون خمسين مليونا في الشهر، ولاعبون آخرون للبوكير، يخسرون مئات الملايين في لعبة واحدة، وتجارا للحشيش يدفعون الملايير لمسؤولين حزبيين(…) من أجل استصدار قوانين لرفع المنع عن زراعة وتصدير الحشيش.

كل هذا وبالمقابل، شعب يعيش الخوف من الزيادة في أسعار الزيت والبوطاكاز ويقرأ في الصحف، بالنسبة لمن يستطيع قراءتها، أن مديرا لمكتب حكومي، يرأس ثلاث عشر شركة خاصة باسمه تتعامل بالملايير، ليكتفي قطب من حزب العدالة، أفتاتي، ويقول لنا: إن هناك عندنا طبقة ممن ولدوا، وفي فمهم ملعقة من ذهب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!