في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا في حوار خاص مع الموريتاني الداي ولد سيدي بابا

الداي ولد سيدي بابا.. الموريتاني الذي أحب المغرب أكثر من بلده

شخصيات مغربية عرفتها: بقلم. رمزي صوفيا

——————————-

      كان الأستاذ الكبير وصديق عمري الراحل الدكتور عبد الهادي بوطالب يتابع باهتمام دائم كل الحوارات الصحفية السياسية والاقتصادية التي كنت أجريها مع الشخصيات المغربية في مرحلة ما بعد المسيرة الخضراء المظفرة، وذات يوم كنا نتجاذب أطراف الحديث عن دور البرلمان في الحياة السياسية والاجتماعية للمغرب، فقال لي: “هناك شخصية سياسية مرموقة لا بد لك من إجراء حوار معها، إنه رئيس مجلس النواب السيد الداي ولد سيدي بابا”. فأجبته: “وماذا تنتظر يا أخي؟”، فرفع سماعة الهاتف على الفور واتصل برئيس مجلس النواب آنذاك، وقال له: “هل تعرف من يوجد بجانبي الآن ويرغب في إجراء حوار صحفي معك، إنه الصحفي رمزي صوفيا الذي يحب المغرب كثيرا وكأنه وطنه الأب”، فحدد لي موعدا في اليوم الموالي مباشرة.

وذهبت في الموعد، فكان لقائي بالداي ولد سيدي بابا من النوع الذي يستحيل نسيانه، فقد وجدت فيه إنسانا بكل معاني الكلمة. إنسان اجتمعت فيه الطيبوبة والتواضع مع سرعة البديهة ودماثة الخلق، وكل هذا إلى جانب ثقافة عالية واطلاع كبير، لاحظت أن السيد الداي ولد سيدي بابا يتميز بها. فقلت له: “لقد سمعت عنك الكثير. والكبير والصغير يثني على مزاياك الحميدة”. فقاطعني قائلا: “إلا بعض النواب المعارضين الذين يشنون حملات لاذعة على بعض الوزراء فأضطر لمقاطعتهم حتى نواصل الجلسة بطريقة حضارية. وعندما أقاطعهم لا يروق لهم الأمر بطبيعة الحال”. فقلت له: “وكيف تتمكن من التوفيق بين المؤيدين والمعارضين؟” فقال لي متنهدا: “هذا مشكل كبير يعيشه كل مسؤول يجلس على الكرسي الذي أوجد عليه حاليا. إنني أبذل قصارى جهودي لتقريب وجهات النظر بين الأغلبية والمعارضة. وكثيرا ما أنجح وقليلا ما أفشل ولكن بكل صراحة، فمنصب رئيس للبرلمان هو مرهق ومحرج لدرجة كبيرة”. فسألته سؤالا خاصا: “لقد جئت إلى رئاسة البرلمان من إقليم كلميم، حيث نجحت في الانتخابات النيابية هناك ممثلا لحزب الأحرار على حساب حزب الاتحاد الاشتراكي، فكيف حققت هذا النجاح رغم أصولك الموريتانية؟”، فابتسم ابتسامة ثقة كبيرة وقال لي: “لقد ولدت في موريتانيا فعلا ولكن يا أستاذ فموريتانيا بنفسها كانت ذات يوم جزءا من التراب المغربي، لهذا فليس هناك أي حاجز وطني في وجودي وإخلاصي لملكي ولبلدي المغرب”، فواصلت أسئلتي قائلا له: “السيد الرئيس، يتحدث الكثيرون عن ضغوطات يفرضها عليك بعض الوزراء لصالح بعض الناس؟” فأجابني دون أن يخفي غضبه: “وهل يمكن اعتبار تدخلي لصالح من هم في حاجة لخدماتي عيبا. لقد صوتوا لصالحي ووضعوا ثقتهم في شخصي واختاروني ممثلا لإقليم كلميم، فكيف لا أقدم لهم خدماتي وكيف لا أساعد كل الذين يحتاجونني منهم. وأنا بطبعي لا أستطيع من الناحية الأخلاقية رد طلب يطلبه مني أي إنسان، فقد تربيت هكذا”. فقلت له: “وهل سبق لشخص أن طلب منك مساعدته في حل مشكل خارج القانون؟” فأجابني على الفور: “إن أي مسؤول سياسي يجلس على كرسي رئاسة السلطة التشريعية للبلاد لا يمكن له أن يلتفت لمثل هذه الطلبات. لقد أديت اليمين عندما نجحت في الوصول إلى رئاسة برلمان المغرب، وأنا الذي يترأس جلسات إصدار التشريعات والقوانين التي تحكم تدبير الشأن العام للمغرب، فكيف يمكنني الوقوف مع شخص في طلب خارج القانون. هذا ليس من خصالي ولا علاقة له بطريقة تفكيري”. وواصل كلامه قائلا: “إنني كرئيس للبرلمان أسعى لحل العزلة عن المحرومين ومساعدة المظلومين في استعادة حقوقهم ورد الاعتبار للمهمشين”. وسألته: “هل لك أن تحدثني عن بعض المشاكل التي يعيشها المغاربة؟” فأجابني وهو يهز رأسه مهموما: “إنها كثيرة يا سيد رمزي. كثيرة جدا من الناحية المادية بالخصوص، فنحن لا ننكر ولا يمكننا إخفاء كون المغرب بلد زراعي وسياحي عاش لعقود وعقود تحت الاستنزاف الاستعماري الذي امتص خيراته وثرواته دون رحمة أو شفقة. كما أننا لسنا بلدا بتروليا وثرواتنا محدودة جدا مقارنة مع بلدان عربية وإفريقية أخرى. لهذا لا أنكر وجود فقراء كثر وعاطلين بأعداد لا يستهان بها. ولكن مصدر قوتنا وثقتنا في المستقبل هو وجود ملك حكيم وعظيم يسير بالمغرب في درب النماء بخطوات قوية وسديدة ويعمل ليل نهار لتحقيق الرخاء لشعبه، وكل المغاربة ملتفين حوله ويسيرون خلف سياسته الحكيمة. وللأسف فالجارة الجزائر التي نالت استقلالها بفضل مساعدة المغرب وشجاعة الجنود المغاربة الذين ضحوا بأرواحهم من أجل تحريرها، هذه الجزائر للأسف نسيت جميل المغرب وخلقت له مشكلا مفتعلا في صحرائه التي هي مغربية شرعا وتاريخا. لقد نسيت الجزائر كم من جزائري لجأ إلى المغرب هاربا من جحيم الاستعمار الفرنسي فاحتضنه المغرب وقدم له الزاد والمأوى. وعلى أية حال فالمغرب قوي بملكه، وبوفاء شعبه، وقضية الصحراء هي عابرة وستبقى تلك الأرض مغربية لأن التاريخ قال كلمة الحق منذ زمن بعيد”.

وانتهى حواري مع السيد الداي ولد سيدي بابا عند هذا الحد، ولكن صداقتنا ظلت راقية وظل الاتصال مفتوحا بيننا حتى توفاه الله في سنة 1983، فأطلق الشيخ بيد الله اسم الداي ولد سيدي بابا على أحد أكبر شوارع مدينة العيون تقديرا لخدمات الراحل ووفائه للعرش العلوي وللشعب المغربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!