في الأكشاك هذا الأسبوع
بنكيران في اكوراي

مكناس.. من مهرجانات الخمور إلى مهرجانات بن كيران للخبز وأتاي

يأتي هذا المقال في إطار ملف الأسبوع “سياسة الخبز و أتاي” فقط على alousboue.com

————

      لم تكن زيارة بن كيران لمدينة أكوراي الأولى من نوعها بل سبقتها زيارة أخرى، عندما كان بالكاد يتلمس خطواته الأولى في العمل الحكومي، وقتها كان شديد الحساسية إزاء التماسيح والعفاريت(..)، لكنه وإن كان هذه المرة قد شرب كأس شاي في بيت مكناسي، فإنه قال في المرة السابقة، “راه طرف ديال الخبز وكاس ديال أتاي، وراحة البال أحسن من أي حاجة ملي كيتفقد الاستقرار..المغاربة موالفين.. هذا هو الشعب الوحيد الذي يعيش بالخبز وأتاي”.

قد يعتبر البعض أن بن كيران وظف أكلة شعبية في خطاب سياسي، ودغدغ من خلالها مشاعر الكثيرين، غير أن ذلك ليس سوى مقدمة لما سيحصل فيما بعد، حيث ستنتشر صور وزراء حزب العدالة والتنمية وهم يتقاسمون مع المواطنين مؤكولات شعبية مثل “البيصارة” والقهوة.. أو كما حصل مع البرلماني الوجدي عبد العزيز أفتاتي، الذي سربت صورته وهو يفطر بالخبز وأتاي مثل أي مستخدم بسيط يكسب قوت يومه من أشغال شاقة(..).

——————

لم يكن رئيس الحكومة أو من تحدث عن “الخبز وأتاي” في محطة سياسية، بل إن وزيرا اسمه عبد القادر الصحراوي وقف ذات يوم أمام برلمان 1963، وقال كلمته المشهورة إلى حدود اليوم: “الشعب يريد الخبز يا مولاي”..عبد القادر الصحراوي شخص أكن له احتراما كبيرا، لأنه من أوائل مثقفي المغرب، ورجال الفكر الكبار، ومن الدعاة الاتحاديين إلى الانفتاح واحترام حقوق الإنسان.. الصحراوي، كانت له صولات وجولات عندما تم تقديم ملتمس الرقابة الأول من نوعه داخل البرلمان المغربي وكانت الساحة تعرف حينها تسابقا بين قطبي الاتحاد الذين يتفاوتان في الفصاحة، وحسن التعبير، واختيار العبارات والجمل التي لم يبق لها وجود في القاموس السياسي المغربي، وهما كل من عبد القادر الصحراوي والمحامي محمد التبر.. ولكن بقدرة قادر سوف ينتقل الصحراوي إلى الضفة الأخرى، وأصبح وزيرا للإعلام.. فعرفت الرقابة أوجها في عهد هذا الوزير الاتحادي.. فهو الذي ابتدع عرض الصحف المغربية على وزير الإعلام قبل السماح بطبعها.. ولذلك كتبنا مرة عنه في الصفحة الأولى لجريدتنا: الوزير الذي طلب الخبز من مولاه، فأكل كعب غزال وسكت”. (من كتاب: مذكرات صحافي وثلاثة ملوك، مصطفى العلوي).

كل من الصحراوي وبن كيران استعملا عبارة الخبز في خطاباتهما، وإن كان هذا الأخير قد أضاف إليه الشاي، ولكن الظروف تختلف فقد كان بن كيران يقف غير بعيد عن معمل مشهور لصناعة النبيذ الأحمر، في مكناس التي أراد لها الاستعمار الفرنسي أن تصبح عاصمة للمشروبات الروحية، لكن لماذا ركز الاستعمار على مكناس دون غيرها: “يقول مسير إحدى الضيعات الفلاحية التابعة لشركة التنمية الفلاحية “sodea”، بمكناسفضل عدم ذكر اسمه: أنت ترى بأم عينك هذه الأراضي المترامية الأطراف، فأغلبها زراعية بورية – ويشير إلى بعض الضيعات التابعة لشركة “ويليام بيتيس” الفرنسية التي تستثمر في هذا المجال، ولها معمل تحت اسم “domaine sahari”بمنطقة أكوراي-.
هذا الشاب يقضي يومه وسط سيارة يتجول بها عبر الضيعات التي تصل مساحتها إلى 500 هكتار، يتفقد أحوال العمال والآليات، ففي أول يوم وقع على كل شيء لمباشرة عمله، وإن كان وضعه المادي يختلف قليلا عن العمال المؤقتين الذين كانوا ينتظرونه بجانب سور معمل آيت سوالة لصناعة الخمور، أملا في تلقي راتبهم الزهيد.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تركز هذه الصناعة بمكناس راجع إلى وجود عدد كبير من اليهود بها يتاجرون في هذا القطاع منذ القدم، فضلا عن وجودها وسط المغرب.
هناك سر آخر يفسر تركيز الاستعمار الفرنسي على منطقة مكناس، سر يتمثل في مقاومة المقاومة المغربية عن طريق الخمور أي بكلمات اليوم تجفيف ينابيع المقاومة عن طريق حرق البساط الذي تتحرك فيه وتستقطب منه رجالاتها بمكناس والمناطق المجاورة لها(إفران، الحاجب، أزرو، خنيفرة..)، ثم وجود ثكنات عسكرية فرنسية بالمنطقة”، (شهادة منشورة بجريدة التجديد الموالية لحزب العدالة والتنمية، 29 يونيو 2004).

————–

حيلة.. الحكومة الإسلامية تعترف بالخمور كبند في قانون المالية

لو نجح الاستعمار في فرض شروطه بمكناس لكانت قد تحولت إلى عاصمة عالمية للخمر، ولكن الأقدار شيء غير ذلك، رغم أن عددا كبيرا من الحاضرين في اجتماع بن كيران بأكوراي، يعملون كفلاحين داخل الضيعات الفلاحية لإنتاج الخمور، ولكم أن تتصوروا إحساسهم عندما يسمعون أن رئيس الحكومة يحثهم على شرب الخبز وأتاي بينما هم يكسبون قوت يومهم من العمل في مصانع الخمور(..).

الفكرة الاستعمارية لتشجيع زراعة الخمور في مكناس، كانت قد انتعشت من جديد خلال السنوات الأخيرة مع الدعوة إلى إحياء فعاليات مهرجان الخمور، “بعد أن نظم المجلس الجهوي للسياحة بمكناس بشراكة مع القنصلية الفرنسية، ومع منتجي المادة حفلا بهدف الترويج للخمور المغربية بالخارج” (المصدر: هسبريس 4 فبراير 2008)، ولعل من غريب الصدف أن خصوم هذا المهرجان اختاروا هم أيضا الرد عليه بطريقة خاصة لا تختلف كثيرا عن طريقة رئيس الحكومة، فقد “دعا الفنان المغربي رشيد مسرور المعروف بمسرور المراكشي إلى إقامة حفل تذوق الشاي بنفس القاعة التي أقيم فيها حفل تذوق الخمر، وذلك لإعادة الاعتبار لتاريخ مدينة مكناس وأصالة الشعب المغربي”، (المصدر نفسه).

لا أحد يعرف لماذا يختار بن كيران مكناس دائما، ولكن الأكيد أن ظهوره وسط تجمع حاشد غير بعيد عن ضيعات العنب هو رد غير مباشر على أولئك الذين يقولون إن استهلاك الخمور قد ارتفع بشكل كبير في عهد حكومة الإسلاميين، حيث تؤكد وكالة رويترز للأنباء أن المغاربة يستهلكون الخمر أكثر من الحليب، فهم “يستهلكون في العام الواحد ما مجموعه 131 مليون لتر تشمل 400 مليون قنينة جعة، و38 مليون قنينة خمر، ومليون ونصف مليون قنينة ويسكي، ومليون قنينة فودكا، و140 ألف قنينة شامبانيا”.

قد يقول قائل إن حكومة بن كيران فعلت ما في وسعها وهي ترفع سعر الضرائب المفروضة على الخمور والجعة والسجائر الفاخرة، بنسبة زيادة تصل إلى 15 ألف درهم لكل 100 لتر من استهلاك الخمور.. ولكن مصدرا من الأغلبية أكد لـ”الأسبوع” أن ما كان يهم الأحزاب التي تضم في صفوفها بعض “السكارى” هو توريط بن كيران في الاعتراف بالخمور كأحد مصادر التمويل التي تجد بنودا لها في قانون المالية، والحال أن حكومة شبه إسلامية، كان من المحتمل أن ترفض الاعتراف بذلك(..)، ولعل هذا هو ما يفسر افتتاح محلات جديدة لتسويق الخمور في عهد بن كيران بشكل غير مسبوق، في الوقت الذي كان ينتظر فيه المتتبعون حصول العكس(..) طالما أن رئيس الحكومة يفضل الحديث عن الخبز وأتاي، حسب قول مصدر “الأسبوع” في الأغلبية.

—————

معركة لا علاقة لها بالخبز وأتاي

لكل حزب سياسته، وبغض النظر عن عدم معاقبة البرلماني الذي دخل إلى البرلمان مخمورا، في عز النقاش حول القوانين الانتخابية، طبقا لقوانين السكر العلني(..)، فإن هناك من يفضل الحديث عن “الخبز وأتاي والبيصارة” وهناك من يفضل الحديث عن دواعي الانفتاح، لكن إحدى الجلسات سمحت بظهور برلماني سكران، في حالة غير طبيعية، حيث اضطر عدد من النواب إلى تفادي مصافحة برلماني سكران فضحته حركاته(..) ويتعلق الأمر بالبرلماني ادريس البقالي الذي تسبب لأصدقائه في حزب التجمع الوطني للأحرار في حرج كبير، عندما اضطروا لتقبيل رؤوس بعض الصحفيين مقابل عدم خروج صور تؤكد هذه الفضيحة خلال شهر شتنبر 2011، أي قبل دخول بن كيران للحكومة.

في عهد الحكومة الحالية وليس قبلها، فتحت معركة الخمر على مصراعيها، فهذا المستشار محمد ادعيدعة، رئيس الفريق الفدرالي بمجلس المستشارين يقول، “إن الزيادات الأخيرة التي فرضتها الحكومة على الجعة مس بالقدرة الشرائية للمواطنين (صحف يناير 2013)، بدعوى أن هناك من المغاربة من يصلي صلاة العشاء ويشرب الخمر في ما بعد.. “اللهم إن هذا منكر”.. كلمة لم يرددها الإسلاميون ولكن ادعيديعة قالها لحكومة بن كيران، باعتبار الزيادة الأخيرة ستساهم في ارتفاع ثمن إنتاج “الماحيا”.

ما الذي حدث حتى انتقلنا من الانشغال بمشاكل الخبز وأتاي إلى مشاكل الخمر؟ قد يكون للأمر علاقة بتحركات جبهة حقوقية، تقول إن القانون الذي يحضر على المغاربة استهلاك الكحول وشراءه يجب ألا يلغى لأن الأمر يتعلق بالحرية الفردية، وهذا التوجه تعبر عنه بشكل لا غبار عليه القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة خديجة الرويسي التي قالت لوكالة الأنباء الفرنسية: “إن القانون الذي ينص على إباحة بيع الكحول للأجانب فقط مخالف للدستور الذي يقر الحريات الفردية”.

——————-

حكاية شباط والوزير السكران

لم يسبق أن وجهت أصابع الاتهام إلى أي وزير في الحكومة بأنه يمارس عمله وهو سكران، ولكن الذين حضروا احتفالات فاتح ماي بشارع النصر في مدينة الرباط، السنة الماضية، لم ينسوا اتهام حميد شباط لوزير في الحكومة بأنه دخل إلى البرلمان سكران، ورجحت الصحافة أن الأمر يتعلق بجلسة 29 أبريل 2013، وبالرجوع إلى هذه الجلسة نجد أن الوزراء الذين حضروها هم: “عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري، ونبيل بنعبد الله وزير السكنى والتعمير، وعبد الواحد سهيل وزير التشغيل والتكوين المهني، وعبد العظيم الكروج وزير الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، ولكن من هو الوزير السكران من بين هؤلاء؟

يقول شباط: «قلت لرئيس الحكومة وباقي الأمناء العامين إن تصريحاتي جاءت في سياق معروف، وهو الاحتفالات بفاتح ماي التي يستعمل فيها خطابا نقابيا معروفا يوجه إلى الشغيلة». أما اسم الوزير السكايري «فماغاديش نقولو ليكم»، ومن اعتبر نفسه معنيا فليتوجه إلى المحكمة، أما إذا اعتبرت الحكومة كلها معنية بالأمر، فلتتوجه إلى المحكمة وتسجل دعوى ضدي، وأنا سأمضي إلى المحكمة وأمتثل إلى القضاء.. كان حريا بك السيد رئيس الحكومة أن تفتح تحقيقا في الموضوع لتعرف كيف يلج السادة الوزراء القبة التشريعية عوض أن تهاجموني وتحاسبوني، وإذا أثبتت نتائج التحقيق أنني خاطئ، فافعلوا ما شئتم» (موقع فبراير: 8 ماي 2013).

هكذا أغلق ملف الوزير السكران داخل صفوف الأغلبية التي تشتت فيما بعد، ولكن أغلب التحاليل الصحفية أكدت أن المعني بكلام شباط، كان هو الوزير عبد الواحد سهيل، لا سيما وأن هذا الأخير كان أول المغادرين لسفينة الحكومة الأولى المعدلة التي خرج منها حزب شباط(..).

لم توجه أصابع الاتهام إلى الوزير سهيل وحده، بل إن شباط نفسه متهم بالإدمان على شرب الخمر، بعد التصريحات التي أدلى بها عبد النبي الشراط، الصحفي الذي كان مقربا منه في وقت من الأوقات، هذا الأخير قال إن شباط عندما يجالس إسلاميا يصلي معه الفجر وعندما يجالس من يحتسي الخمر يقتسم معه السهرة إلى ما بعد منتصف الليل”.. المتحدث قال أيضا: “شباط لا يحتسي إلا الروج.. ولكنه يجلس في أماكن منعزلة”.

——————–

صراع في مساحة غير محفظة

الصراع حول الخمر بين بن كيران وخصومه يعطي الانطباع بأن هناك معركة بين شعب الخبز وأتاي، وشعب الخمر.. لكن لا كلا الطرفين يستطيع تحفيظ مساحة خاصة به وسط هذا النقاش الذي سخن أكثر من اللازم في عهد بن كيران، إلى درجة طرح معها السؤال، ماذا يشرب هؤلاء السياسيون المغاربة والمسؤولون الحكومة، وتحت تأثير أي مشروبات يتخذون قراراتهم ويطلقون تصريحاتهم(..).

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!