في الأكشاك هذا الأسبوع
بن كيران

الحـقــيقة الضــــائعة | أغلقوا هذا البرلمان المشغول بالعفاريت والداعي لتحرير الحشيش

   

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

      سابقة العفاريت والتماسيح التي ارتبطت بحكومة رئيس الحكومة بن كيران، وما أعقبها من ردود فعل، في شكل عبارات وصفت بالبذيئة، وأفقدت الوزراء، أو بعضهم، رشد العقلاء، هي ظاهرة من الخطورة بمكان، ولا تخافوا على أنفسكم، لأنها وحسب الحكاية التي سأحكي لكم، خطيرة على رئيس الحكومة وحده.

فقد حصل في تاريخ إيران، الغير بعيد، أن تضعضت الوضعية الحزبية والسياسية في السنوات العشر الأوائل لولاية الشاه، رضى بهلوي، بعد أن تعددت الأحزاب(…) وكثرت الضغوط، ليضطر الملك إلى تشكيل حكومة أسند رئاستها إلى أحد الأقطاب، واسمه “علي رازم أراه”، ونظرا للضغوط الدينية في ذلك الوقت، وقبل ثورة الخميني بحوالي ربع قرن(…)، كان الرصيد الديني لرئيس الحكومة هذا، “رازم” متضعضعا، والظروف محتاجة إلى رئيس حكومة متدين، ليشرك معه في الحكومة، أحزابا أخرى، فاستقبله الشاه للمذاكرة في موضوع تلطيف حدة المعارضة، ليطلب رئيس الحكومة “رازم” من الشاه، أن يعلن مع قرار تسميته، أنه يسمى “الحاج رازم أراه” ويضيف للشاه: أنت تعرف يا مولاي أني مزداد في أول يوم من السنة الهجرية، ونحن في إيران، كل من ازداد في ذلك التاريخ يسمى حاجا.

وفعلا، أصبح الحاج رازم، رئيسا لحكومة إيران يوم 25 جوان 1950، لكتب المستشار الأمريكي في طهران، “وايلي” تقريرا لحكومته، يوجز مبررات وظروف تعيين الحاج رازم رئيسا للحكومة ((إن هناك تعاطفا متزايدا حتى بين أعداء الحاج رازم، السياسيين السابقين، لتعيينه في هذه الظروف، السياسية والاقتصادية المشوشة)) (مدافع آية الله. حسنين هيكل).

وليس من باب الصدفة، أن يكون أحد أبناء عم الشاه، الأمير عبد الرضى متخرجا من جامعة هارفرد، جاء منها متشبعا بأفكار اقتصادية جديدة(…) وأثناء خوضه مع بعض السياسيين في التعليق على تعيين “الحاج رازم”، قال: ((إنه أفعى تكمن في العشب)) (نفس المصدر).

وهكذا كان الأمير قد سبق منتقدي رئيس حكومتنا بن كيران الذي ابتدع قاموس “العفاريت والتماسيح”.

ومرة، جاء رئيس الحكومة الحاج “رازم” للبرلمان ليقدم نفسه، فاعترضه في كلمة الترحيب رئيس المعارضة، مصدق، الذي دخل تاريخ المعارضة الإيرانية مبكرا، وخاطب رئيس الحكومة بقوله: ((أنت لست بحاج فلماذا تريد خداعنا، ارجع إلى الشخص الذي أرسلك إلى هنا.. إنك مجرد ثعلب في ثياب قط)) (نفس المصدر).

واستفحل عجز رئيس الحكومة الحاج ((الذي اكتشف أن الشاه كان ينوي إذا استطاع(…) أن يبقيه مغلول اليدين)) والواقع أنه رغم مهامه كرئيس للوزارة فإنه ((لم يكن بإمكانه أن يحقق الكثير، فخطوط المعركة بين القصر وجبهة مصدق صاحب فكرة تأميم البترول، كانت قد اتضحت تماما ولم يعد هناك مجال للحلول الوسط)).

لم نصل بعد لتفاصيل الأخطار التي تهدد رئيس الحكومة الحاج رازم، “الأفعى التي تكمن في العشب”، و”الثعلب اللابس لثياب قط”.

فقد كانت هناك في إيران، جماعات دينية متطرفة تتمعن في ما يقال، وتتفاعل تحت السطح، إلى أن حصل ما لم يكن منتظرا، وفي يوم 20 فبراير 1951، كان رئيس الحكومة الحاج رازم يصلي على جنازة أحد رجال الدين، حين هاجمه شاب وقتله بالرصاص في عين المكان، وعندما اعتقل الحراس القاتل وهو يصيح الله أكبر، سألوه عن اسمه كان يجيبهم: أنا عبد الله، لتصدر جريدة “أصناف” في اليوم الموالي وهي تنشر كاريكاتور لملاك يحمل مسدسا وكتبت تحت الرسم: القبلة الأخيرة.

طبعا.. نتمنى من الله أن يحفظ الحاج بن كيران، الذي لا ندري هل كانت كل الأخطار في احتمالاته عند ما قال مؤخرا لرجل الأعمال كريم التازي ((دير حزب بحال الناس واجي شوف راسك علاش قاد)).

أم أن رئيسنا الحاج بن كيران، لم يقرأ ما بين سطور المطالبة الأخيرة، لحزب الأصالة والمعاصرة في مجلس المستشارين، حين جرد الناطق باسم الحزب، وجهه من كل أقنعة الوقار الاجتماعي، وطالب بإصدار عفو عام عن مزارعي الكيف، وإلغاء ظهير 1974 الذي يجرم تجارة الحشيش، والمطالبة طبعا بالعفو وإطلاق سراح جميع المعتقلين في قضايا الحشيش، واعتبار هذه التجارة، بندا من بنود حقوق الإنسان، فهل يجهل الحاج بن كيران(…) عدد القتلى الذين يسقطون في الشوارع البيضاوية والطنجاوية في الصراعات المسلحة بين أقطاب الحشيش، الذين يدفعون الملايير، وبدون مبالغة، وفي جميع أنحاء العالم للقتلة المتخصصين في تصفية كل من يتعرض لمصالحهم، والحافظ الله.. من تهديد المرأة الحديدية، سميرة سيطايل لبن كيران، رئيس الحكومة، عندما قالت له: ((إن العنف اللغوي سيعود عليك في يوم من الأيام(…)، لأن خرجاتك ستكون مكلفة، ولها تبعات خطيرة)).

إن المغرب ليس هو الدولة الوحيدة التي قد يتحول فيها العمل السياسي أو الحزبي، إلى التهديد بالقتل والاغتيالات، وليست سابقة اغتيال رئيس الحكومة الإيراني “رازم” هي الأولى أو الأخيرة مثلما أن رئيس الحكومة بن كيران، ليس في مواجهة محاولة اغتياله الأولى وهو الذي أعطى تفاصيل محاولة اغتياله سنة 1995، في باريس، حيث أصابت الرصاصة واحدا غيره ليفلت هو من الموت.. وما كل مرة تسلم الجرة.

لعل الملك الحسن الثاني سيتقلب مرتين في قبره، وهو يسمع أنه أصبح في وطنه حزب لا يطالب بفرض الديمقراطية ولا بمحاربة الفساد، ولا من أجل الهيمنة على البرلمان، أو الحصول على الأغلبية، وإنما من أجل استصدار قانون للترخيص بتجارة المخدرات.

فهل لغاية مثل هاته نادى الجنرال أوفقير على المحجوبي أحرضان يوما، وأبدى له رغبة أوفقير في تأسيس حزب سياسي، وكان ذلك قبل أن ينظم أوفقير انقلابه سنة 1972 ضد الملك الحسن الثاني.

ولماذا كان الملك الحسن الثاني في بداية حكمه، مصرا وبشجاعة متناهية، على تأسيس حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، ولم يتبرأ مؤسسو هذا الحزب من أن الرغبة كانت ملكية(…) كما تبرأ منها مؤسسو حزب الأصالة والمعاصرة، المطالب بتحرير المخدرات(…) بل إن الحسن الثاني أمر أحد أقربائه الأمير مولاي علي ليترأس الاجتماع التأسيسي لحزب الفديك في بداية السبعينات. وأمر أعضاء ديوانه والمقربين إليه، أحمد جديرة، والمفضل الشرقاوي، ومدير الأمن الاغزاوي، ووزيره أحمد باحنيني ومستشاره إدريس السلاوي، والناطق باسمه مولاي أحمد العلوي ومدير بنك الدولة الزغاري ليكونوا هم مؤسسي حزب الفديك؟

طبعا كانت الأحزاب في ذلك الزمان، تتأسس من أجل أغراض أشرف وأنبل، ورغم ذلك فشلت وانتهت، مثلما فشل الحزب الريفي، الذي تم تكليف وزير الداخلية محمد بنهيمة بالإشراف عليه ((الحزب الريفي، بعد حزب العمل الذي أسسه المرحوم احماد والحاج، هو حزب مرتبط مباشرة بالقصر الملكي – يقول بنهيمة – والمشرفون على العملية على رأسهم الكولونيل حمو حسن، والفقيه الركراكي، وعبد الوهاب بنمنصور، والدكتور بنيعيش الطبيب الخاص للملك، والمنصوري بن علي، والشيخ أمزيان، ورغم ذلك لم تنجح العملية)) (مذكرات أحرضان).

رحم الله زمانا كانت تعتبر فيه الأحزاب صمامات أمان لاستقرار النظام، وطمأنة الرأي العام، على أن له وسائل للتعبير وللوصول إلى المجالس المنتخبة.

وقبح الله زمانا تهاوت فيه القيم والأخلاق، حتى في قبة البرلمان الذي أصبح وبدون مبالغة صورة طبق الأصل لساحة جامع الفنا في مراكش التي لا يعرف أحد إسما لأي مروض للأفاعي مثلما لا يعرف الرأي العام الوطني إسما لواحد من النواب البرلمانيين الجادين في تدخلاتهم.

هذا البرلمان الذي أصبح فقط عالة على ميزانية الدولة المغربية، يعني الشعب المغربي، يصرف أكثر من أربعين مليارا على مجلس المستشارين الخارج عن الدستور، المنتهية ولايته ((كل مستشار برلماني يكلف خزينة الدولة 112 مليون، ويصرف 300 مليون لوقود السيارات ومليار للرحلات إلى الخارج، وثمانية ملايير لرواتب وأجور الموظفين بهذا المجلس، و50 مليونا للهدايا، وفوزي بنعلال(…) يصرف 29 مليارا بدون رقابة)) (الأخبار. 17 دجنبر 2013).

من أجل اقل من هذا بكثير، اصدر الحسن الثاني في 7 جوان 1965، قرارا بالعوشرة للبرلمان، وإغلاقه، وكان فيه أقطاب جادون وعظام مفكرون، أمثال، علال الفاسي، والدكتور عبد اللطيف بن جلون، وعبد الواحد الراضي، وعبد الحميد القاسمي، والهاشمي الفيلالي، والطاهر غلاب، وعبد الخالق الطريس، وعبد الرحمن بادو، والمعطي بوعبيد، ومحمد التبر، وعبد القادر الصحراوي، والدكتور الخطيب رئيس المجلس يا حسرة، وحدو الشيكر، وعبد الرحمن الخطيب، وبن عبد الله الوݣوتي وآخرون، فلم يتوان الملك الحسن الثاني عن إغلاق مجلسهم حيث كان يرى ((أن ذلك البرلمان يمضي أوقاته في نقاش عقيم(…) ويتعثر سيره في الحسابات السياسية بين الفرقاء داخله، وكان يقول إن المغرب في حاجة إلى الاستجمام السياسي(…) لتقل حدة هذه النقاشات تحت قبة البرلمان)) (نصف قرن من السياسة. عبد الهادي بوطالب).

أكيد أن نواب وسياسيي المغرب، انشغلوا بالتماسيح والعفاريت، مثلما انشغل قبلهم نواب شاه إيران، بالأفاعي والثعالب، لكنه عار في حقنا، أننا لم نسمع نائبا ولا سياسيا لا في الحكومة ولا في المعارضة، يتحدث عن القضية الأساسية بالنسبة للمغاربة، وهي قضية الصحراء.. والحرب العالمية المعلنة علينا في قضية الصحراء، وكم هو مخيف أن يستمر الوضع على ما هو عليه الآن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!