في الأكشاك هذا الأسبوع

البلقنة والارتجال في التعليم العمومي

     إن تركيزنا على ما يعرفه قطاع التربية الوطنية من اختلالات عميقة،على غرار ما أصبح عليه الحال بالتعليم العالي، الهدف منه الحث على التعاطي مع منظومتنا التربوية كوحدة غير قابلة للتجزيء وبنظرة شمولية، بحيث تتكاثف جهود المسؤولين وكل الفاعلين وتتكامل للتأسيس لنهج جديد ينزل الحكامة من شعار كلامي إلى واقع عملي معول عليه لتغيير أحوال تعليمنا إلى ما فيه خير أبنائنا ومجتمعنا، في زمن كل التحديات.

من هذا المنطلق سنتطرق لموضوع يشهد على أن نهج الحكامة مازال مغيبا، وعليه فلن تزداد الأحوال المضطربة لمنظومتنا التربوية إلا استفحالا، يتعلق الأمر بالمشروع الحكومي لتكوين 10000 عاطل من حملة الإجازة وشهادة الليسانس بالمدارس العليا للأساتذة لمدة سنة، على مدى ثلاث سنوات. سبق أن تطرقنا لهذا الموضوع نظرا لما شاب تنزيله على أرض الواقع من شوائب واختلالات مخلة بأبجديات الحكامة. وقبل التطرق للجوانب “البيداغوجية” (وقد أصبحت “البيداغوجيا” ذات وقع سحري تحول الحديد الصدئ إلى زمرد) المختلة اختلالات غائرة، لابد من إلقاء الضوء على ذلك الجانب المثير للاستغراب بهذا الخصوص، والمتعلق بقطع أواصر التواصل بين هؤلاء “المتكونين” (وأي تكوين!) ومؤسسات التربية الوطنية، لا لشيء إلا لأن القدر ألقى بهم بالمدارس العليا للأساتذة التي لم تعد تابعة للتربية الوطنية. من المفترض “بيداغوجيا” أن يستفيد هؤلاء، على الأقل، من خمسة أسابيع من التداريب بالمؤسسات العمومية، لكن نهج البلقنة ورياح الارتجال جرت بما لا يتطلبه تكوين رجال التعليم.

تمت إعادة الأمور إلى نصابها، لكن بعد فوات الأوان، فلم يستفد هؤلاء إلا من أسبوعين من التدريب بالأقسام العمومية نظرا لأن الأمر يتعلق بآخر السنة، بينما لم يتمكن إلا القليل من إيجاد موضع قدم بالمؤسسات الخصوصية نظرا لخصوصياتها وكذا عامل آخر السنة. وزيادة في توضيح نهج البلقنة ووضع المتاريس بين الجامعة (المدارس العليا للأساتذة) والتعليم ما قبل الجامعي فإن الـ10000 متكون بالمدارس العليا للأساتذة ليست لهم إلا وجهة التعليم الخصوصي بعد “تخرجهم”، إلا أن تعمل الحكومة، كذلك، على إعادة الأمور إلى نصابها بإعادة أواصر التواصل الطبيعي بين الجامعة وأطوار التعليم ما قبل الجامعي.

بالعودة إلى الجوانب البيداغوجية المختلة، فقد تم تقزيم التكوين من سنتين (سنة لمحاولة استكمال التكوين الأساسي المتهالك بالمدارس العليا للأساتذة، وسنة بـ”المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين”) إلى سنة. لكن حتى هذه السنة قزمت إلى حد كبير؛ فلم يلتحق المتكونون بالمدارس العليا للأساتذة إلا في أواسط دجنبر 2013 (أواخر السداسي الأول)، وما إن عادوا من عطلة نهاية السداسي الأول حتى دخلوا في إضرابات متقطعة مطالبين باستلام منحتهم، ما فتئت أن تحولت إلى متواصلة لعدة أسابيع ليتم الإخلال كذلك بالمدة الزمنية للسداسي الثاني إلى حد بعيد. نعم، مسلسل من الارتجاليات تحمل الأساتذة الباحثون بالمدارس العليا للأساتذة من جرائها الكثير من الضغوطات والإكراهات لمحاولة تدارك ما يمكن تداركه. قطعا لا يمكن تدارك ما لا يمكن تداركه، نظرا لأن الهوة المعرفية الأساسية سحيقة، ولأن النهج التنظيمي لهذه التكوينات ارتجالي ولأن المقاربة التكوينية المتبعة متجاوزة. تدخل أحد هؤلاء الطلبة خلال الندوة التي عقدت بالمدرسة العليا للأساتذة يوم 2/ 5/ 2014 تحت عنوان “من أجل تأكيد هوية المدارس العليا للأساتذة” فكان من بين ما قاله إنه لا يريد أن تلصق بالأساتذة الجامعيين بالمدارس العليا للأساتذة مسؤولية عطالتهم بعد تخرجهم لأن ظروف التكوين الارتجالية لا تؤهلهم للتدريس، خاصة بالتعليم الخصوصي. وفي الأخير أليس السهر على التعليم الخصوصي الذي ينمو ويترعرع من مسؤولية وزارة التربية الوطنية؟

عبد الله لخلوفي

مركز الدراسات والأبحاث والتقييم للتربية والتكوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!