في الأكشاك هذا الأسبوع
المرحوم الشيخ عبد السلام ياسين، مرشد جماعة العدل و الإحسان

الحـقــيقة الضــــائعة | أيها المفكرون المغاربة عن أي انقلاب عسكري تتحدثون؟

    hakika 05-2014عندما توفي القطب الإسلامي الكبير، الشيخ عبد السلام يس، مرشد جماعة العدل والإحسان، المحظورة، رغم ادعاءات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان(…) لم يعرف المغاربة، باستثناء بعض أعضاء الجماعة، أنه أقيمت له في مختلف المدن التركية، وفي أنقرة وفي اسطنبول، عدة ندوات تأبينية، تدخل فيها أقطاب أتراك، وكأنهم فقدوا واحدا من رموزهم. ودون أن نفهم، وكثيرا ما لا نفهم(…) إلى أن شاهدنا أخيرا.. مع بداية شهر مايو 2014، رئيس الحكومة التركية أردوغان الطيب(…) وهو يرعد ويزبد أمام كاميرات التلفزيون، قائلا: أحضروه لي. وهو يقصد الزعيم التركي الآخر، فتح الله غولان، الذي يحق وصفه بأنه واحد من تلامذة الشيخ المغربي عبد السلام يس.

“غولان”، وحزبه الأصولي الرافض، صورة طبق الأصل لمنظمة العدل والإحسان، لجأ هاربا من محاربة الدولة التركية في عهد العسكر، وفي عهد نفوذ حزب العدالة والتنمية بزعامة الطيب أردوغان، واستقر في الولايات المتحدة الأمريكية بدعم من الأجهزة الأمريكية، واذكروا الوفود الأمريكية التي كانت تزور الشيخ يس، ومنع(…) محاكمة ابنته نادية بتهمة المس بأمن النظام، وربما كان يس بدافع عقائدي يرفض اللجوء إلى أمريكا كما فعل فتح الله غولان، الذي غطى الأقاليم الأمريكية بمدارسه الراقية المشهورة، التي حولها إلى مراكز دينية سياسية، أصبحت أصداؤها تتردد في الأطراف التركية، لتهدد نظام الطيب أردوغان بالسقوط.

وإذا كان يقال، إن الله يخلق من الشبه أربعين، فإنه على مستوى المغرب وتركيا، لم يخلق إلا حزبين متشابهين، لهما اسم واحد، هو العدالة والتنمية.. واحد يحكمه بتركيا، بكل معنى الكلمة، الطيب أردوغان، والثاني في المغرب، يحكمه، شبه حكم(…) عبد الإله بن كيران. أردوغان يحارب حزب فتح الله غولان، الأصولي المتشدد، وبن كيران، لم يعمل شيئا، من أجل فك الخناق عن منظمة الشيخ يس.

وما بينهما(…) هذا السباق(…) بين زعماء الكلام، من مفكرين مغاربة، يكادون يتفقون على اللجوء إلى الأمل(…) في أن يكون الإنقاذ على يد القوة الصامتة الصغيرة(…) «La Petite Muette» متجاهلين دروس الماضي والحاضر التي تجعل التاريخ يعيد نفسه، في كل لحظة وكل حدث.

في 12 دجنبر 2013، عقدت ندوة بالرباط في مؤسسة “هاشويم”، تدخل فيها مفكرون بجانب الباحثين عبد الله حمودي، وحسن أوريد ((محذرين من الاستهانة بالجيش(…) الذي لا يقبل أن يتضعضع الوضع في المغرب بعد احتدام التجاذب بين عقلية الأمير، وعقلية الدولة، وبلوغ النقاش حد التساؤل عما إذا كان الأمر يقتضي البحث عن نموذج لما حصل في تركيا(…) على يد الضابط كمال أتاتورك بعد استفحال ضعف الدولة(…))) (الأسبوع. عدد 30 يناير 2014).

ثلاثة شهور من بعد، وفي سياق استجواب للمفكر المتمرد(…) خالد الجامعي، وهو يرد على من أسماهم “كلاب الكرنة” في موضوع كتاب مولاي هشام، فإذا بالجامعي، هو أيضا، يعود بنا إلى أول السطر(…) ليكتب: ((إن هذا المخزن(…) صار قوة اقتصادية وسياسية قائمة الذات، ولا تريد للوضع أن يتغير، ولو شعر يوما بأن مصالحه مهددة، لقام بانقلاب عسكري(…))) (صحيفة الناس. 30 أبريل 2014).

لست أدري(…) من هو المخطئ.. أولئك الذين تحدثوا عن انقلاب العسكر، لإنقاذ البلاد، أو الجامعي الذي يتحدث عن انقلاب العسكر، لحماية المخزن، وإن كنت لست من الذين يقولون من قال لا أدري، علمه الله ما يدري، لأننا جميعا، كبارا.. ودراري(…) نعرف أنه لا توجد أية نية لاستعمال القوة، من طرف قوم عاجزين فاشلين، ممن لن يكون استعمالهم أو محاولة استعمالهم للقوة(…) إلا من باب المقولة الشعبية: “تحزمت القرعة بالفكوس وقالت لها أجي نقطعوا الواد”.

ونحن الآن، نتتبع الفضيحة التي انفجرت مؤخرا، والزمن لا يرحم(…) في إسبانيا، التي حدث فيها يوم 23 فبراير 1981، أن صعد الكولونيل “طاخيرو” إلى منصة البرلمان، وأعلن الانقلاب العسكري على النظام، ليتدخل الملك خوان كارلوس في نفس المساء على التلفزيون، ويعلن استنكاره للانقلاب، وتوقيف الضباط الانقلابيين، وليحصل على زعامة شعبية من سنة 1981 إلى سنة 2014، لولا أن الصحفية الإسبانية، بيلار أوربانو، أصدرت مؤخرا كتابها “النسيان الكبير” فضحت فيه أن انقلاب الكولونيل طاخيرو، كان باتفاق مع الملك كارلوس، وكانت الغاية منه، التخلص من رئيس الحكومة “سواريس” الذي استقال فعلا تحت تأثير الانقلاب. طبعا، أصدر الديوان الملكي لخوان كارلوس مؤخرا، تكذيبا.. ولكن الإسبان، لا يصدقون إلا الكتاب، وما جاء في الكتاب.

ولنبحث في الكتب، عن تاريخ الانقلابات العسكرية، أسبابها وعواقبها، رغم أن الكتب لم تكتب بعد، عن النموذج الذي يسميه الإخوان المسلمون في مصر بالانقلابي(…) وهم أيضا مخطئون، مادام انتخاب المشير السيسي رئيسا للدولة، إنما هو داخل في مسار الحكم العسكري في مصر، وقد وضع أسسه الغازي الفرنسي نابليون بونابارت وتطور منذ أيام الرجل العظيم، محمد علي، الذي وضع أسس دولته النموذجية (1808-1839) على أربعة قوائم، بقيت راسخة حسب القواعد الهندسية، أربعة قوائم لكل بناء: الجيش، والدبلوماسية، والمخابرات، والقضاء. في اتجاه معاكس تماما لما خطه ورسمه وأقامه الملوك العلويون المغاربة وخاصة انطلاقا من عهد الملك الحسن الأول (1873-1894) والذي منذ أيامه إلى الآن، بنى الدولة، لا على أربعة قوائم كما فعل قبله محمد علي في مصر، وإنما الملوك المغاربة، بنوا كيان الدولة على المخزن، الذي هو الخيمة الكبرى، أفراك، القائمة على عمود، وتد واحد، ينتصب وسط الخيمة، وهو مربوط إلى حبال من كل جهة، يجرها أقطاب القبائل الممسكين بها.. حتى إذا وهن ممسك بالحبل في إحدى الجهات، تم استبداله بمن هو أقوى منه، وأكثر تشبثا، ليبقى الوتد الأساسي، السلطان، هو الركيزة الأساسية لخيمة المخزن، وكان المؤرخ الفرنسي الجاد لتاريخ المغرب، “طيراس” قد كرس هذه الجزئية وكتب: ((لا مخزن بدون قبائل، وبدون ترابط بين القصر والقبائل المرضى عليها(…))) (تاريخ المغرب. هنري طيراس).

بينما الجيش في التاريخ المصري، هو ركن من أركان الدولة، حتى قبل الملك الحسن الأول في المغرب، والجيش في مصر أكبر من الدولة، لدرجة كانت معها الملكية ما بين فؤاد وفاروق، مجرد فترة عابرة، كان الملوك فيها يرتدون البذلة العسكرية، تكريسا للقاعدة التي جعلت فترة الملكية استثناء.

ويشفع لهذا الاختيار الرباعي الأسس في مصر، ذلك الماضي المجيد للمؤسس محمد علي، الذي كان جيشه أقوى جيش في المنطقة، كانت مهمته السياسية، ضرب الحركة الإسلامية الوهابية، التي كانت تنشر العقيدة السعودية، كما هزم الدولة العثمانية، مثلما على الصعيد الدبلوماسي، تحفل التواريخ الفرنسية بأمجاد الدبلوماسية المصرية، خصوصا ((عندما صفع حاكم الجزائر الحسين داي، سنة 1827، قنصلا فرنسيا بنشناته التي يطرد بها الذباب وعجزت فرنسا عن الحصول على اعتذار، فكلفت محمد علي بأن يرد لها الاعتبار)) (محمد علي وأروبا. لجورج كاطاوي).

وكما أن أنصار الرئيس المخلوع مرسي، الذين لم يبق لهم إلا الاعتذار للجيش المصري، بعد أن اكتشفوا أن الجيش المصري لم يطلق رصاصة واحدة ضد الإخوان المسلمين، فإن أخلاق الجيش المصري كانت نموذجية سنة 1952 يوم انقلاب 26 يوليو، حين اصطفت فيالق الجيش لتحية الملك فاروق المخلوع، وعزفوا له الموسيقى وهو يركب باخرته ليغادر البلاد، في احترام كبير، هو وأفراد عائلته، فتلك خصال الجيش المتأصل، خلافا لجيش العراق الانقلابي، عندما أطاح بالملك فيصل وقطع أوصاله إربا إربا، تحت أنظار زعيم الانقلاب، عبد الكريم قاسم الذي كان يصفق فرحا قبل أن يقتل هو أيضا بنفس الطريقة.

أم نذكر، بالمقارنة(…) فضيحة فصيلة من الجيش المغربي، في المحاولة الانقلابية في الصخيرات (10 يوليوز 1971) حيث تنعدم المراجع الأصولية(…) من خلال السرد الذي قدمه أحد المشاركين في المجزرة(…)، كتب في مذكراته ما يثير الاستغراب بدءا من قائد الانقلاب عبابو، الذي ترأس في صفرو أسبوعا من قبل، مأدبة دعا لها فريقا من الطلبة العسكريين الذين سيهاجمون القصر، فقال لهم ستدخلون مستقبلا زاهرا.

ويقول مرافق له، الملازم سعودي، إن المستقبل الزاهر هو كنز علي بابا، لتصبحون جميعا أغنياء.

ويذهب الضابط المشارك، محمد الرايس في الوصف: ((عندما كان عبابو يتفحص عيون الموتى(…) استغل الطلبة المهاجمون الفرصة، فبدؤوا يسلبون نفائس وأموال الموتى، وداس الجنود المأكولات بأقدامهم.

لم يكن المهاجمون مخدرين، أو مشحونين إيديولوجيا(…) وإنما كان لديهم حقد دفين متوارث ضد البورجوازية ورغبة في الانتقام من الدجاج الأبيض(…) لقد انفجر البركان داخلهم، رغم أنهم إلى حدود الصباح كانوا تلامذة مؤدبين، هادئين منصاعين، تحولوا فجأة إلى حيوانات بعيون جاحظة)) (مذكرات محمد الرايس).

فعن أي انقلاب عسكري.. تتحدثون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!