في الأكشاك هذا الأسبوع

الرباط ياحسرة | عندما تطالب الحمير بالمناصب

بقلم. بوشعيب الإدريسي

 

يوم 24 فبراير 2009 ودعت الرباط إلى دار البقاء، وحيد زمانه، علامة، وأديب وصاحب مؤلفات عديدة، وندوات كثيرة حتى فاضت عن حدود المملكة لتروي حقول العلم والمعرفة في أوروبا وآسيا وإفريقيا.

من مواليد سنة 1934 بالرباط، وفي سنة 1946 وهو بن 12 سنة حصل على الشهادة الابتدائية لينخرط ككل الوطنيين في النادي الجراري وعمره لا يتعدى آنذاك 16 سنة، ليتعلم مبادئ العمل الوطني، فتكون ثم تأهل لخوض الجهاد من أجل استقلال المملكة، وتجند للقيام بمهمة التدريس لفائدة أبناء المدينة، وهي مهمة لم تكن إدارية، بل جعلها رسالة وطنية، مسؤول عن غرسها في عقول الناشئة؛ رسالة الجهاد من أجل محو عار الاستعمار، وسحق مخالب الجهل والأمية، إيمانا منه، رحمه الله، بأن الجهاد والجهل والأمية لا يلتقون ولا يتعايشون، فنذر نفسه لإنقاذ أبناء مدينته من الظلمات التي فرضها الاستعمار الغاشم.

وبعد الاستقلال بأربع سنوات، وبعد تأسيس وزارة التعليم وتكلفها بمهام الإنقاذ التي تطوع لها، انسحب من التدريس وعاد إلى قاعات الدراسة في الجامعة سنة 1960، ليتخرج منها بإجازة مستحقة سنة 1963.

وتصوروا وطنيا بإجازة وفي سنة 1963، في الوقت الذي كانت فيه الشهادة الابتدائية كافية للحصول على وظيفة عالية، يرفض الوظيفة المريحة، ويختار العمل في مجلة علمية كانت ساعتها من أهم المراجع الفكرية في العالم العربي وهي مجلة «دعوة الحق»، لم تغوه المناصب والامتيازات والأجر بقدر ما كان مشغولا بتهييء الأرض القاحلة وزرعها ببذور كان يعلم، رحمه الله، بأنها ستتحول إلى بساتين ولو بعد مماته.

وها هي مؤلفاته اليوم تعد من الأعمال الأكاديمية ودراساته مصنفة ضمن المراجع ذات قيمة علمية عالمية، وأبحاثه من الجواهر النفيسة التي تزين اليوم جبين الرباط التي أنجبته فأحبها وخلد لها مجلدات من الإنجازات العلمية من بينها: «موسوعة الرباط في جزأين» والرائعة الفكرية “الماء في الفكر الإسلامي والأدب العربي» في أربعة أجزاء، وقد رصعها بمستملحة هادفة وهو الإنسان المعروف بمستملحاته ومرحه الجاد، وكل أحاديثه فوائد ضاحكة وذات معاني ثاقبة.

وتقول المستملحة التي وقعت وقائعها في البيت الأبيض في واشنطن في فترة الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن، حيث اجتمع عدد من الطامعين في تولي الوزارة، وتضايق منهم الرئيس فحكى لهم القصة التالية: «قال: إن أحد الحكام أراد أن يخرج للصيد، فسأل وزيره عن أحوال الجو، وهل يتوقع أن تمطر السماء في ذلك اليوم، فأجابه الوزير بالنفي، وأكد بأن الجو سوف يكون على ما يرام، فانطلق موكب الحاكم وفي الطريق اعترض الموكب فلاحا يسوق حمارا، ويحذر موكب الحاكم من قرب هطول المطر، لكن الحاكم ورجاله لم يهتموا بقول الفلاح، وحدث أن المناخ تغير وأخذ المطر في النزول، واضطر الموكب إلى العودة، وهنا استدعى الحاكم صاحب الحمار وقال له: كيف عرفت أن المطر سوف يهطل، قال: لست أنا الذي عرف ذلك وإنما حماري فعندما يشم رائحة المطر يرفع بأذنيه إلى فوق، فقال الحاكم: علي بهذا الحمار وعيَّنه وزيرا بدلا من الوزير المسؤول عن أحوال الجو. وهنا علق أبراهام لنكولن قائلا: لكن ذلك الحاكم اقترف بذلك خطأ كبيرا فقال له أحد السياسيين: لماذا أخطأ؟ قال لأنه منذ ذلك اليوم والحمير تطالب بالمناصب».

هذه المستملحة مقتطفة من رائعة «الماء في الفكر الإسلامي والأدب العربي» لمؤلفه وصاحب هذا الحديث الرباطي العلامة محمد بن عبد العزيز بنعبد الله، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!