في الأكشاك هذا الأسبوع
محاكمة المتورطين في انقلاب الصخيرات

“الأسبوع” تنفرد بنشر وثائق عالمية عن ماضي ومستقبل المغرب

بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

zakiالملك أمام ما هو أخطر من الانقلاب .. وهو التفكك الحزبي

 يعتبر انقلابا 1971 و1972 من الهزات العنيفة التي تعرض لها المغرب على عهد الملك الحسن الثاني، أو لنقل من المنعطفات الكبرى التي أدت إلى دخول الحسن الثاني في علاقة جديدة مع الجيش والأحزاب السياسية. غير أن ما نعرفه عن هذين الانقلابين نادر، من حيث معرفة الأسباب والأحداث والنتائج بالأساس. وإذا كان الأرشيف هو أساس استجلاء علمي لأسباب الأحداث التاريخية الكبرى في بلد ما، فإن أرشيف الجيش المغربي غير مفتوح والوزارات المعنية كذلك. إلا أن هذا لا يمنع من وجود أرشيفات بعض الدول العظمى التي كانت تتحكم في مصير العالم وما زالت، ومنها أرشيف الولايات المتحدة الأمريكية. ومن المهم معرفة كيف نظرت أمريكا إلى هذه المحاولة الانقلابية انطلاقا من أرشيفها، وكيف توقعت مستقبل المغرب بعد ذلك.

وهذه الوثيقة من أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية، مؤرخة بـ 15 يوليوز 1971، رفع عنها طابع السرية يوم 6 شتنبر 2007. وهي عبارة عن تقرير أصدره  «Bureau of intelligence and Research». تحمل عنوان: “المغرب: الملك الحسن الثاني، جيشه، ومستقبله”. وتتكون من أربع صفحات تضم مقدمة وأربعة محاور.

تبدأ المقدمة باعتبار أن المحاولة الانقلابية التي وقعت في العاشر من يوليوز من طرف ضباط الجيش الملكي ضد الملك، أسفرت عن مذبحة حقيقية، بين أفراد الجيش وحدهم وأنها قمعت وانتهت، كما اعتبرت أن جل التفاصيل ما تزال غامضة حول ما وقع.

وقد كان الملك الحسن الثاني ينظر إلى الجيش على أنه مثالي ومخلص، ولم يكن يتوانى في العديد من المناسبات في الإشادة به، حيث جاء في الخطاب الملكي للذكرى العاشرة لتأسيس القوات المسلحة الملكية بتاريخ 15 مارس 1966: ((ونظرا للخصال الجيدة التي يتوفر عليها جيشنا، فقد أسندنا إلى بعضهم مهمة المشاركة العملية في البلاد، سواء في نطاق المهام الوزارية والإقليمية أو بوصفهم رجال السلطة في الأوساط الحضرية والقروية على السواء، وقد شارك جيشنا مشاركة فعالة في تكوين وإعداد أعوان السلطة التابعة لوزارة الداخلية)).

وتشير الوثيقة بأن أهم شيء هو أن هذه المحاولة الانقلابية تبقى نقطة مهمة في مرحلة حكم هذا الملك، إذ اعتبرت أنها غيرت علاقة ونظرة الملك محوريا للجيش الذي كان يعتبر مخلصا، وتشير الوثيقة إلى أنه رغم أن الملك في مأمن بعد الانقلاب، إلا أنه أصبح يحس بخطر أكبر من ذي قبل، من طرف القاعدة العسكرية من جهة، والتذمر الشعبي من جهة أخرى. وبصريح العبارة أصبح الملك وحيدا.

نهاية أسطورة ولاء الجيش للملك

 هكذا عنونت الفقرة الأولى من الوثيقة، حيث اعتبرت أن القيادة العسكرية العليا قد تمزقت وتشتت ما بين ثوار ومناصرين، إذ أشارت إلى أن تسعة من أصل ستة عشر جنرالا في المغرب قضوا أثناء الانقلاب، أو أعدموا بعده، وهو ما لا يحصل حتى في حالة حرب طاحنة بين دولتين أو أكثر، إضافة إلى عدد كبير من الكولونيلات والضباط من درجات أقل.

ولا تعتبر الوثيقة أن عدد قتلى ضباط الجيش أساسي بالمقارنة مع القتيل الأكبر خلال هذه المحاولة الانقلابية وهو موت فكرة “ولاء الجيش اللامشروط للملكية“. وتشير إلى أنه على الرغم من ذلك فإن الملك الحسن الثاني المؤسس، والقائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، والقائد الأعلى لأركان الحرب العامة تلقن الدرس، وفهم أنه لا غنى عن الجيش كدرع واق من الهزات الداخلية. إذ رغم ما أثارته هذه المحاولة الانقلابية من شكوك في مدى إخلاص الجيش للملك، فقد أعلن هذا الأخير في خطابه الذي تلى الانقلاب أن الجيش ما يزال “طاهرا ووفيا”، معتبرا أن الذين نفذوا الانقلاب شرذمة من المتآمرين.

وتشير الوثيقة إلى أن الجنرالين محمد أوفقير وإدريس بن عمر قادا حملة تطهير في حق الضباط المشكوك في انتمائهم إلى الانقلابيين، ورغم هذه الحملة فإن فكرة الولاء اللامشروط للجيش انتهت حسب الوثيقة. وتشير إلى أمر آخر أساسي وهو أن حملة التطهير التي قام بها أوفقير وإدريس بن عمر زرعت في صفوف ضباط الجيش رغبة في الأخذ بالثأر وخصوصا وسط  “الضباط الأمازيغ” الذين تعرضوا للقمع بشكل كبير، حيث كانت المحاولة الانقلابية في مجملها يقودها ضباط أمازيغ بالأساس، والأهم من ذلك أن من أشرف على تصفية قياد المحاولة هم أيضا ضباط أمازيغ، وبهذا يكون الإخوة قد قاتلوا بعضهم البعض وهو ما خلف تذمرا وربما رغبة في الأخذ بالثأر.

وتشير الوثيقة إلى أمر مهم وهو أن الفراغ في المناصب العليا من جراء المذبحة في صفوف كبار ضباط الجيش، جعل ضرورة ترقية ضباط آخرين أمرا حتميا ومؤكدا، لكن المشكل يكمن في عدم التأكد من مدى إخلاص هذه الفئة الجديدة التي ستحل محل سابقتها.

نمو النفوذ الجيش

 بخصوص هذا المحور تشير الوثيقة إلى أن دوافع المحاولة الانقلابية تبقى غامضة، إلا أن دافع استياء العسكر كان واضحا وضوح الوشم في اليد، حيث كانت بداية التذمر والاستياء أولا نتيجة إنهاء حالة الاستثناء التي دامت خمس سنوات، والتي كان الحسن الثاني قد أعلن عنها في 7 يونيو 1965 وانتهت في 7 يوليوز 1970. وتشير الوثيقة إلى أن هذه الخطوة لقيت استياء داخل أوساط الجيش والشرطة على حد سواء، حيث كانت أياديهم ممدودة في هذه المرحلة على كل شيء، وهو ما سمح بنمو نفوذهم وانتفاعهم منها بشكل كبير نتيجة ما كانوا يتمتعون به من سلطات كبيرة. وقد كان نهاية حالة الاستثناء بمثابة ضربة قوية لهم، وذلك على الرغم من أنهم منحوا دورا في مراقبة وتسيير الانتخابات التي أجريت في شهر غشت من سنة 1970، وتولي أوفقير بنفسه إعادة تنظيم الحياة الحزبية، ومراقبة المشهد السياسي ليكون كما تمناه الملك.

وهناك دافع ثان لاستياء الجيش وهو سياسة الملك تجاه الجزائر حيث أن سياسته بالنسبة لهم تعتبر بمثابة استسلام ظاهري للجزائر، بخصوص مشكل الحدود. ثم الدافع الثالث وهو الفساد الواضح في صفوف الوزراء والمسؤولين المدنيين، ولعل آخر وأوضح فضيحة بخصوص الفساد كانت فضيحة أبريل سنة 1971 التي جعلت الملك يقيل أربعة وزراء وهم محمد الجعيدي وزير التجارة، وعبد الحميد كريم وزير السياحة، ومأمون الطاهري وزير التربية الوطنية، وعبد الكريم الأزرق وزير المالية، وعدة مسؤولين مدنيين، كما قام بتأجيل زيارته للولايات المتحدة الأمريكية.

ومن ناحية أخرى، تشير الوثيقة إلى أن الضباط الأوفياء الذين أصبح الملك مرتبطا بهم أكثر من ذي قبل، مثل الجنرال أوفقير، تكونت لديهم كراهية فطرية تجاه النظام السياسي القائم، حيث كانوا يرون أن الأحزاب السياسية غوغائيين بصفة جوهرية، ولا يجيدون شيئا غير الكلام. كما يرون أن المسؤولين المدنيين فاسدين ومرتشين وغير أكفاء للرفع من معنويات الجيش، حيث كان مسؤولو الجيش قد طالبوا في الأشهر السابقة بترقيات سريعة وزيادة في الأسلحة. وأمام تنامي نفوذ الجيش إبان مرحلة حالة الاستثناء، فقد استغلوا وضعيتهم الجديدة للضغط على الملك من أجل مراجعة مسألة القواعد الأمريكية بالقنيطرة، واقتراح مقابل بقاء الأمريكان تزويدهم بأسلحة أكثر.

مأزق الحسن الثاني الطويل الأمد: تعديل ميزان سياسي

     تشير الوثيقة إلى أن الملك مسؤول عن مأزقه الذي وقع فيه حاليا، وذلك نتيجة اعتماده الكبير على مؤسسته العسكرية. وتسترسل الوثيقة في كيفية وقوع الملك في هذا المأزق، حيث أنه منذ أن اعتلى العرش سنة 1961 قام بتركيز ظاهري لجميع السلطات بيده، وهو ما أدى إلى تدمير ميزان القوى السياسية. وتشير الوثيقة إلى أن الأحزاب تآكلت في هذه المرحلة، وكذلك النقابات العمالية وغيرها من القوى المدنية. وهو ما ترك الملك وحده فعليا أمام الجيش، الأمر الذي سمح بتنامي قوة الجيش خلال هذه المرحلة.

وتشير إلى أن الاعتماد على قوات الأمن لقمع السخط الشعبي، من أجل احتواء كل اضطراب وارد، ساهم كذلك في تعميق الاستياء العام وسط الأحزاب والنقابات والشعب بصفة عامة، وكذلك تجاهله عدم رضا الضباط العسكريين على سياسة ومسار الأحداث الوطنية، الأمر الذي الملك في موقف ضعف أكبر وأصبح بذلك عرضة لبعض ردود الأفعال من لدن رجال الجيش وخير مثال على ذلك ما حدث يوم 10 يوليوز.

وحسب الوثيقة، فإن الملك على الرغم من ورطته مع الجيش فإنه سعى للحصول على الدعم الكافي منه مرة أخرى في أعقاب الانقلاب وذلك عن طريق ضرب وحدات الجيش والأمن بعضها ببعض، وكذلك الأمر بالنسبة للدرك الملكي، والقوات المساعدة. و تختم الوثيقة باعتبار أن الملك مرغم على تغيير سياسته الاستبدادية، وعليه فتح المجال للقوى السياسية من أحزاب ونقابات بأن تتطور وتصبح قوة معارضة، وتختتم الوثيقة بالإشارة إلى اعتبار أن الملك في خطر كبير أكثر من أي وقت آخر، لأنه في ورطة حقيقية نظرا للمواجهة مع الجيش، وضعف الأحزاب السياسية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!