في الأكشاك هذا الأسبوع
تأثر الملك الحسن الثاني بحضور عبد الرحيم بوعبيد في الضريح، فأعلن قرار إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين بمراكش.

الحـقــيقة الضــــائعة | “الحكومة التي تشبه هيضورة الهداوي”

   hakika 05-2014   جمع الملك الحسن الثاني يوما عمال الأقاليم، وكان الجنرال أوفقير، وزيرا للداخلية، فقال لهم: ((لا أريد منكم أن تصبحوا قهوايجيا في خدمة الوزراء، لأنه باستطاعتي أن أغيركم متى أشاء)).

والحقيقة، أن المتعمق في الوضعية الحكومية في المغرب أيام الحسن الثاني يرى أنها كانت كارثية، خلافا للصورة البراقة التي كانت تقدمها صحف النظام، وخاصة “لوماتان”، التي كان مولاي أحمد العلوي، يكتب فيها افتتاحية كل يوم(…)، وقارنوا ذلك الزمان بحاضرنا، حيث لا يتواجد في الدولة كلها(…) رجل قادر على كتابة عمود، ولو مرة في السنة.

ومن الأسرار التي كشفتها بعض المذكرات المنشورة، أن الوزراء وقتها، كانوا أكثر جرأة من وزرائنا الآن.

تصوروا عندما شكل كريم العمراني، إحدى وزاراته استقبل الملك الحسن الثاني، صديقه ومستشاره عبد الهادي بوطالب، الذي لم يذكر في مذكراته، أنه قال للملك عن وزارة كريم العمراني، وكان فيها امحمد باحنيني وزيرا للعدل، ومحمد بنبوشتة، وزيرا للداخلية، والمعطي جوريو وزيرا للفلاحة، وعبد القادر الصحراوي وزيرا للإعلام، وقد وصفته جريدة “الأسبوع” وقتها، بعد أن ترك حزب الاتحاد الوطني، وفضل الوزارة، فقالت عنه “الأسبوع”: الوزير الذي طالب في البرلمان: الشعب يريد الخبز يا مولاي، وعندما أصبح وزيرا للإعلام، أكل كعب الغزال وسكت.

حكومة العمراني كان فيها محمد البرنوصي وزيرا للأشغال العمومية، وأرسلان الجديدي، المشهور بحكاية “صيفطني صاحب الجلالة”، وعندما استقبل الملك، عبد الهادي بوطالب، ليسأله عن رفضه المشاركة في الحكومة، قال له بوطالب: ((إنه لم يسبق في تاريخ القصور الملكية يا مولاي، أن ضمت الحكومة، صعلوكا ونصابا ووزيرا)) ليرد عليه الحسن الثاني، وهو في إيفران: ((كنت أتمنى أن تكون الحكومة، غير شبيهة بهيضورة الهداوي المرقعة بأطراف الخيش الملونة)).

المحجوبي أحرضان، الذي عاش هذه الأحداث، وروى عنها، يقول أنه من غرائب الزمن، أن هذا التصريح الملكي عن الحكومة الهيدورة(…) صادف أن قدم الممثل الطيب الصديقي، في مسرح الدار البيضاء رواية بعنوان: “موت الشيخ سيدي يس(…)” القطب العظيم، الذي مات نتيجة توقف حبة حمص في حلقه.

يخيل إلينا، أن الذي أوحى بدستور 2011، حيث الحكومة تعين من طرف الأغلبية، استفاد من دروس معاناة الحسن الثاني، مع هذه الحكومة التي بعدما تعمق في مشاكلها يوما قال: ((قولوا لي بصراحة، إن الدولة أفلست)).

وعندما عرف الملك أن حكومته مفلسة، فإن المصير القبيح كان هو انقلاب الصخيرات، وكان أغلب المتعاملين مع الدولة، ينتظرون ذلك المصير الدموي، الحتمي(…) كما يظهر مما نقل عن مناقشات المقربين والوزراء.

في نقاش بين وزيرين، لم يكونا يضعان لسانهما في جيبهما(…)، أحدهما كان المعطي جوريو، الكاتب العام لوزارة الداخلية وكان أقوى من وزير، واعرف من غيره، وهو يقول لمخاطبه المحجوبي أحرضان: ((لكنه الآن، بدأ العد العكسي(…) والطوفان يتوعدنا نتيجة تصرفات المسؤولين الذين يتصورون أنهم يحلون مشاكلهم بإغراقها في بحر الكذب)) ليجيبه أحرضان، وتمعنوا قليلا في جوابه: ((كيف تريد، أن يعرف الملك شيئا، وهو غارق في برقياتكم المصنوعة(…) طول السنة، والولاء اللفظي(…) والمواكب والرقصات والأغاني والهتافات، والخيام والفنطازيات والجماهير المتراصة، والروابي المغطاة بالمصفقين، إنكم لم تتركوا للملك فرصة لمعرفة الحقيقة ولا المراجع، لقد انتزعتم منه وسائل الاطلاع على الحقيقة)) (مذكرات أحرضان).

هذا.. يا حسرة، ما قيل في حق الملك الحسن الثاني، الذي ربما لم يعط التاريخ للمغاربة، ملكا أذكى منه وأبلغ حسا.. ولكنه رغم ذلك، خلف لنا من الكلام ما جعله يعترف، بأن الدولة أنهكته، أو بصيغة أخرى، أن مناورات المحيطين به، كانت أقوى منه.

تصوروا هذه الحادثة التي كشفت ضعف الحسن الثاني مرة، وهو يقرأ مقالا في جريدة الإيكسبريس الفرنسية، بقلم الصحفي “بيير دوبلي” وقد عنون مقاله عن المغرب: “قبل أن يغرق الشعب”.

ومباشرة بعد هذا المقال، كان الحسن الثاني يترأس في ضريح محمد الخامس، حفلا دينيا معتادا، حينما انحنى عليه أحد الحجاب، وقال له: مولاي، إن الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد، حاضر في الضريح.. وكان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بقيادة بوعبيد في أوج عظمة المعارضة يا حسرة، وكانت أحداث مراكش الدموية، قد انتهت بأحكام في منتهى القسوة في حق اتحاديي مراكش، ليصحى الحسن الثاني من ليلته الدينية، متأثرا بحضور عبد الرحيم بوعبيد، ويصدر بيانا بنفس المناسبة يعلن فيه قرار إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين بمراكش، نتيجة فقط لحضور عبد الرحيم بوعبيد في الضريح.

لم يتوقف الحسن الثاني، عند نقطة الضعف(…) هاته، وأياما من بعد سافر في 1971 إلى أكادير، وفي عز الاحتفالات يعلن الحسن الثاني، أنه قرر إطلاق سراح المقاوم الكبير “سعيد بونعيلات”، وعندما ركب في السيارة وبجانبه الجنرال أوفقير يقول: لقد قررت إطلاق بونعيلات لأني وصلت إلى بلده بسوس(…)، تكريما لسواسا المقربين إليه جميعا، ولكني أرجوكم أن تبلغوا رغبتي لبونعيلات ألا يعلن انتماءه لحزب الاتحاد، وذلك ما حصل منذ ذلك الزمان إلى الآن.

لقد كان للحسن الثاني حسابه الشخصي مع الاتحاديين خصوصا عندما تحالفوا مع حزب الاستقلال، وحزب علي يعطة، والاتحاد المغربي للشغل بقيادة المحجوب بن الصديق، وأسسوا “الكتلة الوطنية” التي كانت أقوى حركة سياسية في تاريخ المغرب، ليشهد هذا التاريخ أن الحسن الثاني كان أقوى من الكتلة، وابحثوا معي هذه الأيام، عن بقاياها، فلن تجدوا أثرا لها.

ولعل أول ممارسة لسياسة الملوك، فرق تسد(…) كانت بدأت تسجل انتصاراتها، عندما استقبل الحسن الثاني، زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي، الذي وقع تحت إغراء الحسن الثاني، الذي حكى بحضور مجموعة من الشهود، إن علال الفاسي قال لي: “إني لا أحب السخونة كثيرا ولا البرودة كثيرا.. إني أفضل الوقوف بباب الحمام”، وأضاف الحسن الثاني لمحاوريه: لقد أعطيت الأوامر لتسجيل كل محادثاتهم(…) فإن المسؤولين عن الكتلة، يخافون من تحمل المسؤولية، بينما حكى أن عبد الرحيم بوعبيد قال له: إني أدير ظهري لعشر سنوات من عهود التحرر الاقتصادي.

حاضر سأل الملك الحسن عن رأيه في رئيس الكتلة عبد الله إبراهيم، فقال لهم: إنه إنسان نزل لتوه من القمر، (التصريحات كلها واردة في مذكرات أحرضان الذي حضر أغلب هذه الأحداث).

فترة غنية في تاريخ الملكية بالمغرب، حيث يلعب الملك الحسن الثاني بدهاء، ورقة البقاء، رغم أن المحسوبين على الملك، من وزرائه وأصدقائه، أصبحوا يحاولون تشكيل قوة(…) كما هو الوضع الآن(…) لأن الطغيان، ينطلق من شعور المقربين(…) بأنهم أصبحوا القوة الوحيدة الحامية للملك.. الذي يتحتم عليه أن يخضع لنفوذهم، وتلك طبيعة الحكم، من عهد نيرون إلى عهود بن كيران.. وبن جلون.

فقد أطلق المستشار الفصيح للحسن الثاني، أحمد بنسودة مرة تصريحا جانبيا في البرلمان الذي كان يرأسه صديقه عبد الهادي بوطالب، وقال: إن الملك معنا. ولم يفهم أحد وقتها ماذا يعنيه بنسودة، إلا عندما كان الملك الحسن مجتمعا في قصر الصخيرات، مع الوزير الأول، أحمد العراقي، الذي أعجبه الحال، ورفع صوته متذمرا: ((مولاي.. إني في حرب ضد الحكومة، ضد الرأي العام، الذي أعرف كيف أتعامل معه، أما البرلمان فهو برلماني(…) وهو ضدي، ليثير غضب الملك، بحضور الجنرال مولاي حفيظ ووزير التعليم أحمد العسكي، ويقول الحسن الثاني غاضبا: إن الوزراء وزرائي أنا، والبرلمان برلماني أنا، فهل تريدني أن أتحارب مع من أعتبرهم قميصي وجزءا مني)).

ليخلد “العسكي” تصريحا قاله بصوت مرتفع، ولا زال مولاي أحمد العراقي حيا بارك الله في عمره، ويمكنه أن يكذب هذه الواقعة، ونحن مستعدون لنشر بيانه، حينما قال العسكي: إنك مجنون حينما تقول أن البرلمان برلماني، إلا إذا كنت تريد من الملك أن يغلق هذا البرلمان، أعرف أنك عصبي منذ أن تم اعتقال وزرائك الأربعة.

أحرضان، الذي كان بدوره يعاني من قوة حكومة العراقي، لخص الوضع في المغرب، قديما وحديثا(…) بأن الأمر، كان ولازال(…) يجعل المغاربة أشباها للأسطورة المعروفة عن الأيتام الذين كانوا متحلقين حول الجدة التي وضعت أحجارا في الطنجرة، وأوقدت حولها النيران لتوهم الأطفال بأنها تطبخ لهم العشاء، وهي تقول لهم: نعسوا نعسوا يا وليداتي حتى يطيب عشاكم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!