في الأكشاك هذا الأسبوع

عندما يتحول “الكراب” إلى “بابا نويل”

          بابتسامة عريضة يقف محمد الدريسي على جانب الطريق وينتظر كثيرًا ليطلب منه أحد شربة ماء مقابل درهم أو درهمين.. ويقول: «في السابق كانت لنا قيمة أفضل، الآن ننتظر السائحين لالتقاط الصور».. فـ«السقّاء» في المغرب «ماماتش.. لكن يشتغل مصوّر»

الرجل يثير بملابسه الزاهية انتباه المارة في كثير من المدن المغربية التاريخية خصوصا في الأجزاء العتيقة منها، مثلا في فاس ومراكش وطنجة أو مكناس، وينتقل إلى أذن السامع رنين الأوعية والأكواب النحاسية المعلقة على ملابسه، حيث يتردد رنينها لجلب انتباه العطاشى من بين المارة، خاصة في أيام الحر القائظة.

كثيرًا ما يتشابه مظهر اﻠﯕراب في مختلف المدن التاريخية المغربية، فلباسه مزركش باللون الأحمر وسرواله قصير، كما يضع على رأسه طربوشا دائري الشكل يسمى «تارازا» يقي من حرارة أشعة الشمس، ويعلق على كتفه القربة المملوءة بالماء البارد، وهي من جلد الماعز، ويضع من حولها مجموعة من الأكواب النحاسية، ولا تكتمل الصورة من دون الجرس النحاسي الذي تضعف أو تشتد رناته، حسب مستوى الضوضاء في الشوارع والساحات.

يقول «الدريسي» المزاول لهذه المهنة منذ 44 سنة في حديثه مع «دويتشه فيله عربية» بنبرة واثقة ونظرة ثاقبة ممزوجة بالحنين للماضي والخوف من المستقبل: «مهنة اﻠﯕراب تفتقد لأناسها الحقيقيين، نحن نفتقد للتشجيع، لقد جبت كل مدن المغرب والآن استقر بي الحال في مكناس، بالأمس كانت مهنة مطلوبة جدا، قبل أن يتم تزويد جميع المنازل بمياه الحنفيات وبيع قنينات الماء المعدنية في المحلات».

ويضيف «الدريسي» المتقدم في السن قائلا: «في السابق كانت لنا قيمة أفضل.. أما اليوم فالزبائن في الغالب من جيل الأمس، ولكن الرزق بيد الله».

في مدينة سطات، تحترف إحدى السيدات مهنة بيع الماء لسد رمق عيشها وهي في 48 من العمر. بانسياب وسلاسة متناغمين ممزوجين بابتسامة ساحرة تنادي على المارة: «الماء! الله كريم ويحن»، «الله يسهل عليك أمرك يا مرضية»، «ينوب ينوب» بحثا عن زبائن يمنحونها بعض الدراهم مقابل شربة ماء في إناء نحاسي.

وتؤكد «الكرابة» قائلة: «اخترت هذه المهنة لسماع جملة أحبها كثيرا وهي (الله يرحم الوالدين)».

يرى الشاب المغربي معاذ كنينيس أن «مهنة الكراب تحولت من مهنة يعيش أصحابها على صدقات الآخرين إلى ديكور للفضاءات السياحية، كما يستخدمها بعضهم كطريقة للتسول تحت غطاء تقديم الماء»، كما يعتقد «أن هذه المهنة في طريقها للزوال، عدا الوجود الرمزي في المدن السياحية والعتيقة».

أما الشاب منصف بنقطيب فيعزو تلاشي مهنة «الكراب» إلى «الثمن البخس لقنينات الماء وبسبب الخوف من انتقال الأمراض المعدية عند استخدام أكواب الساقي. ولهذا تجد الكراب يتجه الى حيث يوجد السائحون الأجانب، الذين يلتقطون صورا لهم مقابل بعض الدراهم».

المصري اليوم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!