في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما قال قاضي الأسبوع : الناس مقامات

عندما قال قاضي الأسبوع : الناس مقامات

بقلم. مصطفى العلوي

علوي قبلي، وابن الطيب مثلي، القاضي الكبير، المرحوم سيدي محمد بن الطيب العلوي، نذر أيامه الأخيرة، للرد على حكم ظالم صدر في حقه، وألف في شأنه كتابا اسمه: ((الرد النفيس على الحكم الخسيس)) وإن كانت مقتضيات هذا الحكم ومساطره خليطة ما بين قانون الاستعمار، وقانون ما بعد الاستقلال، إلا أنه تبين لي وعلى هامش الحكم الذي صدر على جريدة الأسبوع في شهر نونبر الجاري أن مشكلة الصحافة والقضاء، هي أيضا ضحية تجذر العقلية القديمة(…) في عقول قضاة العهود الحاضرة.

وقد اقتنعت وأنا أتتبع بمقتضى ممارستي الصحفية لا غير، الجلسات المطولة لهذه القضية التي رفعها إدريس بنهيمة، باسمه الخاص، وعنوانه الخاص كلم 5 شارع محمد السادس، لا مدير ولا ابن وزير، إذن كمواطن عادي.. اشتكى من جريدة الأسبوع، أنها نقلت من كتاب “الإسلاميون” للكاتب الفرنسي كراسي، بأن بنهيمة، وخلال اجتماع له مع خريجي مدرسة البوليتكنيك بباريس، حذرهم من الخطر الإسلامي القادم، علما بأن الكتاب نشر سنة 2006.. وأن السي بنهيمة، لم يرفع ضده احتجاجا ولا نشر تكذيبا، إلا بعد ما نشرت الأسبوع سنة 2013 هذا النقل من الكتاب، كما نشرت صورة لإقدام جلالة الملك محمد السادس، على تعيين السيدة امنصار والية على إحدى جهات الدار البيضاء، بعد أن أبعدت من إدارة الوكالة الحضرية، أيام كان بنهيمة واليا على الدار البيضاء، ولذلك وفي إطار التعليق الصحفي الحر(…) وبعد أن نشرت الصحف لها صورة بجانب العاهل، فإن الأسبوع كتبت أنها الصورة التي ستغضب بنهيمة أو أغضبت بنهيمة.

هذه هي الجريمة الصحفية التي ارتكبتها الأسبوع(…)، وكنا مطمئنين إلى أن القاضي لن يذهب أبعد من النصح بالتصالح بين الطرفين وذلك ما فعله القاضي مادام ما قرأتموه لا يتضمن قذفا ولا سبا ولا تلميحا إلى ما قاله في حقه الكثير، خصوصا بعد أن تحلى بخصال الصحابة والصالحين، وقال مرة: إن كل من يدخل قاعة هذه المحكمة، يصبح سواسية مع كل الناس.

حصل لنا اطمئنان وقتها(…) بأن هذا القاضي يحفظ كلام الموطأ للإمام مالك، عن اليهودي الذي حكم له الخليفة عمر بن الخطاب، فقال اليهودي: ((ليس هناك قاض يقضي بالحق، إلا كان عن يمينه مَلَك وعن شماله مَلَك، يسددانه، ويوفقانه للحق مادام مع الحق، فإذا ترك الحق عرجا وتركاه)).

وابتدأت الجلسات، بطعن محامي الأسبوع، الأستاذ عبد الواحد بنمسعود بعدم شرعية الاستدعاء الموجه للأسبوع، لأنه صادر عن كتابة الضبط، بينما يقول قانون الصحف (الفصل 72) إنه يجب أن يكون الاستدعاء صادرا عن النيابة العامة، ليبطل الاستيناف أو المجلس الأعلى، كل الأحكام الصادرة بمقتضى استدعاء لا يوجهه وكيل الملك.

وقدم محامي الأسبوع، لسعادة القاضي، أحكاما صادرة عن هيآت أعلى من المحكمة الابتدائية، رفضت كل استدعاء من كتابة الضبط، تصوروا محامي بنهيمة لم يفطن لهذه الجزئية:

* حكم المجلس الأعلى 1269/10 في ملف صحفي يبطل الحكم ويقول ((إن الاستدعاء الموجه من طرف كتابة الضبط وليس من السيد وكيل الملك، يعتبر جوابا فاسدا(…) وتحريفا)).

* وحكم محكمة الاستيناف رقم 2460/2009/20 في ملف صحفي ((وإلغاء الحكم المستأنف والحكم بعدم قبول الشكاية)).

* وفي حكم صادر عن المجلس الأعلى في قضية الصحافة 24/6/2009 القرار 944/10 الذي يقول: ((وحيث أن الاستدعاء عن طريق كتابة الضبط يعتبر باطلا لكون هذا الأخير لا يخوله القانون استدعاء الأطراف)).

وسكت محامي بنهيمة، ولا يوجد في ملف القضية جواب مكتوب عنه للرد على هذه الدفوعات، واكتفى الأستاذ بالصمت بعد أن غطت على ملامحه مسحة من فقدان الأمل في كسب القضية، لتأتي عطلة طويلة، العطلة القضائية حيث يذهب القضاة للتجوال والفسحة(…) وتستأنف الجلسات، ليدخل محامي بنهيمة ضاحكا منشرحا(…) تظهر ملامحه، أن العطلة كانت فرصة للتأكد من ضخامة خطأ توجيه الاستدعاء، عن طريق كتابة الضبط.

وكان المنطق وسلامة مهنة القاضي، مفترضا فيهما، أن القاضي إذا كان يعرف أن تطويل المحكمة وشغل النيابة العامة ومكاتب محاضر الجلسة، وإصدار الحكم وتحريره، والقاضي يعرف أنه مبني على الباطل، وكل ما بني على الباطل باطل، إلا أنه يظهر أن تلك العطلة، جعلت سعادة القاضي يتشبث بالحكم في القضية(…) ودون صدور حكم جانبي يبرر رفض دفوعات محامي الأسبوع ببطلان الاستدعاء(…) خصوصا عندما قال محامي الأسبوع لمحامي بنهيمة، طلبتم مائة مليون، ولم تبرروا لنا الأضرار التي تبرر هذا القدر، فيجيبه محامي بنهيمة بكل بساطة: هل تريدون أن أذهب عند طبيب نفساني(…).

وطبعا طلبت الأسبوع استدعاء بنهيمة، والوالية امنصار للشهادة.. وهو الموضوع الذي لم يثر من بعد، ولم يحصل تبرير أسباب عدم توجيه الاستدعاء، بينما الجاري به العمل وفي جميع القضايا الصحافية أو الجنائية أو التجارية، أن يكون استدعاء الشهود أساسا لقبول إدراج القضية أمام أية محكمة، وقد حكم المجلس الأعلى برفض الحكم الذي صدر على الأسبوع في الدعوى التي رفعها ضده وزير الخارجية وسفير المغرب في ليبيا، القضية التي عرضت بعد سقوط القذافي وتمزيق أطراف جسمه، ولكن المجلس الأعلى أبطل الحكم، لأنه لم يتم استدعاء الشهود..

وكانت الجلسات التالية، وسنعمل على الحصول على محاضرها عندما نادى القاضي على مديرة نشر الأسبوع، وكان محامي بنهيمة قد قال إن أم بنهيمة فرنسية، ورغم ذلك رفض الباسبور الفرنسي، وإن جد بنهيمة كان وزيرا في عهد السلطان مولاي عبد الرحمن.

لتتزعزع أجنحة الملائكة الذين قال عنهم اليهودي إنهم يرشدون القاضي عمر بن الخطاب، وتظهر ملامح الاتجاه المعاكس الذي حصل أثناء العطلة القضائية.

ومرت المحكمة مرور الكرام، أثناء محاكمة جانبية لمدير صحيفة أخرى كتب أن إماما في سلا سرق مليار ونصف مليار، وجاء محامي الإمام ليدفع هذا الاتهام ليتدخل مدير اليومية، بروح صحافية عالية(…) ويقول: سيدي الرئيس، لقد نشرنا ذلك الخبر في الصفحة الأولى حتى لا يطلع عليه أحد(…)، ويتفرغ القاضي لما هو أهم، جريدة الأسبوع، التي نقلت عن بنهيمة فقرة نشرت في كتاب قرأه كل المغاربة ولم تتهمه لا بسرقة مليار ولا بسرقة كبش، ورغم أن وكيل الملك بالجلسة قال: إن ناقل الكفر ليس بكافر. فإن القاضي يقول لمديرة الأسبوع، أنت تعرفين أن الناس مقامات(…) في تناقض مع القاضي الآخر الذي قال إن الذي يدخل هذه القاعة يبقى سواسية مع الآخرين.

الناس مقامات، وليته توقف عند هذا التعبير المخالف للقانون، لأن الناس لا يقفون أمام القضاء مقامات، وليت القاضي توقف عند هذا التصريح، فذات صباح تحول إلى قاض للشرطة القضائية ووضع على الصحفية هذه الأسئلة:

((ما هي حيثيات هذا الخبر؟ هل قرأت الكتاب؟ لا يوجد اسم الصحفي كاتب الخبر أمامي!! الخبر غير موقع!! إذن أنت تتحملين مسؤولية الخبر.. هل تقرئين كل الأخبار؟ هل قرأت الفقرات التي تمت ترجمتها؟ هل تعقدين اجتماعات لهيأة التحرير؟.. احكي لنا ما دار في هذا الاجتماع!! السيد بنهيمة(…) يعتبر المقال عبارات قذف في حقه، الكتاب صدر سنة 2006، فلماذا ترجمتموه سنة 2013.

قلت إن بنهيمة حذر من الخطر الإسلامي وهو المغربي المسلم مسا بعقيدته(…) ووطنيته.. السيد بنهيمة شخصية مهمة بحكم المناصب الوزارية التي شغلها، ومن عائلة كبيرة، كتبتم أن الصورة أغضبت بنهيمة، ماذا تقصدون، هل تعرفين المصادر التي اعتمد عليها أصحاب الكتاب، هل تتوفرين على الكتاب)) والمحامون صامتون.

وكان الرئيس مرة أخرى يتكلم ويقول: ما لك والسيد بنهيمة، وهو شخصية محترمة مسؤول أمام الوزير الأول الذي يمكن له وحده محاسبته.

لقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، أما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، وأما اللذان في النار، فرجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس عن جهل.. فهو في النار)).

لتبقى القضية، بالنسبة للقضاء الصحفي، كامنة في هذا الظلم الفادح، الذي يجعل صحفيي المغرب يعرضون، ويتعرضون للحكم الذي يصدره قاض واحد، وبينما قضايا الطلاق، والنزاع الشخصي تعرض على محكمة بها ثلاثة قضاة، ليحكم قاض واحد في ملفات تتعلق بالصحافة والنشر، يحكم حسب ما يرى وما يشاء.. بينما قرار الفردية هذا صدر في عهود أوفقير والبصري للتنكيل بالصحف، أيام كان يرن تلفون ذلك القاضي في الصباح الباكر قبل الجلسات(…)، أو تتم ترقيته لتعويضه عن هذه المهمة، بينما القاضي الواحد في قضايا الصحافة لازال العمل جاريا به في العهد الذي نسميه عهد الانفتاح، والحرية وحقوق الإنسان وانعدام مناطق النفوذ.

ولكن.. وفي خضم مهمتي كصحفي وناشر في إطار اتحاد الناشرين المغاربة رفعت مذكرة أطالب فيها أن لا يبقى مدير الصحيفة يمثل أمام قاض واحد يحكم بما يشاء.

فهذا القاضي المحترم، الذي أصدر حكما على الأسبوع بدفع عشرين مليونا تعويضا للمواطن إدريس بنهيمة، لأن الجريدة قالت إنه غضب(…) أصدر في نفس اليوم حكما على مدير قناة دوزيم بدفع ثمانية ملايين للشركة الفرنسية هيرمس.. وقبلها بأيام أصدر حكما بعشرين مليونا لفائدة الثري ميلود الشعبي ضد جريدة ليكونوميست، وكأننا بهذا القاضي المحترم، يحكم بالملايين لفائدة الأثرياء، أما الضعفاء.. فلهم الله ظالمين أو مظلومين.

ورحم الله القاضي محمد بن الطيب العلوي، الذي ظلم هو أيضا، فألف كتابا عن ظلمه سماه: “الرد النفيس على الحكم الخسيس”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!