في الأكشاك هذا الأسبوع
بقلم. مصطفى العلوي

الحـقــيقة الضــــائعة | عندما ثار السوسيون وأعلنوا دولة منفصلة عن المغرب

      عندما خرج أقطاب البوليساريو، محفوظ بيبا، والبشير السيد، وإبراهيم غالي، من مقابلة الملك الحسن الثاني، فُتح باب آخر، وكان الملك مرفوقا بولي عهده سيدي محمد، ليستقبل الحسن الثاني وزيره القوي إدريس البصري، بحضور أحمد جديرة ومولاي أحمد العلوي، ومعهم أحد مراجعه الصحراوية، أبوزيد أحمد السالك، الذي سأل الملك، كيف تمت المقابلة؟ ولما أعطى الملك ما أراد من المعلومات، رفع أحمد السالك صوته وقال للحسن الثاني: ((نعاما سيدي.. يلا مشات الصحراء، مشى عرشك))، فيرفع الملك الحسن الثاني يديه، ويدفع بهما إلى الأمام، وهو يقول مرتين: الله ينعل الشيطان.

ولكن الخطر على العرش، ليس كامنا في ذهاب الصحراء وحدها، فكم من عروش هوت، في دول ليست فيها صحاري، ولكن تاريخ المغرب، يحفل بحالات، وإن كنا نعيش أخطارها فإننا لا نكاد نراها، وهذا هو الخطر بعينه.

وعلى بعد خطوات من هذا الخطر الداهم، عن أي تطور في الصحراء، اصبحنا نرى في مناطق آسا وكوليمين، المنفصلتين عن الحدود الجغرافية للصحراء، نرى في سكانهما، من يدعون انتسابهم للانفصال، وأولادهم جنود في الانفصال، بل وأخطر من ذلك، هذه المجاهرات الانفصالية، التي تتمترس حول أفكار دعاة الأمازيغية، والحالمين بدولة في الريف، ودولة في سوس، ودولة في الأطلس، وكأن ذلك ضرب من المبالغة، وما هو بمبالغة.

وكأننا ننسى أن التفكك الاجتماعي في إحدى مراحل تاريخ المغرب، وخاصة في نهاية دولة السعديين حوالي 1600 ميلادية كان فرصة لدى مجموعة من الزوايا في سوس، لإعلان دولة مستقلة اسمها إيليغ، كانت مجرد فكرة عند أحد الأقطاب السوسيين، سيدي أحمد وموس، الذين نرى أحفاده، وقد اصبحوا يسترزقون عبر شطحاتهم الشبه أولمبية في جامع الفنا، عنوانا على الانفصال، لا مستقبل له، ليصبح مشروع سيدي أحمد وموس أمرا واقعا على يد الزعيم بودميعة، لا لقوة خارقة يكسبونها، وإنما كما قال العالم المختار السوسي، مؤرخ هذه المرحلة، أن السبب كان هو سقوط حرمة العرش، لقد تحرك السوسيون سنة 1600 لإقامة دولتهم إيليغ لعدة أسباب اجتماعية ((ومنها فقدان الرجال المحنكين الذين يقدرون أن يتداركوا ضعف العرش، وقد كان استبداد السلطان الذهبي العاسف، وقع في غلطة المعتصم العباسي الذي ترك المملكة في أيدي العبيد(…) ومتى فقد الرجال المقتدرون حول العرش، فسرعان ما ينهار)) (إيليغ. المختار السوسي).

والذي يتعمق في التكوين الديني والسياسي لسكان المنطقة السوسية، وآثار آلاف الأولياء والصالحين الذين خلفوا ثروات من المؤلفات، يكتشف أن السوسيين لا يقبلون الظلم، ولا الاستسلام، فسارعوا إلى الاستعانة بأفكار قطبهم الصوفي سيدي احماد بن موسى السملالي لإعلان انفصالهم عن المغرب، الذي سمعوا عنه أن الملك السعدي، اعتقل أحد أولاد القطب سيدي احماد وموسى، وسجنه حتى مات بالسجن ((فزلزلت الأرض زلزالها، ونالها من الفساد والفتن ما نالها، وطاش الوقور، وعاش المحقور، ووُضع النفيس، ورفع الخسيس، وتفشى العار، وجاء الزمان بوجه عبوس، وطأطأ الحق رأسه، وأخفى المحق نفسه)) (نفس المصدر).

وقد عرفت الدولة، دولة إيليغ، التي أقيمت على أنقاض هذا الوضع المزري، انتشارا جغرافيا واسعا، امتد من أطراف مراكش، إلى أطراف تمبكتو بمالي، لدرجة جعلت السلطان الشرعي، مولاي زيدان السعدي يكتري باخرة فرنسية من عند القبطان “جان فيليب دوكاستيان” وكانت الباخرة واقفة بشاطئ سانت كروا، الاسم القديم لأكادير، بعد أن جاءته رسالة موافقة من طرف الملك الفرنسي لويس 13، ليهرب السلطان المغربي زيدان إلى فرنسا.

لولا أن ضابط الباخرة بعدما رأى ما حملته الباخرة من جواهر وتحف، وخزانة كتب فريدة من نوعها، وبعد أن تم شحن الباخرة، وعندما وصل السلطان السعدي قربها.. لم يترك له القبطان الفرنسي الفرصة، وهرب بالباخرة وما فيها.

وبرع مؤسسو إمارة إيليغ، في إطلاق الأسماء التشريفية، حتى هما، والعبارات السلطانية على أقطاب دولتهم، وشاعت عبارة: من لا يغامر لا يؤسس الدول وكان زعيمهم بودميعة، قد دخل تاريخ إيليغ بهذه الأوصاف التي أغدقها عليه الأقطاب المتملقون في ذلك الزمان، مثلهم في هذا الزمان ((هو الثالث من أمراء هذه الأسرة، الفائز بما لم يفز به أحد من أهله(…)، وقد توطدت إمارته، وطالت أيامه، وعلا شأنه حتى كان أعظم رجل من ملوك الطوائف)) (نفس المصدر).

وقد كان عمر هذا الثائر المشكور واحدا وعشرين عاما، شاب إذن، بالنسبة لمنطقة لا تسمع فيها إلا أصوات الشيوخ، والعلماء والسحرة.

وقد بدأ بودميعة هذا ببناء عاصمة دولته، إيليغ في منطقة تازروالت، محصنة بالحواجز الطبيعية للدفاع، ليتفاجأ بالاعترافات الدولية، وطبعا بالدعم الإسرائيلي(…)، والأمر يتعلق بسنة 1600، كما نراه الآن في سنة 2014، حيث يتهافت الإسرائيليون على دعم كل الحركات الانفصالية بالمغرب. ((ما أن أتم بودميعة بناء عاصمته، حتى جاءت طائفة إسرائيلية اتخذوها مسكنا وأسسوا فيها كنيسة يؤدون فيها شعائرهم)) ولم تكن إسرائيل، وإنما كان اليهود.

وبدأ الإشعاع الإعلامي مع دعم الإسرائيليين للدولة الجديدة، وحفلت الرسائل والتقارير بعبارات من قبيل: ((الأمير بودميعة وحاشيته(…) ينظرون إلى عاصمتهم كغيرها من الحواضر، كالقاهرة في نظر المعز، وكبغداد في نظر المنصور العباسي، وكمراكش في نظر يوسف بن تاشفين)) (إيليغ. المختار السوسي).

وبدأ الشعراء يتهافتون على باب بودميعة، وهم ينشدون الشعر، مذكرين بالأفكار الثورية:

أطلت من أفق الإمارة بعدما

ساءت بأبناء الملوك ظنون(…)

شغلوا بلهوهم المديد فضيعوا

ما أنه، عهد الجدود، مصون

وتحفل المؤلفات القليلة، عن دولة إيليغ، بالتسابق على أبواب بودميعة، من طرف النصارى واليهود حتى بدأت تظهر بوادر صراع بينهم على العمل مع الأمير الجديد، وأصبح كبير مستشاري بودميعة، اليهودي إسحاق بالاش، الذي سأله نصراني عن نفوذه في قصر الأمير بودميعة فقال: ((كيف يستاء الأمير، وبديوانه وزراء من اليهود، وخدام من اليهود مثل سلطان مراكش الذي عنده كاتب يهودي هو أخي موسى بلاش، وأخ آخر لي مكلف بماليته اسمه جوزي بلاش، وكان أبي يوسف بلاش سفيرا للمغرب في هولندا)) (نفس المصدر).

اليهود مع ملك الدولة المغربية الأصلية، ومع زعيم الدولة المنفصلة عنه، كان أمل اليهود الإسرائيليين قديما، وها نحن نراه في عصر الدول المتأزمة في وقتنا الحاضر.

وقد ظهرت الدولة العلوية على يد أحد أحفاد الإمام علي وفاطمة الزهراء، وذاع صيته واسمه مولاي الشريف، ليتدارك وحدة المغرب، ويصد دولة إيليغ الانفصالية، لولا أن بودميعة، نصب له فخا واعتقله سنوات طويلة، يتفق أغلب المؤرخين على أن الشريف، في سجنه، رزق بولده اسمه إسماعيل وهو السلطان القادم المولى إسماعيل، وكان بودميعة يكتشف المصالح الأروبية ويوسع هياكله الاقتصادية خاصة بتصدير السكر إلى أروبا، وتأتيه الأطراف الأروبية مطأطئة رؤوسها، أمام هذا الأمير الذي يحكم أطرافا شاسعة من إفريقيا، إلا أن الشريف العلوي قال في سجنه مرة: ((يا أولاد سيدي احماد وموس والله حتى يهدم الرشيد هذه الدار))، وكان يتكلم عن ولده رشيد الذي كان بصدد إقامة دولة جديدة في المغرب، تحركت عندما اكتشفت أن بودميعة، الذي ثار ضد الظلم والطغيان، أصبح طاغية، يحب المال، وزاد الناس في ألقابه “المحب للمال حبا جما” فعرض عليه المولى الرشيد قنطارا من الذهب، لشراء حرية أبيه، فأخذها بودميعة وأطلق مولاي الشريف.

ورغم أن الدول كلها، القوية في ذلك الزمان، هولندا وإنجلترا وفرنسا، قوت حضورها في دولة إيليغ، وتتواجد كشوف الاتفاقيات التجارية بين الدول الأروبية ودولة إيليغ، لولا أن متتبع دولة إيليغ، وبعطف واحترام كبيرين، الأستاذ المختار السوسي، عنون بداية النهاية لدولة إيليغ، هكذا: ((إيليغ تصطك آذانها لثورة ابن الشريف)).

أهم ما في نهاية دولة إيليغ، ورغم أن الدولة اختفت، تحت آثار الغزوة الإصلاحية للدولة العلوية الجديدة، التي كانت مبنية على الجد والإصلاح، فإن روح المعارضة الشبه متأصلة، بقيت سارية في المجتمع السوسي، حتى إلى أيام السلطان الحسن الأول، الذي عندما جاء مرة لزيارة سوس، سمع أن بعض أقطابها هربوا من استقباله، وكان الحسين بن هاشم، من مخلفات الدولة المنتهية، يجتمع يوما بأحد أعيان سوس والناس يتهافتون على تقبيل يده، فيقول له: ((أتكون هنا البدع، إنك إن لم تقطع تقبيل اليد ولفظة سيدي، فلا أعرفك ولا تعرفني)) (إيليغ. المختار السوسي).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!