في الأكشاك هذا الأسبوع

الملك والمخزن أية علاقة ؟

 بقلم. عبد القــادر زعــري

       صلب موضوع كتاب “مذكرات أمير منبوذ” كما جاء على لسان كاتبه الأمير، هو أنه يميز بين الملك والمخزن، وحينما يتحدث عن الطرفين نراه يكن إجلالا واحتراما للأول، ويدين ويحتقر الثاني. وهذا التمييز الذي تحاربه الثقافة المخزنية، جيد لمن أراد فهم النظام السياسي المغربي.

ففي اللحظة التي يميز فيها الأمير بين الأمرين بوضوح، قامت أقلام ومنابر إعلامية مدفوعة وزعامات سياسية بتعمد الخلط، ووسم الكتاب في عمومه بكونه نشاط معادي للملك والمملكة، لكن الغريب هو أن التعليمات صدرت للسماح بترويج الكتاب. فنحن أمام حرب باردة حسمت لفائدة الملك. المخزن حارب الكتاب مادام ينتقد تصرفاته ويفضح أساليب اشتغاله ورجعيته، والملك يسمح بنشر الكتاب مادام ينتقد المخزن فقط ويوقره هو.

والمخزن للإشارة يمكن تعريفه على سبيل التبسيط، بأنه جهاز يضم لفيفا من كبار ذوي المصالح والدائرين في فلك الملك والمستفيدين من المنافع التي يسبغها عليهم قربهم منه. هؤلاء يكونون تحالفا مصلحيا يهدف إلى خدمة الملك مع الاستفادة من قربهم منه لممارسة أنشطته الخاصة.

 صحيح أن الملك هو رئيس دار المخزن من حيث تشكيل هرميته، لكنه، وهذا هو الأهم، لا يتورط في أنشطته، يستفيد من تلك التي تقوي حكمه وتغذي هيبته، لكنه يتبرأ من الأنشطة التي يشعر أنها تضعه في مواجهة مع رعاياه، والأدلة كثيرة من التاريخ السياسي للمغرب.

لكن المخزن يتعمد الخلط بين الأمرين، ويحارب فكرة التمييز بينهما، وهذا ما يفسر أن موجة الانتقادات التي كالتها كثير من الأقلام والزعامات السياسية، كانت كلها تصب في مصلحة المخزن التي هاجمه الامير. مخزن قرر منذ البداية مهاجمة الكاتب والكتاب جملة وتفصيلا، واعتبار المذكرات في عمومها نشاط معادي للنظام السياسي والمملكة ككل.

فالمخزن في المغرب وعبر خمسة قرون راكم تجربة عميقة في طرق اشتغاله ودفاعه عن نفسه وتقوية مجالات تدخله، فهو يستغل قداسة الاسم الذي يشتغل باسمه (أي الملك) لتيسير أموره وإنفاذ قراراته، ويعمل على وسم خصومه بصفة معاداة الملك، للاستفادة من هيبته لتصفية حساباته الخاصة.

من جهة أخرى علينا الحذر، فليست كل أفعال وقرارات وأنشطة المخزن، دائما مطابقة لما يريد الملك، بل هو أناني ويشتغل على حبلين متوازيين:

الحبل الأول : هو خدمة الملك وضمان استقرار حكمه وتغذية هيبته وتجديدها.

الحبل الثاني : هو خدمة نفسه والعناصر التي تكونه والمصالح التي تجمع مكوناته.

والتمييز بين الملك والمخزن لا يظهر عادة ولا يفتضح إلا أوقات الأزمات وساعات الحرج التي يعاني منها النظام السياسي. فعلى سبيل المثال وحين نفي الملك محمد الخامس، لم يتردد عناصر المخزن المحيط بالملك المنفي، في تقديم البيعة لبن عرفة. ومخزن الملك المنفي للتذكير كان مكونا آنذاك من شخصيات حبالها جد مربوطة مع فرنسا، فحدث النفي أبان عن أنانية كبيرة يتصرف بها المخزن لضمان مصالحه. وبعد عودة الملك الشرعي، وحينما طرح عليه الاختيار بين رضا الشعب أو تلك العناصر المتورطة مع المستعمر، فضل التبرأ منها وسحبها من البلاط.

فالملك في النظام السياسي المغربي، يرأس المخزن هيكليا، لكن يتبرأ من أنشطته التي لا توافق مصلحته، ولا يتورط في تبني كل أفعاله، يستفيد من أنشطته التي تدعم قوته، لكن لا يتبناها ولا يتحمل مسؤوليتها.

إن ما يفيد في الكتاب هو تمييزه بين الملك والمخزن، إذ يدعو الملك للتخلص من الأخير كشرط لتحقيق التقدم المطلوب، فهو يحمل المخزن مسؤولية عرقلة التقدم والتنمية. هاته الفكرة ليست جديدة، فقد نادى بها مفكرون وعلماء اجتماع ومعارضون قدامى ومحدثون، لكن الجديد فيها هو أن القائل لم يكن سوى أمير خبر المخزن ورجالاته، وراقب أنشطته وحركية دواليبه في كواليس القصر .

إن السماح بترويج الكتاب لا يمكن أن يكون قرارا صادرا إلا من جهات أعلى من العليا. فهو قرار يصب في نفس الاتجاه الذي أشرنا إليه، ألا وهو أن الملك يحرص على وضع مسافة بينه وبين المخزن، إذ حينما تتوجه الانتقادات إلى أنشطة المخزن ورجعيته وإلى أنانية وتفاهة الحاشية، فهو يبقى بعيدا عنه، ويتورط في الدفاع عنه، وتبني أخطاءه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!