في الأكشاك هذا الأسبوع

مفارقات تعليمية.. برامج لتحويل الطالب إلى تلميذ

         يهدف التكوين الجامعي مبدئيا إلى تكوين الطالب تكوينا جامعيا جامعا، يؤهله لتحمل المسؤوليات المناطة به كإطار من أطر الدولة المعتمد عليها لبناء مجتمع حضاري، يعمل بآليات صناعة التقدم في كل الميادين وعلى كل المستويات. لكن منظومتنا التربوية تعرف مفارقات غريبة أفقدت التعليم العالي هويته ورسالته، خصوصا بعد تبني الإصلاح البيداغوجي “ل.م.د” (LMD) التقشفي، الذي حول التعليم الجامعي إلى تعليم ثانوي متقدم. ومن بين هذه المفارقات، القلب المثير للأدوار بين التعليم العالي وأطوار التعليم السابقة:

-انكماش مدة التكوين من 4 إلى 3 سنوات، وتخفيض ساعات التكوين الأسبوعية إلى النصف وأكثر، في الوقت الذي يلج التعليم العالي تلاميذ يفتقدون لأدنى الأسس اللغوية والمعرفية وكذا لمنهجية التعلم التي تؤهلهم لمواصلة التكوين. يحدث هذا في الوقت الذي عرفت فيه أطوار التعليم ما قبل الجامعي تضخما معرفيا عسيرا على الفهم والاستيعاب (في غياب مدرسين أكفاء تم إلهاؤهم بالدردشات البيداغوجية العبثية)، تسبب في إرهاق التلاميذ إرهاقا شديدا، نفسيا وعقليا، وحتى جسديا، جعلهم لا يولون أي اهتمام لما يُدرّس لهم.

– اعتماد المقاربات البيداغوجية الخاصة بتعليم أطفال التعليم الابتدائي في التعامل مع الطلبة، بحيث أصبح الأستاذ الجامعي مطالبا بالتعامل مع الطلبة تعامل المعلم مع التلاميذ الأطفال؛ فلقد أصبح مطالبا بإضاعة الكثير من الوقت القليل المخصص للتكوين، في مراقبة الغياب والمراقبة المستمرة لاستيعاب المعارف ثم الامتحانات الماراطونية.

– تمييع التكوين الجامعي، المُقزّم إلى حد بعيد، عبر برمجة وحدات لا علاقة لها بالتكوين الأكاديمي والمهني للطلبة من قبيل الأنشطة “المدرسية الموازية” وتعلم اللغة، التي تم تضييع امتلاكها خلال طور التعليم الابتدائي، الملائم لذلك، بسبب التركيز على تعليم أبنائنا مواد ومفاهيم علمية يصعب عليهم تصورها واستيعابها.

يا لها من مفارقات غريبة، فلقد تحول التلميذ الصغير إلى طالب كبير، والطالب إلى تلميذ، في تحد سافر لأبسط قواعد التفكير السليم. فحتى التفكير بالمنطق البيداغوجي لم يعد ممكنا، فلقد تم قلب المفاهيم رأسا على عقب، بحيث أصبح تعليم الصغار يخضع لمنطق المقاربات الأندراغوجية الخاصة بالكبار، بينما أصبح تعليم الكبار يخضع لمنطق المقاربات البيداغوجية، الخاصة بالصغار. يدرس الصبية (التعليم الأولي) والأطفال (التلاميذ) صباح مساء، ثم يأتي الليل وأيام آخر الأسبوع للقيام بالواجبات المنزلية الدسمة التي تتطلب الاستنفار المستمر للأسر لتأمين دروس الدعم، حتى ولو كان الطفل يدرس في المؤسسات الخصوصية التي يفترض فيها تأمينه الاكتفاء الذاتي في التعلم. فحتى الأسر المحدودة الدخل تجد نفسها مرغمة، لعدة اعتبارات، على التعاطي لدروس الدعم المستنزفة لما في الجيوب ولقدرات الأطفال وقابليتهم للتعلم. فلا عجب بعد ظهور السبب، فبعد الاستنزاف الذهني والفكري لأطفالنا بسبب التضخم المعرفي، الكمي والنوعي، اللامعقول، يبدو منطقيا جدا أن يتم التخفيف إلى حد بعيد من دسامة مقررات التعليم العالي والجامعي. وبما أنه لم تعد عند أطفالنا أية مؤهلات ولا أية قابلية للإقبال على التعلم، فلا بد من تعهدهم، وهم طلاب، بمراقبة الغياب والمراقبة المستمرة لما يدرسون، تماما كما هو الحال مع الصغار.

أيها التربويون والبيداغوجيون، ألا يدخل عامل تنظيم الطالب لوقته (استعمال زمنه) كما يشاء وكيف يشاء (يحضر أو يغيب، يراجع دروسه باستمرار أو فقط عند اقتراب الامتحانات، أو لا يراجع، الخ) في خانة التكوين البناء الشامل للطالب الرجل، إطار الغد؟ هل من المطلوب تربويا تخصيص وحدات للأنشطة المدرسية الموازية لطالب الجامعة؟ من سيتعهده بتنظيم وقته وشؤون حياته وأمور عمله، عندما يتخرج ويلتحق بعمله السنة المقبلة (مثلا)؟ ما هذه العبثية أيها السادة التربويون والبيداغوجيون؟.

أ. د. عبد الله لخلوفي

مركز الدراسات والأبحاث والتقييم للتربية والتكوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!