في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي المرحوم أحمد العلوي الذي تم استوزاره 11 مرة

مولاي أحمد العلوي الذي أسس أول نواة إعلامية بالقصر الملكي

شخصيات مغربية عرفتها – بقلم. رمزي صوفيا

——————————

         يعد مولاي أحمد العلوي من أقرب الناس المقربين للحسن الثاني، في السراء والضراء، في حالتي الغضب والمرح. إنه عين الملك الأخرى التي لا تغمض. ومنصبه كوزير دائم للإعلام ثم للدولة مكنه من الاطلاع على الشؤون الداخلية والخارجية للمغرب، من أواخر خمسينيات القرن الماضي حتى 2001 حين أقعده المرض.

استوزر 11 مرة من 1961 إلى غاية 2001، تكلف خلالها بمهام عديدة أخرى، منها رئاسة مجموعة “ماروك سوار” و”مستشار خاص” أكثر قربا من الملك في قضايا ذات طابع خاص جدا – إنه أحمد العلوي – الوزير الدائم في حكومات المغرب المستقل.

وقد التحق بالراحل الحسن الثاني إلى الدار الآخرة في دجنبر 2002 وأخذ معه أسراره الكبرى والصغرى، ورغم أن قلمه كان سيّالا فإنه لم يترك مذكرات، كما لم يسبق أن كشف عن أي سر. وإذا كان إدريس البصري قد نعت نفسه بـ”خادمة بيت” الملكية والقصر والدولة، فإن أحمد العلوي كان بالنسبة للملك الحسن الثاني بمثابة “العلبة السوداء” بالنسبة للطائرة.

إنه ابن عم الملك الراحل الحسن الثاني، الذي ارتبط اسمه بمجموعة “ماروك سوار”، لقد رافق الملك محمد السادس عندما كان وليا للعهد خلال أغلب تحركاته الرسمية، بعد أن رافق جده محمد الخامس ووالده الحسن الثاني من قبل.

في بداية مشواره السياسي بباريس، ارتبط بزعماء المستقبل وحرص دائما على البقاء قريبا منهم.. فقد تكلف أحمد العلوي بتسليم عريضة المطالبة برجوع السلطان محمد الخامس من منفاه بمدغشقر والمطالبة بالاستقلال، إلى “كي مولي” رئيس الجمعية العامة الفرنسية آنذاك.

وخلال الفترة الموالية لسنة 1959 كان ظهور فريق من رجالات النظام، وبالضبط بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في مايو 1960، وظل هؤلاء الرجال حراس الحكم الأقوياء طيلة فترة حياتهم منذ أن ارتبطوا بالبلاط، ضمنهم إدريس المحمدي، ومحمد الغزاوي، وأحمد رضا كديرة، وعبد الكريم الخطيب، والمحجوبي أحرضان وغيرهم كثير، وكان أحمد العلوي عنصرا فاعلا ضمن هذه المجموعة منذ البداية. ليأتي لاحقا دور محمد أوفقير، وأحمد الدليمي، وإدريس البصري، فاستمر معهم الوزير الدائم أحمد العلوي.

ظل أحمد العلوي مقربا ومساعدا للملك محمد الخامس لفترة طويلة، واحتفظ بنفس الموقع في عهد نجله الحسن الثاني منذ كان وليا للعهد. وعندما أصبح هذا الأخير ملكا، أضحى أحمد العلوي من أقرب المقربين وأكثر الشخصيات من حاشية الملك الراحل الحسن الثاني الذين يرتاح لمجالستهم، لطبيعته المرحة وأسلوبه الساخر، حد الإثارة أحيانا. وقد كانت سرعة بديهته تسعفه في الخروج من المواقف والوضعيات الحرجة بسهولة.

وقد أجمع المقربون منه على القول إنه استطاع بروحه المرحة أن يخلق من حوله شبكة واسعة من الأصدقاء والمعارف، إذ لم تكن روح النكتة تفارقه، مما جعل الملك الراحل الحسن الثاني لا يفارقه في جلساته الخاصة. وحسب ما جاء على لسان إدريس البصري، لم يكن أحمد العلوي رجل العمل الميداني بقدر ما كان رجل الفكر والتأمل، إذا كان يبدي آراءه في مختلف المشاريع ويدلي بدلوه في مختلف القضايا.

والراحل أحمد العلوي هو أيضا من فئة نادرة، داخل محيط الملك، الذين يتوفرون على قوة الشخصية وحرية التعبير والتفكير في حضرة الملك الحسن الثاني، الذي قال عنه ذات مرة: “إن أحمد العلوي كان موجودا في كل المنعطفات الأخيرة عبر تاريخ المغرب الحديث”.

توفي أحمد العلوي، يوم السبت 7 دجنبر 2002، بعد معاناة مريرة مع الشلل، دامت أكثر من عقد (11 سنة)، حيث أصيب به في غصون سنة 1994.

قال عنه إدريس البصري، الذي رافقه في عدة حكومات متعاقبة: “عندما نفى الاستعمار الفرنسي الملك محمد الخامس، بمعية العائلة الملكية سنة 1953، أبرى أحمد العلوي قلمه وبدأ يكتب مدافعا عن عدالة القضية المغربية. ولما عاد الملك من منفاه تطوع أحمد العلوي لخدمة العرش والملك، ووضع نفسه في خدمة الملك الحسن الثاني ونيل رضاه طيلة عهده”.

ويرجع الفضل إلى أحمد العلوي في تأسيس أول نواة إعلامية بالقصر الملكي، وكان أول من تولى مهمة ناطق غير رسمي، باسم البلاط بعد الاستقلال. وكان يدأب على القول، في مؤتمراته الصحافية، إنه لا وجود لأسئلة مزعجة بالنسبة له، بل هناك أجوبة مزعجة.

وكان أحمد العلوي كثير الحركة، لا يستقر في مكان، فمثلا حين يكون منتظرا في الدار البيضاء يظهر في طانطان مرتديا “الدراعية” الزرقاء، اللباس التقليدي الصحراوي.. أقام مكتبه على متن سيارته، في وقت لم يكن الهاتف النقال متوفرا. وقد شوهد أكثر من مرة يأخذ جهاز راديو من يد دركي ليتصل بالجريدة لإملاء افتتاحيته، أو خبر، أو تعليق من تاونات أو “حد كورت”.. وغالبا ما كان أحمد العلوي ينسق بين الملك الحسن الثاني ومحاوريه الصحفيين، هذا ما حدث مع حميد برادة حين كان صحفيا بمجلة “جون أفريك” و”جان دانييل” مدير مجلة “لونوفيل أوبسرفاتور” الفرنسية. فأحمد العلوي هو الذي تسلم من حميد برادة مذكرة قصيرة موجهة إلى الملك تضمنت اقتراحا بإجراء حوارات مطولة مع الحسن الثاني حول العالم العربي، لأنه بعد وفاة ناحوم غولدمان”، فإن الوحيد الذي يمكن أن ينصت له العرب واليهود آنذاك، هو ملك المغرب، سرعان ما كبرت هذه الفكرة، لتتحول فبما بعد – حسب أكثر من مصدر مطلع- إلى كتاب “مذكرات ملك” التي حققها الحسن الثاني رفقة الصحفي الفرنسي “إيريك لوران”.

ويعتبر مولاي أحمد العلوي صحفيا لامعا إضافة لكونه رجل سياسة محنك، بل يكاد يكون أحمد العلوي، الصحفي المغربي الوحيد، في عهد الحسن الثاني، الذي كان يمنح نفسه حق الاستئثار بطرح الأسئلة، باسم الصحافة المغربية، في الندوات الصحفية الخاصة بالملك الحسن الثاني، كما أنه وحده الذي كان يسأل دون سواه، باعتباره صحفيا وليس وزيرا، كما لم يكن بمقدور أي صحفي مغربي، أن يطرح سؤالا في حضور أحمد العلوي، كان أمرا محسوما وبمثابة قاعدة، وكان على من تجاوزها أن ينتظر ما لا يحمد عقباه.

وأكثر من ذلك، إن أحمد العلوي كان يعرف كل الصحفيين، كل واحد باسمه، يساند من يريد ويهمش من لا يعجبه، وعرف عنه أيضا أنه كان يتعامل معهم بمزاجية.

ومن الطرائف التي رويت عنه، أيضا، أنه كان يتجاذب أطراف الحديث مع مبارك البكاي الهبيل، عندما كان رئيسا للحكومة، فسأله أحمد العلوي خلال إحدى اجتماعات مجلس الحكومة: “كيف تمشي الأمور؟” في إشارة غير مباشرة إلى إعاقته حيث كان “البكاي” أعرج، فطن هذا الأخير للأمر فأجابه دون انتظار: “كيفما تاتشوف آ مولاي أحمد”، ملوحا هو الآخر لإعاقته البصرية. ومن الطرائف التي ظلت تلاحق أحمد العلوي، حكايته مع سائقه، بضواحي بوزنيقة..

وقد كان مولاي أحمد العلوي عاشقا للعمل بشكل هائل، ويؤكد المقربون من أحمد العلوي، أنه لم يكن يكل ويتعب، وحتى عندما أقعده المرض ثماني سنوات، كان ينتقل بكرسيه المتحرك لحضور أنشطة رسمية، والظهور باستمرار في مراسم الاحتفالات والمناسبات الوطنية والدينية.

ويكفيه فخرا ما قاله عنه الحسن الثاني وهو يوصي وزيره الدائم في الداخلية، إدريس البصري: “شوف، مولاي أحمد ما عمرك تفرط فيه، راه يلا جاب ليك مياة فكرة، على الأقل تأخذ منها وحدة مزيانة”.

وقد عاش مخلصا للعرش العلوي وخادما مخلصا لوطنه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!