في الأكشاك هذا الأسبوع
الملك محمد الخامس كان يكره صديق والده عبابو، فسجنه وحجز على ممتلكاته.

الحـقــيقة الضــــائعة | أصدقاء الملوك

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

      كانت وفاة السلطان مولاي يوسف في نونبر 1927 مفاجئة بشكل هز اركان الدولة الفرنسية، التي كانت وصية على المغرب، بمقتضى عهد الحماية سنة 1912.

ورغم أن أي أحد لم يكن يتوقع موت السلطان مولاي يوسف بعد خمسة عشر سنة من الممارسة، وهو الذي نصب ملكا وعمره 31 سنة، فإنه ترك أمر الخلافة مطروحا.. لكنه ترك معه عنصرا فاعلا ومؤثرا، هو صديقه المهدي عبابو الذي لعب دورا كبيرا في اختيار خلف لمولاي يوسف.

فالمهدي عبابو ((كان صديق السلطان مولاي يوسف لا يفارقه، لا في السفر ولا في الحضر، أصبح من أصحاب مولاي يوسف قبل توليه الملك، وبعد أن تولى الحجابة، سكن بدار المخزن، وشرع يتحكم في كل شيء داخل البلاط، وكان السلطان يستشيره في كل شيء)) (عهد السلطان مولاي يوسف. زين العابدين العلوي).

إلا أن السلطان الجديد، محمد الخامس، كان يظهر عداء غير مفهوم، لهذا الصديق الحميم لوالده، لأن محمد الخامس، كان يعرف أن صديق والده، عبابو كان حتى قبل موت مولاي يوسف، ينصح الفرنسيين بالاهتمام في التخطيط للخلافة، بأن يهتموا بالولد الأكبر مولاي إدريس، وكان عبابو، لا يخفي هذه الميول، تحت أنظار الولد الأصغر سيدي محمد الخامس، بل كان ((المهدي عبابو لا يخفي نواياه، من خلال غضباته على سيدي محمد عندما كان شابا صغيرا، ولم يكن الملك الجديد محمد الخامس، مستعدا لنسيان معاكسات عبابو له، والمآسي التي تسبب له فيها، وقرر أن ينتقم منه)) (قدور بنغبريط. حمزة العثماني).

وذات صباح، قرر محمد الخامس، وضع صديق أبيه في الحبس، ((والحجز على ممتلكاته، واتهم بنهب آثار دار المخزن وفتشت داره وانتهت القضية بتسوية دفع فيها عبابو ست مليون فرنك وتنازل عن ملكية درب الحاجب بالدار البيضاء وبقي محتجبا إلى وفاته في سنة 1942)) (السلطان مولاي يوسف. زين العابدين العلوي).

ولكن المؤرخ المغربي لم يذكر أسباب إطلاق سراح المهدي عبابو، حيث ((تدخل المستشار قدور بنغبريط، بعد أن طلب منه المقيم العام الفرنسي “الجنرال تيودور ستيغ” التدخل لدى محمد الخامس، لإطلاق سراح صديقهم عبابو بعد أن احتج الفرنسيون على هذه المعاملة ضد واحد من أقطاب المخزن، بل إن الحكومة الفرنسية، عينت المقيم العام الفرنسي السابق، “إيتيان ميليران” محاميا خاصا للصديق عبابو، ليدافع عنه، إلى أن استرجع حريته)) (نفس المصدر).

وهكذا، ليس من باب المنطق، أن يكون صديق السلطان صديقا لخلفه، كما أنه ليس من باب المنطق، أن يتوسع نفوذ صديق السلطان، ليدخل في شؤون الدولة، كاختيار السلطان الجديد، ولكن صداقة عبابو للسلطان مولاي يوسف، كانت تسمح له بالتدخل في كل شيء.

ثم إن تاريخ الملوك العلويين، يكاد يخلو من ظاهرة الصديق، حتى قبل أن يحذر الشاعر المتنبي من خطورة الصديق ويقول:

إذا انقلب الصديق غدا عدوا

مبينا.. والأمور إلى انقلاب

ولكن السلطان مولاي يوسف، كان قد ورث ظاهرة الصديق، من أخيه السلطان مولاي عبد العزيز، الذي كان له هو أيضا، صديق حميم، كان اسمه أيضا المهدي المنبهي، الذي هيمن على السلطان مولاي عبد العزيز، وأصبح في القصر، هو الحاكم الناهي المتصرف في كل شيء، حتى في تعيين السفراء، لدرجة أنه عندما استقدم مصورا فرنسيا اسمه “كابرييل فير” وقد استولى على السلطان، هو بدوره، بوسائل التصوير التي كانت عجيبة في ذلك الوقت. ((أهدى السلطان للمصور فير، ضيعة مساحتها ألف هكتار(…)، سارع فير، لتحويلها إلى منطقة تجارية أقام فيها المطاحن، ومصانع الثلج، ومصانع المياه المعدنية، ومصنعا للياجور، وأصبح رجل أعمال ناجح فنسي مهنته التصوير)) (مجلة لوبوان. 1 أكتوبر 1999).

((المنبهي مرة دخل على السلطان، ليخبره أنه ذاهب للحج فقال له السلطان: إن فراقك ليؤسفني، هل ستتخلى عني؟)) (زمن المحلات. لويس أرنو).

وبعد أن أسس المهدي للسلطان، “ديوان الملاغة” للسهر والغناء بعد أن أصبح وزيرا للدفاع الوطني قال لمولاي عبد العزيز يوما: ((أبدا.. لن تجد مثلي، من يستطيع الكذب على الأروبيين، لا.. لن يستطيع أن يعوضني عندك أحد)) (في رفقة السلطان. فير).

وللتذكير، فإن صديق السلطان هذا، هو أيضا اختار أحد رجال ثقته وأدخله مسؤولا في القصر وهو الحاج عمر التازي ((فكلفه المنبهي بكل ما يهم البناء في القصر فأصبحت علاقته بالسلطان حميمة أكثر من صداقته مع المنبهي حيث كان التازي يتجول مع السلطان كل مساء يناقشان الهندسة وأشياء أخرى(…) ليبعثه إلى أروبا لشراء الحاجيات، ومرة أحضر للسلطان من تركيا، ست حسناوات شركسيات يعزفن على البيانو والعود والقيثار، فكلفه السلطان باستقدام المزيد، مما جعل المنبهي يحس بخطورة موقعه، ومن هناك بدأت ملامح الغنى تظهر على عائلة التازي)) (زمن المحلات. لويس أرنو).

لولا أن أعضاء الحكومة، وكان يرأسها الداهية المفضل غرنيط الذي رسم مخططا ضخما جمع حوله كل أعضاء المخزن، لإبعاد الصديق الحميم للسلطان، رغم أن رئيس الحكومة هذا، كان قد احتل هذا المنصب بترشيح من صديق السلطان المنبهي، لينتهي الأمر بحصول المنبهي على الجنسية الإنجليزية، ولتنتهي سياسته بإزاحة السلطان نفسه، في خضم صراعه مع أخيه مولاي حفيظ.

السلطان مولاي حفيظ نفسه، كان قد اختار صديقا في شخص عيسى بن عمر ((فوض له في اتخاذ الإجراءات، ليتخذ قرارات راعى فيها مصلحته دون أن يخبر السلطان أو يتشاور معه، ويعين من لم يكونوا أكفاء أو نزهاء، وأصبح عيسى بن عمر يعتد بقوته ودالته على السلطان، وفي هذا خرق لعوائد الملوك بالمغرب)) (الحركة الحفيظية. د.علال الخديمي).

إلا أن السلطان مولاي حفيظ، وكان في مرحلة صعبة، تجاه الفرنسيين وتجاه ثورة بوحمارة، سرعان ما تخلص من هذا الصديق، لتكون أول تجربة لظاهرة صديق الملك، في تاريخ الملوك العلويين، قصيرة في عهد السلطان مولاي حفيظ، الذي كتب بنفسه:

((لا ينبغي للسلطان أن يصحب كل أحد(…) بل من يصلح للصحبة، هم أهل الأدب والفهم، الفصاح الألسن، فيكون للسلطان بذلك متعة لقلبه بالعبر ولأذنه بالخبر(…))) (داء العطب قديم. السلطان مولاي حفيظ).

وتذكرني حكمة السلطان العالم مولاي حفيظ، بالدموع الغزيرة التي أطلقها شاه إيران، المخلوع، وهو في منفاه جالس مع الكاتب الكبير “ريشارد هولمز”، عندما قدم له كاتبه، تقريرا مفصلا عن خبايا اغتيال قريبه مصطفى شفيق شهريار، ابن أخته الذي اغتيل في باريس، بطلقة على رأسه، يوم 7 دجنبر 1979. ويفصل التقرير كيف أن ((صديق دراسة الشاه زميله في معاهد سويسرا، والذي أصبح صديقه في ممارسة الحكم، حسين فردوست، الذي كان مكلفا بالمخابرات الخاصة في القصر، طيلة مدة حكم الشاه، والذي كان يرأس السرية الخاصة ويقدم له التقارير اليومية، وكان يسميه الإيرانيون صديق الشاهنشاه، وبعد الثورة، وضع خدماته تحت تصرف الخميني، هو الذي نظم عملية اغتيال ابن أخته، مما أدى إلى ذهول الشاه، وإصابته بالرعب، وقال للمستشار ريشارد هولمز: لقد كان له أكثر من أخ، وأي شخص مقرب مني، ينحط إلى هذه الدرجة، فإني سأجد نفسي مضطرا إلى أن أفقد إيماني بالإنسانية كلها)) (الرحلة الأخيرة. شوكروس).

أكيد.. أن سلاطين المغرب، كانوا مصيبين في تفادي إطلاق صفة صديق الملك، على أي مخلوق، مصداقا لقول الماوردي: الملوك لا صديق لهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!