في الأكشاك هذا الأسبوع
صدمة "فرح ديبا" كانت قوية عندما دخلت محل مجوهرات مشهور في باريس، ولم تجد لديها المال الكافي لشراء ماسة أعجبتها.

الحـقــيقة الضــــائعة | “إن حكم البلاد في ظل الأحزاب لا يأتي بخير”

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

استقبل الملك السنوسي الليبي يوما، سفير بريطانيا في طرابلس، جاء مكلفا من طرف الملكة إليزايت، عاهلة بريطانيا، لاستطلاع رأي جلالته(…) في موضوع رسالة توصلت بها الملكة البريطانية من سمو الأميرة فاطمة، زوجة الملك السنوسي، التي كتبت للملكة البريطانية، رسالة تطلب منها فيها، أن تنصح الملك السنوسي، بالتراجع عن قرار إعدام أحد الأمراء، متهم باغتيال الكاتب الخاص للملك، إبراهيم الشلحي، وكان هذا الأمير، فعلا، قد أطلق الرصاص على رجل ثقة الملك وصديقه في باب الديوان الملكي، فأرداه قتيلا.

والملك الذي يعرف زوجته حق المعرفة، أمر بإجراء تحقيق، ليتضح له أن رسالة زوجته فاطمة، مزورة، ممضاة بإمضائها المزور، كتبها أخ الملكة فاطمة، أبو القاسم الشريف بتواطئ مع البرلماني الليبي، صالح بويصير، وبخط كاتب فلسطيني، اعترف بعد اعتقاله، أن صالح بويصير، هو الذي أملى عليه الرسالة.

ولقد أمر الملك، باعتقال النائب صالح بويصير، الذي قبل إلقاء القبض عليه، أخبره رئيس الحكومة(…) مصطفى بن حليم، بأن يلبس زي امرأة، ويهرب إلى تونس، ولما كانت السلطات الفرنسية هي التي تحكم تونس، فقد نصحته بالذهاب إلى فرنسا، قبل السفر إلى مصر، حيث بقي بضع سنوات، وبعد ثورة القذافي، أعلن تأييده لها وأصبح أول وزير لخارجية القذافي انتقاما من الملك طبعا.

ذلك أن الملك السنوسي، رغم أنه كان رجلا مستقيما عادلا، فكر يوما في التنازل عن العرش، إلا أن حكومته المنتخبة، في إطار الدستور(…) كانت تكرهه: ((لدرجة تحالف فيها رئيس الحكومة، مصطفى بن حليم، مع الكاتب الخاص الجديد للملك، البوصيري، على ضرورة إزالة النظام الملكي، فاقترح رئيس الحكومة على الملك، في شهر دجنبر 1954، تعديل الدستور، وتحويل النظام الملكي إلى نظام جمهوري رئاسي، يكون فيه الملك رئيسا للجمهورية مدى الحياة)) (محطات من تاريخ ليبيا. محمد عثمان الصيد).

نصدق إذن، الملك الحسن الثاني، الذي وصف ضعف الملك السنوسي، بقوله عن الانقلاب عليه: ((إنه انقلاب لم يثر دهشتي ولا فاجأني، فقد كان الملك السنوسي رجلا مستقيما ونبيلا، ولكنه لم يكن مهتما بقضايا البلاد، فكان يقضي أيامه كلها في الصلاة، وكان يتصور أنه جالس على العرش هكذا.. لأنه ليس له اختيار آخر. لهذا، لا أقول بأنه عمل كل شيء للمحافظة على عرشه، ولكنه لم يعمل شيئا من أجل المحافظة عليه)) (الحسن الثاني. مذكرات ملك).

هذا الفراغ الذي يتحدث عنه الملك الحسن الثاني، والذي أدى إلى انقلاب شاهدنا نهايته الدموية وما أعقب نهايته من فوضى حالية، دموية هي أيضا، انطلاقا من أن بداية النهاية، كانت أيام الملك السنوسي هي اغتيال رجل ثقته الأوحد، إبراهيم الشلحي الذي هيمن وتسلط وانفرد بالحكم لدرجة أنه، حتى أفراد العائلة الملكية، لم يبق لهم حظ في شخص الملك ((تولد لديهم اقتناع بأن الشلحي هو الذي كان يحول بينهم وبين الملك، فأصبح أفراد العائلة يكنون للشلحي عداء مكبوتا، هو ما قاد إلى عملية اغتياله)) (محطات من تاريخ ليبيا. مذكرات عثمان الصيد).

أعظم من ملك ليبيا، الذي أطاح به القذافي، هناك ملك الملوك، شاه إيران، الذي كان يتحدى بعجرفته، كلا من أمريكا وبريطانيا، ولا يهمه ما يرفع إليه من تقارير، تبين أنه كان لا يقرأها.. ولا يعير لها اهتماما، بل كان يترك جهاز مخابراته، يملأ له بالأكاذيب، ذلك الفراغ الذي كان سعيدا بالحياة في ظله(…).

وعندما لم يقبل العمل بنصائح وزيره الأول، مصدق، فأزاحه وعين محله وزيرا أولا آخر، “علي أميني”، الذي رأى أن نقط ضعف الشاه ((كامنة في مغادرة أخواته، أشرف، وشمس، وفاطمة لإيران، فكتب لهن الوزير الأول أميني، رسالة يطلب فيها منهن الرجوع إلى إيران، بعد أن نشر الوزير السابق مصدق، أنهن بصدد تدبير مؤامرة لاغتيال الشاه)) (إيران بين التاج والعمامة. أحمد مهابة).

وكانت الحركة الإسلامية تنخر المجتمع الإيراني، ورئيسها الخميني لاجئ في العراق، ولكنها حركة كانت لها جذور في التاريخ، تجاهلها الشاه، ليضع ثقته كلها في أجهزته الإعلامية ويخصص ميزانيات ضخمة، لإصدار صحف عدة تم تكليفها بحل المشاكل الحقيقية، بواسطة هجمات على كل الذين لا يتفاهم معهم الشاه، وكان ديوانه يوجه صحيفة كبرى هي صحيفته “اطلاعات” التي كانت ترسم للشعب، صورة لماعة للنظام، أراد وزير الإعلام “داريوش همايون” أن يزيدها بريقا، فكتب يوما بقلمه: ((موضوعا نشره في جريدة “اطلاعات”، عبارة عن هجوم على آية الله الخميني، وتعريضا بالتزامه الديني والأخلاقي وشكك في وطنيته، وأن الخميني ينحدر من أصل هندي، ليثير هذا الموضوع الصحفي، تساؤلات عن هذا التوقيت الذي اختير لإثارة فتنة كانت نائمة(…) وتسليط الأضواء على رجل ظل متواريا في مدينة النجف، خلف أسوار من الصمت والنسيان، ولم يكن اسمه يثير هذا القدر من السحر اللهم إلا أن تكون جهات معينة(…) قد تعمدت تفجير الموقف)) (نفس المصدر).

الخميني وبعد دخوله طهران، على رأس الثوار، بحث في موضوع مقال وزير الإعلام همايون، الذي وجد ملفه في مكاتب جهاز المخابرات “السافاك” ووجد به الحجج على أن الوزير همايون، وزير الشاه، كان على صلة بالمخابرات الأمريكية(…).

أبلغ من هذا وأكثر تأثيرا على الرأي العام الإيراني، ما نقلته وكالات الأنباء الفرنسية، عن دخول الشاهبانو فرح ديبا، إلى أحد محلات المجوهرات المشهورة في باريس، لتشاهد ماسة أخذت لبها، ولم تستطع مقاومة إغرائها، فسألت عن ثمنها، ليقال لها ثمن يفوق الخيال، ولم يكن الثمن عندها، فخرجت لتتصل بزوجها الشاه، تلفونيا، فاستجاب لطلبها، وبعد أن توصلت بالحوالة، توجهت فرحة إلى المتجر، لتخبرها البائعة آسفة، بأن الماسة بيعت، وبفضول النساء، أرادت الشاهبانو معرفة المشتري، فأجابها صاحب المتجر بأن المشترية، هي زوجة أحد الجنرالات الإيرانيين.

وعادت الشاهبانو إلى طهران لتطلب من رئيس المخابرات أن يعرف اسم زوج المشترية، وليتضح أن المشترية زوجة قائد سلاح البحرية، حصل على رشوة في صفقة أسلحة، ليختفي الجنرال، ويطرد الملحق البحري الأمريكي من البلاد لتورطه في العملية.

قد يتساءل قارئ أو أكثر، ولماذا الخوض في تاريخ دول أخرى وحكايات زوجة ملك ليبيا، وزوجة شاه إيران.

والحقيقة، أن بحثي في تاريخ هذه الدول، كان منطلقا من رغبتي في معرفة الظروف الحزبية في هذه الدول، ومقارنتها مع الواقع الحزبي في المغرب، والأزمة الدستورية التي تعيشها هذه الأحزاب في المغرب، خصوصا عندما نعرف، بأن عدد الأحزاب في المغرب، قليل بالنسبة لعدد هذه الأحزاب في عهد الشاه بإيران، وكان عددها تسعون حزبا، إذ لم يكن المنع، صادرا إلا في حق حزب واحد، هو الحزب الشيوعي الذي كان يسمى حزب “تودة”.

فقد رخص الشاه، لكل من يريد أن يؤسس حزبا، فله ذلك، حتى وزير التشريفات الملكية، “أسد الله علم” أسس حزب “مردم” أي حزب الشعب، بينما استعمل أحد البورجوازيين، أموال شركته البترولية، لتأسيس حزب سماه حزب المليون.

أما عند الملك السنوسي في ليبيا، فإنه بعد إحداث شغب في الانتخابات، أمر بمنع الأحزاب كلها، بتهمة أن أغلبها تأسس أيام الاستعمار، وأن لها صلات بدول أجنبية، وأن أغلبها تحت قيادة أشخاص لا يتوفرون على الجنسية الليبية.

ليبقى الصراع بين أطراف المحيط الملكي في ليبيا، صراعا بلغ يوما، أخرج فيه أحد كبار الضباط المقربين من الملك مسدسه مهددا بإطلاق الرصاص على رئيس الكتابة الملكية الجديد البوصيري، ليتفرغ رئيس الحكومة، إلى سلسلة اعتقالات في صفوف حزب البعث الذي كان متأثرا بحزب البعث السوري.

فما هو يا ترى فضل الأحزاب على الشعوب، في حالات الشعب الإيراني، والشعب الليبي، مهما كان عددها.

تنقل محاضر تنازل الملك فاروق عن العرش بعد الثورة المصرية، أنه بعد مجاملات أعضاء مجلس الثورة، بحضور رئيسها محمد نجيب ((بدأت أيدي فاروق ترتعش، وجاء توقيعه على وثيقة التنازل مهتزا، ولذلك حملت وثيقة التنازل توقيعين، الأول أسفل الوثيقة والثاني أعلاها، وروى قائد الحرس الملكي أن الملك فاروق قال: وافقت على التنازل رغبة في إنقاذ الموقف: إن حكم البلاد في ظل الأحزاب القائمة لا يأتي بخير)) (ثورة 23 يوليو. محسن محمد).

فهل تواجد هذه الأحزاب، في هذه الدول التي عرفت هزات أسقطت أنظمتها، ليس عنوانا لتواجد الديمقراطية، وحجة على أن تواجد الأحزاب، لا يحمي الأنظمة ولا الديمقراطية، أم أن المجرب الكبير، الملك فاروق، قال حقا عندما صرح بأن حكم البلاد في ظل الأحزاب لا يأتي بخير. الجواب كامن فعلا في التجربة، وهي أن مصر في عهد فاروق، كانت نموذجا فريدا في الممارسة الديمقراطية، لولا أن المحيطين بفاروق، والمحيطين بشاه إيران والمحيطين بملك ليبيا، هم الذين كانوا سببا في هذه الكوارث التي تعيشها هذه الدول، في الوقت الحاضر حيث لا ديمقراطية ولا أحزاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!