في الأكشاك هذا الأسبوع
كديرة

الحـقــيقة الضــــائعة | متى يبتعد عن الملك، كل من شبع واستغنى

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

عندما شعر الملك الحسن الثاني، بعد المحاولات الانقلابية سنة 1971 و1972، بضرورة إعادة تنظيم جهازه الأمني الخاص، استقدم رئيس حرس الجنرال دوكول، المسمى ساسيا، وكلفه بهذه المهمة، ليبدأ الرجل بامتحان مجموعة من رجال الأمن، وطريقة براعتهم في إطلاق النار، وليكتشف أن أحد البوليسيين المغاربة العاديين(…)، يطلق النار بدقة متناهية، فسألهم عن اسمه، فقالوا له إنه المديوري، فرشحه لمهمة حراسة الملك، دون أن يعرف، أنه وضعه في موقع، سيصبح الحاج المديوري بعده، قطبا في القصر الملكي، والحكاية طويلة.

كذلك فعل الملك الأندلسي، عبد الرحمن الناصر، (سنة 920 ميلادية) الذي اختار نصرانيا من بين آلاف النصارى الذين كانوا يشكلون أمنه الخاص، واسمه أبو نصر ((لأنه كان من أحذق الرماة في عصره وطار صيته بالحذق في الرماية، وإصابة الأغراض البعيدة، وقلما تخطئ رميته، وقد أودى بحياة كثير من المسلمين(…) من الجند وغيرهم حتى ساد الرعب منه)) (دولة الإسلام في الأندلس. عبد الله عنان).

ولكن الحسن الثاني، لم يفطن لتصرفات رئيس حرسه المديوري ولم يفعل معه ما فعله الملك الأندلسي عبد الرحمن الناصر الذي ((انتهى الأمر بأسر حارسه الخاص أبو نصر، وإحضاره إلى الحضرة(…) فجيء به إلى باب السدة، وأمر عبد الرحمن بصلبه وسكه بالسهام حتى مزق بدنه، ثم أخذت جثته وأحرقت)) (نفس المصدر).

وكان أبو نصر هذا، واحدا من نماذج الحراس الخاصين، ((الذي ما إن قدمه الملك على سائر خاصته(…) وغدا مدبر أمر إدارته، ومشاركا لأكابر وزرائه(…) وتضاعف نفوذه بمحالفته(…) لجارية الملك عبد الرحمن الأثيرة، “طروب” صاحبة النفوذ القوي)) (دولة الإسلام في الأندلس. عبد الله عنان).

وليس جديدا في التاريخ القديم، أن داخلي القصور الملكية، لا تظهر خفاياهم، إلا عندما يرتفع شأنهم، ويصبحوا يتصرفون باسم الملك، مثل بوحمارة الذي دخل القصر مخزنيا بالباب فثار محاولا أن يصبح سلطانا.

وأكبر نموذج يحفل به تاريخ المغرب عن طغيان المقربين من السلطان، يتموقع أيام الدولة السعدية، وخاصة في عهد السلطان أبي عبد الله الشيخ الذي كان يغار على المغرب من النفوذ العثماني، في عهد السلطان التركي سليمان، الذي سمع أن السلطان المغربي يحتقره ويسميه “سلطان الحواتة”، هذا السلطان السعدي الذي رسم خطوط إقامة وبناء مدينة فونتي، التي أصبحت تسمى أكادير.

واختار السلطان المغربي، أن يضع ثقته في مرافق كبير اسمه صالح، حصل على لقب “كاهية” لتنظيم الجيش المغربي، دون أن يعرف السلطان أنه جزائري (كما جاء في كتاب نزهة الحادي) لكنه استطاع أن يصبح رجل ثقة السلطان الشيخ لدرجة أنه دخل عليه يوما وقال له ((مولاي إن جماعة من أعيان الجزائر رغبوا في جوارك والتشرف بخدمتك، وهم إن شاء الله السبب في تملكها “أي الجزائر”)).

وخيل إلى الملك الشيخ أنه ((قد حصل على ملك الجزائر، ليأمره السلطان السعدي، بإكرامهم وإعطائهم الخيل والسلاح، فكانوا يدخلون على الملك الشيخ لتقبيل يديه)) (الاستقصا).

ومرة والملك السعدي في تارودانت، دخلت عليه الجماعة التي كانت تقبل يديه، وهم في الواقع عصابة في خدمة السلطان العثماني سليمان وضربوا عنق السلطان السعدي بشاقور وفصلوا رقبته وحملوا رأسه عبر تلمسان، إلى السلطان العثماني.

وفي عصر الحضارة والتمدن، حين لم يبق الأوفياء إلى السلطان يبيعون رأس سلطانهم إلى الأعداء، وأصبح القلم يحل محل السيف، والشاقور، يحكي الزعيم الحركي المحجوبي أحرضان، وهو الذي كان منذ أيام الاستقلال يكتب كل ما يرى وما يسمع يوميا، ويضع تلك الأوراق المذكرات في صناديق، بالأحداث والأسماء والتواريخ، كتب ((إن أحد رضى جديرة، الذي شغل مناصب وزارية هامة، واستشارية، قال لنا في اجتماع لدراسة بنود الدستور: بقلمي هذا يمكن أن أزيح السلطان عن عرشه)) (الخبر. 14 يناير 2014).

جديرة هذا، الصديق الوفي(…) للملك الحسن الثاني، وكان حاضرا ضاحكا معه، صباح العاشر من يوليوز 1971، حينما فوجئ بالهجوم العسكري على قصر الصخيرات، والرصاص يتطاير في كل اتجاه، والجثث تتساقط، نظر يمينا ويسارا في ذعر، فتوجه إلى موقف السيارات الداخلية، وركب سيارته وهرب، ولكنه عند وصوله إلى الباب، وجد شاحنة تعترض طريقه، فنزل من سيارته، وأمر سائق الشاحنة بأن يزيح شاحنته من الطريق، ليتمكن من الهروب.

ولقد صدق المفكرون الإنجليز، الذين وضعوا حدا لكل العوامل والعمليات، التي تحدث الخلل في أجهزة الدولة، عبر المحظيين والمقربين، الذين يستغلون قربهم من قصر باكنغهام، للتصرف من فوق القانون، فحافظوا بذلك على نبل الملكية البريطانية التي أصبحت النموذج الراقي للحكم في أروبا.

ليحكي لنا رئيس الحكومة البريطانية السابق “طوني بلير” أنه ركب الطائرة يوما: ((وكان يتكلم في تلفونه النقال وفجأة جاءه ربان الطائرة ليطلب منه إنهاء المكالمة حتى تتمكن الطائرة من الإقلاع، فرد عليه رئيس الحكومة بلير: إنها مكالمة مهمة جدا، فقال له ربان الطائرة: لا يهمني حتى ولو كانت جلالتها على الخط، فيجيبه بلير.. في الواقع، إنها جلالة الملكة على الخط)) (الشرق الأوسط. 30/5/2013).

فرق كبير إذن، بين هذا الواقع، وواقع موظف سابق في التشريفات الملكية عندنا، وقد منع الطائرة التي كانت متوجهة من جدة إلى الدار البيضاء، من الإقلاع عدة ساعات حتى يحضر أفراد عائلته الذين كانوا يتسوقون في عمارة الملكة بجدة..

لاشك أن القراء يذكرون ما كتبته عند الاستشهاد بمذكرات روسي، المستشار الخاص للملك الحسن الثاني، والوزير السابق إدريس البصري (الأسبوع عدد 21 نونبر 2013)، كيف استغرب الكاتب الفرنسي من نفوذ الوزير البصري على الملك الحسن الثاني، حينما فاجأ البصري، والملك يخطب في البرلمان (11 أكتوبر 1998) ويعلن رغبته في الشفافية المطلقة في الانتخابات، وإدريس البصري يقول للمستشار روسي، هل تعرف ما قاله الشاعر المتنبي:

(كتبت على الرمال فجاء الريح يمسح كل شيء).

فقال له روسي لم أفهم، فأجابه البصري وهو يقصد الملك: لاشك أن هناك غشاش بيننا(…). حادثة الغش، وقعت مؤخرا، في قضية الإسباني كالفان الذي تمتع بالعفو، والضجة الكبرى التي تسبب فيها هذا الحادث، والمظاهرات التي قمعها البوليس بشكل غير مسبوق، لتؤكد المعلومات النهائية، أن الملك محمد السادس، لم يبلغ بتفاصيل الحادث إلا بعد مرور ثلاثة أيام(…) وهي جزئية يعرفها عدد ممن تعمقوا في التواريخ، وخاصة تاريخ صدور القرار الملكي، بالتراجع عن العفو.

إن المؤكد الواضح، أن المرحلة الجديدة التي دخلها المغرب، ونحن نتتبع ظروف اعتقال المدير السابق لمؤسسة وانا، وما ظهر من أسرارها وما خفى، بينما المغرب، يواجه إكراهات سياسية واقتصادية واجتماعية، خصوصا على الصعيد العالمي، وموقف بعض الأطراف الصديقة، المتأرجح بين تأثير الصداقة المغربية، والالتزامات الدولية لبعض أصدقائنا، بريطانيا تستقبل مسؤولين عن البوليساريو وتعلن دعمها لهم، وها هي إسبانيا تصبح على رأس الدول المتأرجحة، وما كان من أثر على التحول الفرنسي في قضية متابعة مدير المخابرات الحموشي، والتي كشفت التحريات(…) أنها ليست مجرد ملف شكاية مقدمة ضد هذا المسؤول في فرنسا، وأن الأمر يتعلق بحسابات وملفات أخرى(…)، قضايا نتيجة أخطاء منطلقة من مناطق نفوذ أخرى(…) لا تراعي في ارتكابها ما تدعيه من إخلاص لملك البلاد، وهي تعرف أنه بحكم مسؤولياته الواسعة، لا يمكنه أن يعرف كل ما يدور خارج أسوار القصر، وأن المسؤولية الكبرى في هذه التجاوزات، تقع على هذا المحيط الضيق للمتنافسين ممن ليس لهم أي رصيد من الارتباطات الشعبية والسياسية، رأينا استبعاد بعضهم، دون سبب ظاهر، وإنما نتيجة الصراع فيما بينهم، مثلما انتشرت هذه الأيام أخبار عن غضبات ملكية، تطمئن الرأي العام، على قاعدة الدوام لله، دون أن نسمع أن أي أحد من أولئك المقربين، سواء المغضوب عليهم أو الضالين(…)، دخل على سيدنا ليقول له مولاي: لقد حققتُ المراد، واستغنيتُ بما فيه الكفاية فأرجو إعفائي من مهامي، لأترك منصبي لمن هو أحق به.

أكيد أن المغرب يحتاج إلى تجديد عميق في الهياكل المتصرفة في شأنه، مثلما هو أكيد، أن أولئك الذين يتعرضون لغضبات ملكية متكررة، في حاجة إلى التعمق في تاريخ الغضبات الملكية، ونتائجها(…)، والرجوع مثلا، إلى ما كتبه الفيلسوف الذي سمع الملك هارون الرشيد يقول: ((نحن الملوك، إذا غضبنا على أحد من بطانتنا(…) ثم رضينا عنه، بعد ذلك، بقي لتلك الغضبة، اثر لا يخرجه ليل ولا نهار)) (كتاب التاج. الجاحظ).

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!