في الأكشاك هذا الأسبوع

أول رباطي متطوع في المسيرة الخضراء و أول رافض لمنصب مستشار شبح

      حينما قرر المغفور له الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء، وفتح أبواب التسجيلات للمتطوعين الراغبين في المشاركة في هذه المسيرة، فأول رباطي تقدم لتسجيل اسمه في قائمة المتطوعين ويحمل رقم 1، رجل ازداد سنة 1897، ولم يتكف هذا الرباطي بتقديم حياته للنداء الملكي، بل وهب قطعة أرض في ملكيته بحي العكاري، فهي كل ما يملكه وجعلها هبة لتمويل مصاريف تلك الثورة الشعبية. فهذا الشيخ الجليل والوطني الغيور الذي كان رحمه الله خطيب الجمعة بمسجد العكاري، سبق له في سنة 1929 أن تطوع لجمع المساعدات للمكافحين لتحرير فلسطين، وقاد مظاهرات في الرباط سنة 1930 ضد الاستعمار مما كلفه السجن والنفي والعذاب، وعند خروجه من السجن وعودته من المنفى، سافر إلى الديار السعودية ومن الحرم المكي بالكعبة الشريفة كان يلقي دروسا في الوعظ والإرشاد ويرفع أكفه إلى الله عز وجل لنصرة الملك والشعب على المستعمر الغاشم.

ولأنه متبحر في اعلم وحائز على عدة إجازات، أنشأ أول مدرسة للتعليم الحر بحي العكاري لإنقاذ أبناء الشعب من الجهل والتخلف الفكري وتربيتهم على الوطنية، وليعمم هذا الوعي الوطني وسط الجيل الرباطي، فتح مدارس أخرى مثل الغازية والمباركية والقجيرية والعباسية والمعطاوية  والعيساوية، وليعلن بذلك عن تجنيده لتثقيف وتعليم أبناء الرباط وتهيئتهم لخوض المعارك من أجل المملكة.

وفي سنة 1944، يدخل هذا المجاهد التاريخ من بابه الواسع، بعدما وقع على وثيقة المطالبة بالاستقلال، وإيمانا منه رحمه الله بدور المعرفة في تكوين المواطن الصالح أسس مع المؤسسين، مدارس محمد الخامس المشهورة وتكلف بإدارة إدارتها ابتداء من سنة 1947، ومنها كان ينشر حب الوطن والدفاع عن الملك، مما أغاض المستعمر، فألقي عليه القبض للمرة الثانية سنة 1952، وعذبه ونفاه خارج الرباط وطاف به على 6 محطات للمنفى مشهورة بالتعذيب والتنكيل وقساوة العيش، وما زاده ذلك إلا إيمانا وإخلاصا بمبدإ الوفاء لروح المملكة المتجسدة في إمارة المؤمنين. وانتصر الحق، وحل النصر وعاد أمير المؤمنين من منفاه وسجنه ومعه هدية الاستقلال والحرية لشعبه بفضل باقات من الرجال الأشاوس المجاهدين المناضلين المؤمنين بعدالة القضية الوطنية ونزاهة الملكية المناضلة.

وبعد الاستقلال، رفض الوطني الكبير والمجاهد المناضل، كل الوظائف التي اقترحت عليه، وعند الإلحاح الشديد، فضل التقرب إلى الله والصلاة في الكعبة، فتقبل منصب مستشار بسفارة المملكة وكانت آنذاك في جدة بالمملكة السعودية من 1957 إلى حوالي سنة 1962، ليعود إلى الرباط ويقترح عليه وزير الخارجية آنذاك المرحوم أحمد بلافريج منصب مستشار في ديوانه، ويسجل التاريخ موقفا نبيلا لهذا العائد من بيت الله، هذا الرباطي المثقل بالأمجاد، فحالما اكتشف بأنه “مستشار” شبح، سارع إلى تقديم استقالته رافضا بأن يتقاضى أجرا بدون عمل وبذلك يكون أول مغربي يحارب ويندد بالوظائف الخيالية.

هذا الطود الشامخ هو المرحوم برحمة الله الحاج أحمد الشرقاوي الذي توفي يوم 22 يونيه 1978 عن سن 80 سنة بمدينة الرباط.

وتصوروا عن سن 76 سنة، وبكل الأرصدة التي تدعم تاريخه، ولؤلؤة توقيعه على وثيقة المطالبة بالاستقلال، وأوسمة النضال التي ترصع جبينه، وكدمات المنفى السحيق، وآثار السجون والتعذيب يأبى هذا الهرم الرباطي بعد سماعه للنداء الملكي للتطوع في سبيل استرجاع الصحراء، ليكون بتوثيق من التاريخ أول من يتطوع تلبية للواجب الوطني تحت رقم 1 على مستوى الرباط.

فهذه نبذة مختصرة من حياة وطني كبير، لنتعرف عليه، وتتعرف عليه الأجيال الصاعدة في عاصمة المملكة التي تكاد لا تعرف شيئا عن التاريخ الحديث والمعاصر لجل رجال ونساء المدينة.

فعندما وهب هذا الوطني القطعة الأرضية، اعتذر المجلس البلدي في سنة 1975 عن قبولها ربما للحالة المادية المزرية للمجاهد الكبير، فبالقدر ما كان غنيا حتى الثراء بجهاده وكفاحه، كان فقيرا ولم يترك إلا تلك القطعة وسجلات من التاريخ الحافل ببطولاته، رحمه الله واسكنه فسيح جناته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!