في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما أسس صديق الملك “ديوان الملاغة”

إذا كان المخزني قد أصبح وزيرا.. لماذا لا يصبح بوحمارة أميرا

                                                                                                                                     (الزرهوني)

بقلم: مصطفى العلوي

من بين هوايات السلطان المغربي مولاي عبد العزيز (1894-1908) رياضة الرماية التي كانت تسمى “النيشان” والتي كان يمارسها بعيدا عن حراسه وعن المخازنية، خوفا من أن ينيش(…) عليه أحدهم يوما.. ليحكي الصحفي الفرنسي الذي كان يرافقه، والذي يذكر كثير من سكان الدار البيضاء، زنقة تحمل اسم “الدكتور فير”، وربما لازالت إلى الآن.. يحكي أن مولاي عبد العزيز، كان يصوب بندقيته على هدف معين، فيصيبه في أغلب الأحيان، ومرة، وهو معجب بنفسه، قدم البندقية إلى صديقه الوزير(…) المهدي المنبهي، وقال له: هل تقدر.. فأمسك المنبهي البندقية.. ونيش(…) ولكن لم يصب الهدف، فأخذ السلطان البندقية من صديقه وهو يضحك ويقول: يا ويلي، وزير الدفاع.. ولا يعرف الرماية.

ذلك أن المهدي المنبهي، كان وزيرا للدفاع، وكان في نفس الوقت صديق السلطان، وربما لم يسجل التاريخ المغربي، لا قبل مولاي عبد العزيز ولا بعده(…) أن كانت هناك صداقة أقوى من صداقة السلطان عبد العزيز مع وزيره المهدي المنبهي، فالسلاطين ليسوا أصحاب أحد.

والباحث في تاريخ تلك الحقبة من تاريخ المغرب، سيكتشف أنه من خلال هذه الصداقة، ارتبط تاريخ مولاي عبد العزيز بالمهدي المنبهي وربما كتب عن هذا الأخير أكثر مما كتب عن مولاي عبد لعزيز نفسه.

وتكمن هيمنة هذه الصداقة بين الملك ووزيره، في أن القاعدة هي أنه ليس للسلطان صديق، بل إن تاريخ الدولة العلوية فصل في موضوع صداقة السلطان كما فصل التاريخ كله في موضوع القرابة من الملوك.. فقال السلطان العالم مولاي سليمان (1792-1822) حكمته البالغة: ((نحن السلاطين.. من كرهناه قربناه.. ومن أحبنا عذبناه.. ومن أسعده الله هو من لا يعرفنا ولا عرفناه)).

وقد صدق هذا السلطان الحكيم، فعندما نصب الوزير القوي باحماد بعد موت الملك الحسن الأول (1894) ولده الأصغر مولاي عبد العزيز، تزعم رجلان في القصر الملكي، أحدهما كاتب هو الجيلالي الزرهوني الذي سيصبح بوحمارة، والمهدي المنبهي، وكان مخزنيا في باب المشور، تزعما حركة معارضة لتنصيب مولاي عيد العزيز ((وخرجا لمنع ضاربي الطبول من الاحتفال، لأنهما كانا من أنصار تنصيب الابن الأكبر لمولاي الحسن، الأمير مولاي امحمد، ولذلك تم اعتقال الزرهوني والمنبهي، وأودعا السجن)) (عبد الوهاب بن منصور. أعلام المغرب العربي).

هذا المخزني المعارض لمولاي عبد العزيز، هو الذي أخرج من السجن، وأصبح أقرب المقربين للسلطان الذي كان معارضا له، وسماه وزير الدفاع. وقارنوا مع النماذج الأخرى، الملك مولاي عبد العزيز، عين مخزني بالشاشية وزيرا للدفاع والحسن الثاني قال إني سأعين سائق سيارتي وزيرا.. وفعلا عين أحد حراس المقابر وزيرا.. والبقية تعرفونها(…).

لكن في أيام مولاي عبد العزيز، كان هناك رجال يتمتعون بنخوة الرجولة وشموخ المواقف، مثل الزرهوني بوحمارة، الذي قال قولته المشهورة: ((إذا كان المخزني المنبهي أصبح وزيرا.. فإني أقسم بأني سأصبح أميرا)) (نفس المصدر).

وفعلا ثار الزرهوني الذي أصبح بوحمارة، وأسس مملكته شمال المغرب، لعدة سنوات وأمضى مع الإسبان اتفاقية تصدير معادن الحديد، التي لازالت سارية إلى الآن وأصبح ينافس السلطان في ملكه وسجل انتصارات كبرى على جنده.

صداقة السلطان لوزيره، تنامت وتضخمت، حتى أصبح الوزراء والعلماء يطأطئون الرؤوس احتراما للمنبهي، صاحب السلطان، بينما كان آخرون ((يثيرون موضوع وضاعة أصله، وقساوته في معاملة خصومه، وهو يشق طريقه إلى السلطة، ليضيفوا أنه مصلح مزعوم(…) لأن من مصلحته أن يبقى ما كان.. على ما كان(…))) (كتاب جولة في المغرب بين المؤمنين والتجار. للكاتبة الإنجليزية ماك نيب).

فقد استولى المنبهي على السلطان خارجيا عبر تحمله لمسؤولية الوزارة، وداخل القصر، لأنه هو الذي أسس ما أصبح يعرف في تاريخ مولاي عبد العزيز “ديوان الملاغة”، واللعب، حيث كتب الصحفي المصور “فير” وهو يعترف بعضويته في “ديوان الملاغة” ((أن صديق الملك إنما كان يشغل السلطان عن واجباته الكبرى، ليترك المجال فسيحا أمام تلاعبات صديقه المنبهي.. الذي يمكن لي أن أقول أنه يأتي في الدرجة مباشرة بعد السلطان، والرجل الأكثر نفوذا قبل السلطان، والرجل القوي، إن المنبهي هو المفضل عند السلطان)) (كابرييل فير. في صحبة السلطان).

وتشاء الظروف، أن يكون مولاي عبد العزيز، هو أيضا في حالة حرب مع الثائر بوحمارة، الذي كان يكبد الجيش المغربي خسائر فادحة، وكل حرب، يكون مهيمنا عليها جانب المخابرات.. لذلك هيمن المنبهي على أجهزة المخابرات: ((لقد كان المنبهي محاطا بالأصدقاء الذين يحمونه ويخبروه بجميع المستجدات)) (زمن المحلات. لويس أرنو).

((كان شبه مفترس، وكأنه كلب الرعاة.. بعيونه البراقة وقامته الممشوقة)) (فير. في صحبة السلطان).

وكان لقبيلة مهيمنة على فاس، قبيلة شراكة، خطر دائم على السلطان، فأقدم المنبهي على التزوج من أخت قائد شراكة بامحمد.. ثم توجه المنبهي مستغلا قرابته من السلطان، ليشرع في تنفيذ مخططه لإبعاد كل المحيطين بالديوان السلطاني، لتنصيب أقربائه بدلهم.

((وكان السلطان، مثلما كان صديقه المنبهي، مبتدئان يتعلمان النفوذ بالممارسة، رغم أن المنبهي كان يعمل ما عمله قبله باحماد، لإبعاد السلطان عن الاهتمام بالحكومة، والاهتمام الخاص بالسلطان ليهيمن عليه)) (نفس المصدر).

وكان للدولة رجالها الذين يشهدون هذا الواقع المفروض عليهم، ويرون اهتمام السلطان بشؤون الدولة، دائما من خلال نظرته للواقع عبر منظار صديقه المنبهي وحده.

وبدأت أثار انشغال السلطان بما يوحيه إليه صديقه المنبهي الذي يريد أن يصبح الحاكم بأمره، تستفحل في شكل معارضة، بعد أن بدأ التذمر الشعبي يكتسح الواقع الاجتماعي المغربي، تشهد بذلك محاضر هذا التقرير الإنجليزي الذي لا شك أنه كتب من محبرة صديق آخر للملك، هو الإنجليزي “ماك لين”.

((إن السلطان قبل كل شيء حاكم مطلق، يتصرف في شؤون شعبه على أساس ما يعتقد وحده، إنه خير بالنسبة لهذا الشعب، وهو معروف أنه من بين السلاطين القساة والرحماء(…) ولكنه وجد نفسه على قمة أمواج الحوادث(…) وظن نفسه في مأمن أن يقف في وجهه رجال الدين المتعصبون(…) ودسائس أعداء بيته المالك، بينما ينطلق هو إلى شواطئ الرباط لإنعاش آرائه المتنورة، بينما المهم أن نتتبع كيف سيوفق بين آرائه الإصلاحية وبين حكمه المطلق، حينما سيكون عليه أن يصطدم بقبائل الجبال ذات الميول الجمهورية)) (كتاب جولة في المغرب بين المؤمنين والتجار. للكاتبة الإنجليزية ماك نيب).

((إن المسؤول عن هذه الفوضى، هو المنبهي، فلا تعطه أموال المخزن ليبددها يا مولاي)) هكذا كتب مؤرخ آخر، يصف رجلا شجاعا دخل عند السلطان ليوقظه من سباته.

وتلتقي مصادر المؤرخين جميعا عند موقف المنبهي، من صديقه الملك، عندما أطلعه أصدقاؤه الإنجليز على هذا التقرير المريب عن الوضعية السياسية في المغرب، حينما شعر نفسه أن السفينة قد همت على الغرق، فجمع أموال وزارة الدفاع، واستأذن الملك في السفر إلى الحج، لكنه عرج على إنجلترا ليضع أمواله بها، ويحصل على الجنسية الإنجليزية.

وخلال غيبته في الحج، دخل الوزير العجوز، ذو التجارب الطويلة، المفضل غرنيط عند السلطان، الذي افتقد المنبهي ولم يعد يخفي حنينه إلى جلساته، وقال الوزير العجوز للسلطان: ((سيدنا، لقد اشتغلنا مع آبائك من أجل المصلحة العامة للبلاد، ولكي تصبح أميرا فعلا، عليك أن تعرف أن تدخلات المنبهي الغير متناهية، وحفلاته التي ينظمها من أجلك، يهدف بها إزالتك من عرشك والزج بك في طريق خاطئة رغم أنه يريك أن كل الأمور على أحسن حال. وأجابه السلطان معك حق، إن السلطان يجب أن يحكم لا أن يمزح)) (زمن المحلات. لويس أرنو).

وفعلا كلف السلطان وزيره الأول الجديد، المفضل غرنيط بتدارك الموقف وصدرت الأوامر باعتقال المنبهي بمجرد رجوعه.

ورغم أن الأجهزة(…) كانت كلها مع المنبهي، ولا تصدق أن السلطان تنازل عن صداقته له، إلا أن الوزير الأول غرنيط كان يقول للمتشككين: ((إن الكلب لم تعد له أنياب يعض بها)) (نفس المصدر).

وبينما الحراس في كل مكان يتربصون بالمنبهي لكي يعتقلوه فور رجوعه وقائد المشور إدريس بنيعيش يضع الحرس في كل جوانب المدن، فوجئ السلطان يوما بالمنبهي يدخل عليه متحديا كل الحواجز البوليسية، بعد أن عاد إلى أصله، وتخفى في زي مخزني بالشاشية، ومر أمام الحراس دون أن يفطن به أحد إلى أن دخل على السلطان، الذي يظهر أنه شهق شوقا لرؤية صديقه: ((فقال له المنبهي: سيدنا، ماذا يريد أصحابي، إنهم يريدون اعتقالي إنها الخيانة إذن. الصداقة المتينة هي التي جعلت صديق السلطان يتهم سيده بالخيانة، ليرد عليه السلطان: لا يا المهدي أنا لم أخنك، وإنما كنت خائفا على حياتي، فقد كنت أخشى من السم إن أنا تمسكت بك)) (الحوار في الكتاب السابق).

متانة الصداقة غلبت على نصائح الناصحين، وعندما أجمع الهلعون على ضياع المغرب، بسبب صداقة الملك مع المنبهي وقرروا اغتيال المنبهي، أخبرت أجهزة الملك مولاي عبد العزيز بمخطط الاغتيال، فبادر السلطان إلى الاتصال بصديقه المنبهي، ونصحه بأن لا يغادر بيته.

وفوجئ المخزن يوما بقائد المشور يستدعي الوزراء كلهم ليخطب فيهم الملك تحت تأثير صداقته للمنبهي، وهذه فقرات من الخطاب الملكي: ((إنه أنا من يجب عليه أن يرجع النظام إلى صفوف المخزن(…) وتذكير وزرائي المتصارعين بمهامهم، والحل الوحيد هو أن يرجع المنبهي إلى منصب وزير الحرب قبل أن أبعثه سفيرا)) (خطاب مولاي عبد العزيز. في 15 نونبر 1901).

طبعا.. توقف ديوان الملاغة، وكف المنبهي عن إقامة سهراته للسلطان، واستحضار فرقة الشيخات، التي كانت تترأسها عادة الشيخة بريكة، وأقفل المنبهي عليه قصره الفخم في فاس، حيث أصبح السلطان يكلفه بإقامة المآدب لضيوفه الأروبيين ((ويطعمهم الدجاج المحشي، والغنم المشوي، والكسكس المعسل، وحلويات اللوز على نغمات الأجواق التي كانت آلاتها النحاسية تصدح في جنبات البيت على خرير المياه المتدفقة من الخصة الرخامية التي كانت تتوسط حديقة البيت)) (فير. في صحبة السلطان).

وعاش أصدقاء السلطان.. رغم أن السلطان خسر عرشه وذهب إلى المنفى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!