في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | الفراغ السياسي بعد الشعبوية.. إلى أين يسير المغرب؟

شباط يغادر البلاد والعماري يبتعد عن الرباط وبن كيران يهدد بتأسيس حزب جديد

إعداد: سعيد الريحاني 

في سنة 2012، بالتزامن مع موجة الانقلابات المدنية، وصل الحديث عن الشعبوية السياسية بالمغرب، إلى أوجه، لتكتب الصحف المغربية أن بن كيران، يتميز بـ “شعبوية الأسلوب”، بينما يتميز حميد شباط بـ “شعبوية الوعود”، وكلاهما مختلفتان عن “شعبوية تغيير المواقع” عند إدريس لشكر، والكل مختلف تماما عن رائد “التناحر الشعبوي” إلياس العماري.. وقد استمر هذا الوضع الذي يمثل ردا مغربيا على موجة الربيع العربي، التي اجتاحت المغرب منذ سنة 2011 إلى غاية انطلاق موجة السقوط المضاد، حيث بدأ الأمر بسقوط شباط، وتبعه سقوط بن كيران، لينتهي الأمر بسقوط إلياس العماري، وها هو إدريس لشكر أيضا، يتجه نحو إنهاء ولايته على رأس حزب القوات الشعبية، طالما أن القانون لا يسمح له بتجديد ولايته على رأس الحزب.. ليبقى السؤال الذي يطرح نفسه: أين اختفى كل هؤلاء بعد أن ملؤوا الدنيا بضجيجهم، وتصريحاتهم الصدامية؟

 

++++  حميد شباط يغيب عن افتتاح البرلمان من طرف الملك

 

((نعم إن الوضع المأزوم في بلادنا، ليس في حاجة لمزيد من التشخيص، لكونه أصبح حالة شعورية تتجذر يوما بعد يوم في عمق كل مواطنة ومواطن…)).. هكذا تحدث حميد شباط في رسالته إلى كافة الاستقلاليين يوم الأحد 7 أكتوبر 2018، وبينما أذكت هذه الكلمات حماس أنصاره الحالمين بعودته، تأكد حسب مصادر “الأسبوع”، أن شباط لم يحضر افتتاح البرلمان من طرف الملك محمد السادس، ليطرح السؤال عما إذا كان الأمين العام السابق للاستقلال، قد قاطع افتتاح الدورة التشريعية، أم أنه تغيب بعذر؟ ثم لماذا هذه الرسالة أصلا إذا لم تكن لدى شباط الرغبة في استئناف نشاطه السياسي، الذي تم إبعاده عنه بـ “خطة محبوكة” بدأت بتصييده في تصريح إعلامي، باعتباره أساء لحسن الجوار مع دولة موريتانيا، قبل أن يتم الانقلاب عليه داخل الحزب، بمقاطعته من طرف الرموز المعروفة في الحزب وأعضاء اللجنة التنفيذية، وهي العملية التي أسدل عنها الستار بانتخاب الأمين العام نزار البركة بالوكالة(..)؟

مصادر “الأسبوع” تؤكد أن شباط، أسر لبعض مقربيه، عن رغبته في مغادرة البلاد، بل إنه حسب مصدر مقرب، بات يخصص جزءا كبيرا من وقته لمتابعة بعض مشاريعه في دولة أوروبية، وربما قد يقرر الاستقرار هناك لقضاء مرحلة التقاعد السياسي.

قد يقول قائل أن سبب سقوط شباط، هو تصريحاته المسيئة لموريتانيا، عندما قال بأن موريتانيا أرض مغربية، والواقع أن التاريخ يؤكد ذلك(..)، لكن عندما قال شباط إن موريتانيا أرض مغربية، خرج المستشار الملكي، الفاسي الفهري، ليهاجمه عبر شاشة التلفزيون، كما تمت محاصرته نقابيا، وبالتالي، حرمانه من رئاسة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب.. وها هي تهمة شباط الذي اعتذر عن تصريحاته لموريتانيا، حكومة وشعبا، تتهاوى مع الوقت(..).

فحميد شباط الذي اتهم بالإساءة لموريتانيا سنة 2016، هو الزعيم الحزبي الوحيد في المغرب الذي زار موريتانيا بدعوة من الحزب الحاكم سنة 2013، بل إنه لعب دورا دبلوماسيا في تقارب وجهات النظر، الأمر الذي توج بشراكة مع حزبه، غير أن تلك الزيارة أفرغت من مضمونها مباشرة بعد عودة شباط إلى الرباط، في فندق “السوفتيل”(..)، وربما لم يقرأ المستشار الملكي، وغيره ممن اجتهدوا في قضية شباط حتى داخل موريتانيا، أن هذا الأخير، صرح علانية بأن ((موريتانيا أكثر ديمقراطية من المغرب)).

نهاية شباط العملية، رسمها هو بنفسه منذ اليوم الذي اصطف فيه إلى جانب عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة السابق، الذي لم يتمكن من تشكيل حكومته الثانية، وقد كان التحالف مع شباط ممكنا، لولا إبعاده عن رئاسة الجهة ومنحها لمحند العنصر.

 

+++ إلياس العماري يبتعد عن الرباط و”الرجا فالله”

 

الذين يعرفون إلياس العماري، يعرفون تعلقه بشوارع الرباط منذ أيام “الرجا فالله”، لكن العماري الذي كان يوصف في قواميس حزب العدالة والتنمية بـ “رمز التحكم”، لم يعد يظهر في الرباط، بعد أن رتب أوراقه لمغادرة سفينة حزب الأصالة والمعاصرة، تاركا وراءه رفقاءه حائرين، الذين لم يعد لهم أي طعم بعد فوزهم برئاسة مجلس المستشارين، رغم كونهم الفريق الثاني حسب نتائج الانتخابات.

“صديق صديق الملك” كما كانت تعرفه وسائل الإعلام الدولية في وقت من الأوقات، لم يعد يظهر إلا في بعض اللقطات المصورة التي تروج “فيسبوكيا”، من طرف مقربين منه، كما هو الشأن بالنسبة للحديث عن زيارة دولة أجنبية أو المشاركة في اجتماع.. فمن يصدق هذه النهاية لرجل ألحق هزيمة مدوية بكافة أعضاء “حركة لكل الديمقراطيين”، وهو الذي اشتهر بمناوراته السياسية، آخرها المناورة التي قادته إلى رئاسة جهة كاملة، بـ 147 صوتا فقط، لتكتب الصحافة عن خصائص جماعة النكور، التي يعود الفضل لإلياس في إخراجها من دائرة النكران: ((النكور جماعة قروية صغيرة، تتكون بحسب التقطيع الانتخابي، من 13 دائرة، وتجرى فيها الانتخابات بالاقتراع الفردي، ومركز هذه الجماعة هو دوار أمنود، وهو مقسم إلى أربع دوائر انتخابية. في الدائرة 2، وهي واحدة من الدوائر الانتخابية الأربع لدوار أمنود، ترشح العماري وحيدا من دون منافسين، وباسم حزب الأصالة والمعاصرة، كان قد ضمن مقعده قبل أن تفتح مكاتب الاقتراع يوم 4 شتنبر2015)).

العماري خلال مدة انتدابه، وقبلها، لم يترك أي موضوع إلا وتحدث فيه، فـ ((هوغو تشافيز، لم يرحل، ولم يمت، ولن يرحل، ولن يموت، فهو حي في قلوب الفقراء، وهو صديق الأحرار والثوار على امتداد جغرافية العالم)).. هكذا تحدث العماري مهاجما أمريكا من مقر سفارة فنزويلا في الرباط.. طبعا لا يأخذ العماري بعين الاعتبار التوجهات الدبلوماسية المغربية، فرغم كون فنزويلا من أعداء المغرب في قضية الصحراء، فهو يشيد بتجربتها، رغم أن المسؤوليين الفنزويليين، يصفون المغرب بـ “الدولة الاستبدادية”.

 

+++ بن كيران.. من إدماج الحركة الإسلامية إلى فكرة تأسيس حزب جديد

 

((بما أن المنطق يقتضي أن يكون لكل سؤال جواب، وبما أن السؤال الذي وجهته للسيد عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار يوم الأربعاء 4 يناير 2017 حول رغبته من عدمها في المشاركة في الحكومة التي عينني جلالة الملك يوم الإثنين 10 أكتوبر 2016 رئيسا لها، وكلفني بتشكيلها، وهو السؤال الذي وعدني بالإجابة عنه بعد يومين، وهو الأمر الذي لم يفعل، وفضل أن يجيبني عبر بلاغ خطه مع أحزاب أخرى، منها حزبان لم أطرح عليهما أي سؤال.. فإنني أستخلص أنه في وضع لا يملك معه أن يجيبني وهو ما لا يمكن للمفاوضات أن تستمر معه حول تشكيل الحكومة، وبهذا يكون معه قد انتهى الكلام، ونفس الشيء يقال عن السيد امحند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية.. والسلام)).. هكذا تحدث بن كيران يوم 8 يناير 2017، في رسالة تاريخية، كتبها بخط يده على وجه السرعة (انظر الصورة)، ليعلن نهاية المشاورات حول تشكيل الحكومة، فيما عرف إعلاميا ببلاغ “انتهى الكلام”، وهو البلاغ الذي مهد لإعفائه عبر بلاغ صادر عن الديوان الملكي، لتمنح الثقة في تشكيل الحكومة، للسيد سعد الدين العثماني، الذي وافق على كل الشروط التي لم يوافق عليها بن كيران، رغم أن هذا الأخير لم يكن ينفذ إلا ما تم الاتفاق عليه داخل الأمانة العامة لحزبه، ليتأكد مع الوقت، أن بلاغ “انتهى الكلام”، كان تعبيرا عن نهاية عملية لبن كيران من السياسة.

منذ ابتعاده عن رئاسة الحكومة، ظل بن كيران يتخبط بين الإعلان عن وضع مسافة مع الحزب وبين مواصلة مسيرته السياسية، ورغم التذبذب، إلا أن الثقل الذي اكتسبه مع الزمن، يعطي لتصريحاته معنى وقوة إعلامية لا تتوفر في رئيس الحكومة الحالي، فهو قادر بمجرد ظهوره، على إرباك صفوف الأغلبية، طالما أن الأمانة العامة لا تملك الجرأة على طرده من الحزب، رغم أنه يضرب التزامات القيادة الحالية بعرض الحائط.

مصادر “الأسبوع”، تؤكد أن عبد الإله بن كيران، عرض عليه بعض أنصاره، تأسيس حزب جديد، كما حصل مع أردوغان، غير أنها تبقى خطة محفوفة بالمخاطر، لذلك، وإن كان الأمين العام السابق للعدالة والتنمية لم يرفض الفكرة، إلا أنه لم يقم بما يؤكد سعيه إليها، فهو لازال ينتظر انتفاضة شعبية داخل حزب “المصباح” من أجل إعادته لواجهة الزعامة، طالما أنه يقود تيارا كبيرا داخل شبيبة العدالة والتنمية، وتيارا أكبر داخل صفوف برلمانيي الحزب، وكما يقول المثل “إذا عمت هانت”، فعزاء بن كيران في الابتعاد عن السياسة،هو سقوط كافة الشعبويين معه، ولكن الطبيعة لا تقبل الفراغ.. فكيف تقبله السياسة؟

 

+++ إلى أين نسير..؟

 

لعل واحدا من أفضل من تحدث عن حالة الفراغ السياسي المغربي، هو القيادي السابق في حزب الأصالة والمعاصرة، عبد اللطيف وهبي، الذي كتب متحسرا ما يلي: ((أخطر شعور يمكن أن ينتاب المرء، هو حين يشعر بنوع من الخواء المسيطر من كل الجوانب، يسير وهو لا يدرك إلى أين يمشي، يفكر فلا يجد موضوعا للتفكير، يرى الأزمة ولا يرى أفقا لحلها، يحاول أن يفهم فلا يعرف أي موضوع يمكن أن يتم فهمه، ينظر حوله فلا يفهم شيئا في السياسة.. ولأن السياسة تهم حياة الناس، ولأن السياسيين يقررون في مصير الناس، فإن أخطر ما يهدد العلاقة بين السياسة والناس، هي حين يحكمها الفراغ، فتختفي القضايا الجوهرية من الوجود السياسي، وتظهر مواضيع إما أن تكون زئبقية تتمدد حول نفسها، أو قضايا هامشية تصبح بسبب الفراغ، ملفات جوهرية.. إن المتتبع للحياة السياسية اليوم، ولكل ما نعيشه، وما يدور حولنا، سيشعر لا محالة بفراغ سياسي خطير، بات الجميع يطرح حوله السؤال التالي: إلى أين نسير؟ لا مشروع سياسي واضح؟ ولا مشروع اقتصادي نافع؟ ولا حتى مشروعا فكريا واعدا؟ نسقط في الهاوية من الجهل، أو كثير من الفتات الفكري، نتبادل التهم حول حقيقة الولاء للوطن وللملكية، وفي أقصى الحالات، نبعثر الاتهامات بالفساد، ونوظف بشكل انتهازي كلمات كبيرة، مثل الريع والامتيازات واستغلال النفوذ، حتى فقدنا لغة حوارنا، وأفقدنا معه للغة العربية، قيمتها وقدسيتها)) (المصدر: مقال عبد اللطيف وهبي “إلى أين نسير؟”).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!