في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | المجاهد الخطابي أفشل المخطط الفرنسي لاستغلال أمازيغ المغرب

هكذا كان الجنرال ليوطي يخطط لتقسيم المغرب إلى مجموعة جمهوريات

بقلم: مصطفى العلوي

عندما كان الجنرال ليوطي، بصدد غور خبايا وأسرار هذا المغرب الذي أصبح مستعمرة فرنسية، وصل يوما إلى استدعاء الموظف المغربي المكلف بالأملاك المخزنية، وكان يسمى الحاج عمر التازي لكي يناقش معه إشكالية تنظيم الممتلكات العقارية، وكان ليوطي محاطا بمساعديه ومستشاريه الخبراء في شؤون الاستعمار، وكان من بين الحضور المستشار العسكري الكولونيل هوو، الذي كتب: ((اكتشف الجنرال ليوطي أن الحاج التازي، إنما كان يستهدف من هذا الاجتماع حل إشكاليتين كانتا شغله الشاغل، أولا طلب من الجنرال ليوطي أن يسهل عليه مهمة تسجيل ملكية عقارية شخصية(…) في اسمه، وثانيا: مساعدته على استيراد سيارتين من نوع “كادياك” دون دفع رسوم عشرة آلاف فرنك)) (الكولونيل هوو. كتاب ليوطي).

ومادامت المحاضر قد سجلت هذه الجزئيات عن طريقة تعامل الوزير التازي في حكومة كانت محسوبة على عهد السلطان مولاي يوسف، فمن المؤكد أن ليوطي استجاب لطلبيات هذا المسؤول الذي لم يكن يعرف أنه سيدخل تاريخ المغرب بهذه الطريقة المهينة، وإن كان أغلب المسؤولين المغاربة حتى في عصرنا الحاضر(…) يستغلون أوقاتهم لقضاء مهام من نوع المهام التي كان الوزير التازي سنة 1918 مكلفا بها، ويحرص على حلها.

وبينما كان الوزير التازي يبحث عن الكادياك، كان المقيم العام ليوطي مهووسا بمشروعه الضخم الذي كان يستهدف تجريد الكيان المغربي من ظاهرة العروبة والإسلام. لنعرف أن السياسة التي أدت إلى الظهير البربري سنة 1930 كان ليوطي يخطط لها غداة إمضاء عهد الحماية، بخطورة لا تتمثل في الفصل بين عرب المغرب وأمازيغه، وإنما بمخطط أبعد منها، لا يمكن للقارئ أن يصدقها، إلا إذا تأكد من المصادر الموثقة للمخطط الفرنسي الذي كان يستهدف تحويل أمازيغ المغرب إلى دولة مشابهة لأرمينيا وكردستان(…).

((مجموعة من الاختصاصيين المحيطين بالجنرال ليوطي في مجال التعامل مع الشعوب البدائية، كانوا متأكدين بأن الشعب الأمازيغي كان جاهزا ليتحول سكان الأطلس إلى نماذج أرمينية وكردية، فيم كان هؤلاء الخبراء بصدد تعليمه للأطفال الأمازيغ في مدارسهم، بينما كان أقطاب الحماية ينفذون المقولة المشهورة.. فرق تسد)) (ليوطي والمؤسسات. دنييل ريفي).

فكيف يتصرف الحكام الفرنسيون، وكانوا بالمناسبة نموذجا في التعقل، وهم يعرفون أن عقد الحماية يحتم عليهم حماية السلطان والعرش، وهم يخططون لفصل الأمازيغ عن المغرب على طريقة أرمينيا والأكراد.

وإذا كنا نعرف أن السلطان المغربي في ذلك الزمان، السلطان مولاي يوسف، كان ضعيفا، ولا يتعدى صراعه الصامت مع الجنرال ليوطي إشكالية إصراره على إزاحة باشا الدار البيضاء التازي، والسلطان يقترح تعيين صديقه بن عبد الواحد، بينما الإقامة متشبثة بالتازي، وهي تتحدث عن الميزات الممنوحة للسلطان في إطار الانتفاع(…) وهي الممتلكات العقارية التي يمنحها السلطان للمقربين منه قصد الاستفادة منها، وهي الظاهرة التي أسسها ليوطي سنة 1912 ولازال العمل جاريا في ظل حكومة العثماني أو ما يسمى ظاهرة الأملاك المخزنية.

أما حكاية البربرية، والمخطط اليوطي الذي كان محصورا في مكتب المقيم العام، فإن سلطات الحماية سرعان ما كشفت عن مبرر لتناقض هذا المخطط مع سيادة السلطان حسب ما جاء في تقرير رسمي ((يجب العمل على تفادي انتشار الإسلام والعربية في العالم البربري)) (ليوطي والمؤسسات. دنييل ريفي).

أما الأهداف السياسية لهذا المخطط فإن ليوطي كان صريحا في نيته تعويض النظام السلطاني، بنظام جمهوري، خصوصا وأن الباحث بيكي، كان يتوسع في تحليل الجذور البربرية للمغرب انطلاقا من مكونات عنصرية: ((جذور السكان المغاربة قبل مجيء العرب، يفسر أن أصول هؤلاء السكان كانوا السكان الأبيضي اللون، يشبهون السكان الأوروبيين الأصليين وهم من الجنس الأسيري، الذين كانوا يتكلمون البربرية)) (الشعب المغربي. تأليف 1925 E. LAROSE).

باحث فرنسي آخر، نائب في البرلمان الفرنسي، اسمه ألبان روزي” طلب رسميا في البرلمان الفرنسي ((إلغاء اللغة العربية من التعامل في المغرب، وفرض اللغة الفرنسية كلغة للتعامل)) (تصريح أمام البرلمان الفرنسي، يوم 28 يناير 1914).

أما حكاية النظام الجمهوري، وقد أصبح تعبيرا واردا في جميع وثائق الحماية، فقد كرس تقرير صادر عن الإقامة الفرنسية ((أن رغبة جامحة تدفع البرابر إلى أحضان الحضارة الفرنسية، الجمهورية اللادينية)) (تقرير المقيم العام عن حالة الحماية، في 31 يوليوز 1914. الصفحات 45 و46 / كتاب ليوطي والمؤسسات. دنييل ريفي).

((بل إن القضية كانت بالنسبة للجنرال ليوطي عبارة عن مخطط رسمه المستشار العسكري الرئيسي في الإقامة، الجنرال هنري، المستعجل لممارسة التفريق العرفي ما بين العرب والأمازيغ، في إطار التخطيط لصيانة الانتشار الجنوبي للإمبراطورية الفرنسية، لإحاطتها أمنيا بحزام من مجموعة من جمهوريات بربرية(…))) (نفس المصدر).

الشيء الذي جعل المستشار السياسي في الإقامة، ناحوم سلوش يتوسع في صفحات نفس الكتاب في أطروحة ((إن المغرب ليست أصلا، له عناصر التماسك على مستوى الحكم، ولكنه مشتت انطلاقا من الفوضى القبلية)).

وإذا كانت الجذور البربرية، حسب أغلب الدراسات تجعل البربر المغاربة متأصلين من اليمن، فإن هذا التذكير تسنده هذه الأيام، الحرب اليمنية التي لم تجد لها السعودية ولا إيران، ولا حتى الدول الأروبية حلا، لا بالمال ولا بالسلاح، كما أن المنطقة الأمازيغية في شرق جنوب ليبيا لازالت منذ سقوط القذافي، ترفض كل حل للقضية الليبية، سنة 2018، وها هو المستشار العسكري للجنرال ليوطي، الكولونيل هوو، بعد تعمق في المكونات القبلية للمغرب، غداة وصول الاحتلال الفرنسي، يكتب باسم الإقامة العامة الفرنسية ((إن هذا المغرب في هذا العهد العثماني(…) متأثر بالطريقة العثمانية، حيث أن الحكم بيد الديوان، وليس السلطان هو الذي يحكم، لأن السلطان لا يحكم بقانون محدد، وليس بابا على طريقة كنيسة روما، وقد اكتشفت الحماية أن المغاربة يتوقون إلى إقامة دولة دستورية أو جمهورية)) (مذكرة الإقامة العامة. نهاية نونبر 1922).

ولاحظوا أن جميع التقارير الرسمية الفرنسية، تستنبط كل حلولها من فكرة الجمهورية الفرنسية، حتى أن الجنرال ليوطي حرص على تبليغ هذا الواقع إلى رئيس الدولة الفرنسية، الذي قام بزيارة للمغرب سنة 1922، وحرص الجنرال ليوطي على إعطاء طابع الأكاديمية لمشروعه، عبر إصدار كتاب تم طبعه بمناسبة زيارة رئيس الجمهورية الفرنسية بعنوان: “نهضة المغرب” الذي صدر باسم المستشار العسكري هويو(…) الذي كتب في موضوع بعنوان السياسة القبلية: ((لقد ملكنا البرابر، الذين كشفوا بأنهم يكرهون المخزن، ولهم طبيعة مستقلة، ترفض ولا تستسيغ حكم المخزن، ولا الحديث عنه، ولازالوا لحد الآن على سبيل المثال يرفضون تعيين القاضي لأنهم لا يقبلون شرعية القاضي)) (ليوطي والمؤسسات. دنييل ريفي).

ليعطي صاحب هذا الكتاب نموذجا عمليا لرفض البرابرة للقاضي، عبارة عن مواطن بربري تزوج فاسية عن طريق القاضي، وبربرية عن طريق العرف، وعند موته، حصلت الأزمة لأن الورثة رفضوا الاعتراف بالزوجة الأولى، ولم يقبلوا إلا الزوجة المرتبطة بقانون العرف.

فماذا أرغم الجنرال ليوطي على السكوت عن هذه المخططات، عند مغادرة المغرب سنة 1920.. ولاحظوا مرة أخرى دور الصحافة، حيث انبرى في ذلك الوقت الصحفي الفرنسي الشاب “جان لاكوتور” (انظر كتاب دنييل ريفي) الذي شن حملة على تدخل ليوطي في التخطيط لتقسيم المغرب، وكانت هذه الحملة الصحفية مناسبة لأحداث عدة، منها إعلان ثورة الريف، التي أطلقها المجاهد الخطابي من منطلقات وحدوية، ليكتب المستشار سلوش، رسالة منشورة في نفس كتاب ريفي يقول فيها لليوطي: ((هل تعرف التكوين القبيح للفوضى البربرية، وأنت يا مسيو المقيم العام مكلف بالحماية مع السلطان ولست مكلفا بإقامة دولة انفصالية على طريق النموذج التونسي، بينما المغرب فيه خمس أو ستة دول في حجم تونس)).

وينشر باحث آخر يسمى “برنار” إحصائيات بأن ((نسبة البرابر في سكان المغرب هم أربعون في المائة، وليس ستون في المائة، كما نشرت الإقامة العامة)) (الوثيقة 888 في كتاب دنييل ريفي).

وتبقى الإرادة الإلهية هي التي فرضت إفشال هذا المخطط حفظا على العناية الإلهية التي جعلت مخططات الجنرال ليوطي تبقى حبرا على ورق، وتبقى راية الإسلام مرفرفة على المغرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!