في الأكشاك هذا الأسبوع

بين السعادة.. واللاسعادة!

جميلة حلبي. الأسبوع

السعادة كمدلول على الشعور الإيجابي، باتت من المفاهيم الأكثر تداولا بين الناس في الحياة اليومية، وهي مرتبطة حسب البعض، بتحسن الظروف المعيشية وراحة البال، وخلو حياة الشخص من المنغصات الجسدية والمشاكل المالية، وتتعدد تعريفاتها ومفاهيمها حسب الأشخاص، بين من يحس بالراحة، وبين الشقي الذي يعيش دوما على أمل الإحساس بالسعادة، كما أن درجة الشعور بها تختلف بين المديين القصير والبعيد، فهي قد تدوم لفترة قصيرة، وغالبا ما ترتبط بحدث سار عابر يشعر خلالها الفرد بنشوة عابرة، ليعود بعدها إلى حالته السابقة، ويركن نفسه في زاوية الانفعال واللاسرور، والتي تعبر عن كينونته وشخصيته، بينما السعادة طويلة المدى، فهي التي تدوم طويلا، وهي التي يبحث عنها أغلب الناس، كونها تعطي الشخص شعورا إيجابيا مستمرا، ما يحسن حالته النفسية، ويجعله يعيش في استقرار دائم.

والسعادة حسب علم النفس، هي نتيجة وصول الفرد لدرجة الرضى عن نفسه وعن جودة حياته، أو أنها الشعور المتكرر لانفعالات ومشاعر سارة، تتضمن الكثير من الفرح ومسبباته، وهذا يعني أن السعادة في علم النفس، مفهوم يتحدد بحالة أو طبيعة الفرد، فهو من يقرر سعادته أو تعاسته، وأن الأمر منوط به وبطبيعة تفاعله مع الظروف المحيطة به والمواقف الحياتية التي يمر بها.

والحديث عن السعادة، ليس وليد اليوم أو العصر الحديث، فقد تطرق إليها الفلاسفة منذ العصور القديمة، حيث اعتبرها أفلاطون من فضائل النفس، التي شملت عنده الحكمة والشجاعة، مشيرا إلى أن الإنسان لا يمكنه الوصول إلى السعادة الكاملة، إلا عند انتقاله إلى العالم الآخر، في حين اعتبرها أرسطو، إحدى نعم الله وهباته على الأشخاص، محددا في الوقت ذاته، بعض الأمور التي تتشكل السعادة بناء عليها، وهي صحة الجسد وخلوه من الأمراض، وتوفر المال، والنجاح في العمل، وتحقيق الأهداف، فضلا عن سلامة العقل، والتمتع بالسمعة الحسنة بين الناس.

وفي عصرنا الحالي، ظلت حياة الناس تتأرجح بين السعادة واللاسعادة، ذلك لأنها ترتبط بمستوى الاقتصاد في كل بلد، وبالمستوى الاقتصادي والاجتماعي للأشخاص، وهو الموضوع الذي تناوله أكثر من طرف فاعل، وأكثر من منظمة، حتى أصدرت هيئة الأمم المتحدة سنة 2011، قرارا تدعو فيه الدول الأعضاء لقياس مقدار السعادة لدى شعوبها، من أجل المساعدة في توجيه سياساتها العامة، وفي أبريل 2012، عقد الاجتماع الأول للأمم المتحدة تحت شعار: “السعادة والرفاه: تحديد نموذج اقتصادي جديد”، ليصدر “تقرير السعادة العالمي”، الأول في 1 أبريل 2012، وهو مقياس للسعادة تنشره “شبكة حلول التنمية المستدامة” التابعة للأمم المتحدة، كنص أساسي للاجتماع، وقد حظي باهتمام دولي كبير، كونه أول مسح عالمي للسعادة في العالم، وحدد التقرير حالة السعادة العالمية وأسباب السعادة والبؤس والأثار الناجمة عن السياسات التي أظهرتها دراسة الحالة.

وفي شتنبر 2013، قدم “تقرير السعادة العالمي” الثاني، أول متابعة سنوية، لتتوالى التقارير كل سنة إلى الآن، ويعتمد الخبراء في تحديد سعادة الدول، على العديد من المجالات كالاقتصاد، وعلم النفس، والإحصاءات الوطنية، وكيفية قياس الرفاه، ويمكن استخدام هذه الدراسات على نحو فعال لتقييم مستوى التقدم في الأمم، وينظم كل تقرير المسائل المتعلقة بالسعادة، بما في ذلك، الأمراض العقلية، والفوائد الموضوعية للسعادة، وأهمية الأخلاق، والأثار المترتبة على السياسات المحلية لكل دولة، والروابط مع نهج منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، لقياس مستوى الرفاه الشخصي، وتقرير التنمية البشرية.

غير أن التقارير التي تصدر بخصوص السعادة، تظل نسبية إلى حد بعيد، بالنظر إلى خصوصية ما يحس به كل فرد في المجتمع الذي يعيش فيه، فكل شخص يرى السعادة من زاوية خاصة، تبعا لإحساس معين ولظروف معينة، حسب الزمان والمكان.. فبين السعادة واللاسعادة، تعددت المفاهيم، كما تعددت الأسباب للشعور بالسعادة، بين من يعيش في قصر ومن يعيش في منزل صفيحي أو كوخ، بين من يعيش في بلد تدمر الحرب كل إحساس فيه وبين من يعيش في بلد آمن ينعم فيه بعمل قار وراتب يكفيه لأن يعيش دون الحاجة لأي شيء، وفي البلد الواحد، تختلف السعادة بين من يعيش وهو يئن من المرض وبين من يتمتع بالصحة والعافية، كما بين من ينعم بعائلة وبين متشرد يفتقر لأي حياة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!