في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | “الكركرات”.. من الجنرال الوراق إلى الوزير لفتيت

إعداد: عبد الحميد العوني

بعد القرارين الاستراتيجيين للإدارة المغربية في الصحراء: أولا، بإقصاء كلميم وادنون من منطقة الحكم الذاتي، وثانيا، بتوقيع المجلسين الجهويين للعيون والداخلة وادي الذهب، على اتفاقيات دولية تعد حصرا للحكومة المركزية، أصبح واضحا أن جغرافيا الإدارة الذاتية وصلاحياتها التي تمتد إلى التمثيل الخارجي أو الدبلوماسي، لم يعودا مربكين بالنسبة للعاصمة الرباط، خصوصا وأن تمكين السلطة الصحراوية من حق “الفيتو” في رفض أو قبول اتفاقيات الحكومة المركزية، تطور إضافي لمواجهة قرار محكمة العدل الأوروبية.

هذه الطفرات الشكلية، لأنها غير مبوبة في الدستور، تطرح سؤال: هل التدبير الجاري في العيون والداخلة قادر على مواجهة تحديات إنشاء سلطة في مقابل السلطة المركزية، وهي الآن ممثلة في جهتين، سيكون إدماجهما أو إنتاج مجلس واحد من المجلسين أو انتداب مجلس آخر مع بقاء المجلسين، إحدى السيناريوهات التي تؤكد على الأزمة البنيوية ليس في العيون فقط، بل باتجاه الحدود الموريتانية، وجهة الداخلة وادي الذهب الحدودية ذات أهمية قصوى، لمعرفة مستقبل الخطتين، المغربية والأممية، الجاريتين على الأرض، فمن جهة، لا تتبع الكويرة إقليم وادي الذهب، في تقسيم وزارة الداخلية المغربية، بل تتبع إقليم أوسرد إلى جانب بئر كندوز وتيشلا وأغونيت والزوك، فيما ميجيك التي شكلت الأزمة الثانية، بعد أزمة “الكركرات”، وهدد المغرب جراءها باجتياح شرق الجدار، تتبع لإقليم وادي الذهب إلى جانب العركوب وإمليلي وبئرانزران  وأم دريكة، وكليبات الفولة.

وإن قسمت الداخلة “مناطق التوتر”، فإن الإدارة العسكرية لديها ترتيب آخر في 130.818 كيلومتر، أي حوالي 18.4 بالمائة من مجموع التراب المغربي، بواجهة بحرية تمتد على طول 704 كيلومترات (المحيط والخليج الذي يضم الكويرة)، إذ أن 74 في المائة من ساكنة الجهة حضريون، وهذا التحول كبير، فالبداوة التي ساعدت البوليساريو في حربها، يقابلها سؤال التدبير الجماعي في هذه الجهة الحدودية ضمن إدارة الحكم الذاتي.

—————-

+ في أضعف كثافة سكانية في المغرب (1.09 نسمة في الكيلومتر مربع)، يعيش خيار الحرب، إلى جانب تأسيس بنية إدارية لحكم ذاتي برأسين

 

يبدأ المغرب في إنشاء حكم ذاتي بجهتين، وبالتالي برأسين، وتعد الداخلة هي الرهان كله بالنسبة للمغرب، لأن العيون ضمن الحدود المغربية كما أقرتها “اتفاقية مدريد”، ودخل الجيش المغربي إلى وادي الذهب في 1979، دون أي مساندة إقليمية أو دولية.

وهذه الجهة التي تصل مداخيلها إلى حوالي 1.993 مليار درهم، بزيادة سنوية تبلغ 72 في المائة، يسيطر مجلسها على 64 في المائة من هذه الأموال، وتسلم 26 في المائة إلى الجماعات و10 في المائة لباقي الهياكل الإقليمية(1).

ويلاحظ المراقبون، أن الموارد المحولة من طرف الدولة، تصل إلى 81 في المائة من مداخيل التسيير بهذه الجماعات، وهو رقم لا يسمح بإطلاق إدارة ذاتية في المكان، بل يتقدم الاعتماد على التمويل المركزي للتسيير بـ 2 إلى 3 في المائة كل سنة، كما حدث بين 2016 و2017، لارتفاع مداخيل التسيير في هذه الجهة بـ 24 في المائة، وتكون الخلاصة الرسمية الأولى، أن مداخيل تسيير جهة الداخلة وادي الذهب، تتشكل في غالبيتها من تحويلات الدولة بنسبة تفوق 97 في المائة، مما يدل على ضعف مؤشر الاستقلال المالي للجهة، بل لا ينعكس ارتفاع مداخيل إقليم محدد، كما في حالة أوسرد بـ 9 في المائة عام 2016، على مجموع مداخيل تسيير الجهة.

ووصلت مداخيل الكويرة، 9 ملايين و42 ألف درهم، وهي تحت السيطرة العسكرية لموريتانيا، ولا يتجاوز الجيش المغربي التزامه بوقف إطلاق النار لسنة 1991، في منطقة “الكركرات”.

وتجاوزت ميزانية التجهيز في جهة وادي الذهب، 188 في المائة، بقرض من صندوق التجهيز الجماعي بمبلغ 405 ملايين درهم، وهكذا انتقل مجموع نفقات الجماعات الترابية لوادي الذهب من 634 مليون درهم لسنة 2016 إلى أزيد من مليار و239 مليون درهم، وفي خلاصة ثانية، يمكن القول أن حالة الحرب، رفعت نفقات وزارة الداخلية بعد أزمتي “الكركرات” و”مجيك” بـ 95 في المائة (حوالي 705 ملليين درهم) موجهة إلى الجماعات الترابية خارج الداخلة، بل نقصت 7 في المائة من ميزانية الجماعة الأم في السنة الماضية، لتغطية الحاجيات الجديدة على الحدود.

وحركت الدولة “الحسابات الخصوصية” بعد اندلاع أزمة “الكركرات”، حيث زاد الإنفاق في الداخلة بـ 27 مليون درهم في التسيير فقط، وقد قفزت نفقات التسيير الفعلية من 12.54 في المائة إلى 23 في المائة.

وحسب هذه البيانات التي أقرها القضاء المغربي، فإن جماعة الكويرة، وصلت نفقاتها إلى 8 ملايين و842 ألف درهم، كما زادت نفقات باقي جماعات خط النار بنسب متفاوتة، تتقدمها جماعة الداخلة بـ 34 في المائة، وارتفعت تمويلات إقليم وادي الذهب عن إقليم أوسرد بأكثر من 90 في المائة.

وهو ما يكشف أن النصيب الأكبر من النفقات، موجه للتسيير، خصوصا مع وجود الإدارة المدنية إلى جانب الجيش المغربي، ومن اللافت أن خطر اندلاع الحرب، كما جاء في بيان الأحزاب بمدينة العيون، حرك نفقات الشؤون الاجتماعية بـ 10 ملايين درهم في جهة وادي الذهب وحدها، مع إضافة 6.7 ملايين درهم لنفقات الدعم، وقد ارتفعت إلى 406 في المائة؟

وبـ “صفر” درهم، جاءت الشؤون الاقتصادية، وتكون جهة وادي الذهب قد دخلت بهذه المؤشرات، مرحلة أخرى بعد أزمة “الكركرات”، والتهديدات الجارية بالعودة إلى الحرب.

 

+ انعدام المصاريف التقنية والاقتصادية، يؤكد أن المنطقة تعيش في حالة حرب، خصوصا بعد إعلان العيون، وقد جمع كل الأحزاب ودعا فيه رئيس الحكومة العثماني الجيش إلى اجتياح شرق الجدار

 

كل ميزانيات الجماعات الترابية على خط النار، متصلة بالدعم، وبأموال الدولة، ومن خلال مقارنة توزيع نفقات التسيير، فإن 80 في المائة من النفقات، موجهة إلى إقليم وادي الذهب، وبارتفاع مطرد بـ 3.5 في المائة، ويكشف هذا المعطى خلاصة، مفادها أن التسيير في وادي الذهب، تطبعه الاستثنائية وأجواء الحرب منذ أزمة “الكركرات” وتداعياتها على المنطقة.

ورفعت جماعات خط النار نفقاتها الاجتماعية بشكل كبير، وتسيطر الإدارة العامة على حجم النفقات بـ 80 في المائة، إلى جانب الشؤون الاجتماعية، وهما العصبان المحركان للأمن الاجتماعي والإداري في منطقة تنزلق إلى الحرب.

 

+ التجهيز المدني، والمزدوج القابل لاستثماره في أي نشاط عسكري، تضاعف بـ 500 في المائة

 

تضاعفت ميزانية التجهيز في جماعات وادي الذهب خمس مرات، منتقلة في شهور، من 121.58 مليون درهم إلى 634.46 مليون درهم، وقد انتقلت نفقات تجهيز الجهة من حوالي 24 مليون درهم سنة 2016 إلى 489 مليون درهم سنة 2017، أي 20 مرة؟ بحيث زادت نفقات التجهيز بـ 50 في المائة، وانتقلت نفقات جماعة الداخلة من 26 مليون درهم إلى 83 مليون درهم في سنة واحدة، بإضافة تصل إلى 57 مليون درهم دفعة واحدة.

واشتغلت وزارة الداخلية على “إدارة مدنية طارئة”، لاحتواء انعكاسات التهديدات التي انزلق إليها طرفا النزاع، حسب صياغة الأمم المتحدة، لذلك، سيكون من الطبيعي القول:

1ـ أن وزارة الداخلية، مثلت الإدارة المدنية للقوات المسلحة الملكية في استعداداتها للرد، بعد انسحاب عناصر الجيش المغربي من “الكركرات”، وأيضا التهديد باجتياح شرق الجدار.

2ـ أن الداخلية تمكنت من السيطرة على الوضع وعدم السماح للعناصر الموالية للبوليساريو بالنشاط على الأرض.

3ـ أن السكان في معظمهم، حضريون، ولذلك، نجحت الوزارة الوصية في إدارة المتطلبات الاجتماعية لوادي الذهب بمرونة كافية.

4ـ أن مسألة الإقلاع الاقتصادي، بعيدة عن التخطيط الرسمي، فالمسألة متعلقة بإدارة مدنية للقوات المسلحة الملكية.

5ـ أن المنطقة العسكرية من “الكركرات” إلى الكويرة، انتقلت إلى الأمم المتحدة، وهو خيار وسط بين الأطراف الثلاثة: موريتانيا والبوليساريو والمغرب.

6ـ أن نقطة التوتر الأخرى (ميجك)، انتقلت من 249 ألف درهم إلى 643 ألف درهم، أي أن نفقات التجهيز، ارتفعت بـ 250 في المائة.

ونلاحظ بشكل خاص، أن مناطق التوتر زادت نفقاتها:

ـ جهة الداخلة: من 24 مليون درهم إلى 488 مليون درهم، بمعدل يزيد عن 2000 في المائة.

ـ جماعة الداخلة: من 26 مليون درهم إلى 33 مليون درهم، بمعدل زيادة يصل 300 في المائة.

ـ جماعة بئر كندوز: من 3 ملايين درهم إلى 8 ملايين درهم، بمعدل زيادة بـ 260 في المائة.

ـ جماعة إمليلي: من 994 ألف درهم إلى 7 ملايين درهم، بمعدل زيادة يتجاوز 700 في المائة.

ـ جماعة العركوب: من مليون درهم إلى 3 ملايين درهم، بمعدل زيادة يصل 300 في المائة.

ـ جماعة ميجيك: من 249 ألف درهم إلى 643 ألف درهم، بمعدل زيادة يصل 300 في المائة.

ـ جماعة تيشلا: من 86 ألف درهم إلى 246 ألف درهم، بمعدل زيادة وصل 280 في المائة.

ـ جماعة الزوك: من 24 ألف درهم إلى 243 ألف درهم، بمعدل يزيد بقليل عن ألف في المائة.

ـ جماعة أغوينيت: من 33 ألف درهم إلى 93 ألف درهم، بمعدل يصل إلى 280 في المائة.

وهي زيادات تؤكد أن المغرب، استطاع بنجاح:

ـ رفع الميزانية بزيادات تصل إلى 2000 في المائة في منطقة التوتر، دون حرج سياسي أو مدني، في ظل إجماع رسمي حكومي وحزبي حول موضوع الصحراء.

ـ أنه حدد ميزانية طوارئ قادتها وزارة الداخلية، وكرست تعاونها إلى جانب الجيش المغربي، في تمرين وفر عنصرين: التحكم في العنصر البشري، وعدم اختراق أنصار البوليساريو في صفوف المدنيين.

ـ أن إنفاق ميزانية الطوارئ، عبر الجيش ووزارة الداخلية، كان بطريقة متناغمة، وهو ما أكد أن مركز القيادة والسيطرة في القصر، أدار السياسة الموجهة للمدنيين والإجراءات العسكرية في الصحراء، بانسجام كاف، ودون ظهور أي فجوة.

ـ رفع النفقات التقنية من طرف وزارة الداخلية في المنطقة بـ 97 في المائة.

ـ ولرفع الإدارة المدنية في مناطق التوتر، ضخت وزارة الداخلية 16 مليون درهم إضافية، إلى جانب 49 مليون أخرى في الجوانب التقنية.

ـ وفي مجال الدعم، وتحصينا لاختراق أنصار البوليساريو، استجابت الإدارة لكل الحاجيات الاجتماعية لساكنة إقليم وادي الذهب، الموجود على خط النار، فقد ارتفع الدعم من 35 مليون درهم إلى 487 مليون درهم، أي أن قرار ضخ 452 مليون درهم (ميزانية 12 سنة في سنة واحدة؟)، هو قرار استراتيجي لربح الجبهة الداخلية، وتأمين الممتلكات، فضخت الوزارة الوصية 14 مليون درهم إضافية إلى 15 مليون معتمدة فيما يخص الممتلكات المنقولة، وأضافت مليونين ونصف المليون درهم إلى 6 ملايين درهم معتمدة لصالح الممتلكات العقارية.

 

+ المغرب قد يدير حربا سريعة في الصحراء، وتعاون الجيش ووزارة الداخلية من مركز واحد للقيادة والسيطرة، هي النقطة الإيجابية للقول: أن تحرك أنصار البوليساريو في الداخلة، شبه منعدم

 

قد يكون صرف ميزانيات 12 سنة في سنة واحدة من التوتر، دون الوصول إلى حرب، إشارة إلى صعوبات في تمويل الميزانية المدنية الموازية للحرب، لكن إدارة حرب سريعة في الصحراء، سيناريو ممكن وفعال، وأي استنزاف، سيجعل وادي الذهب ترفع ميزانياتها في الدعم الموجه لساكنتها بـ 1291 في المائة.

وهذه المبالغ كبيرة، إلى جانب التجهيز العسكري الذي يأخذ إنفاقا إضافيا بفعل تجنيده لـ 10  آلاف شاب كل سنة، لذلك، فإن ميزانية الحرب في الصحراء، ستكون مكلفة، وربما الحكم الذاتي سيكون بدوره مكلفا، ولذلك، فإن دعاة الحرب تراجعوا تكتيكيا، ربما نتيجة التكلفة الأمنية الهائلة لتفكيك احتجاجات الحسيمة، واستعدادات الحرب باجتياح شرق الجدار.

هذه الفاتورة المرتفعة، خلقت غايتين لدى صاحب القرار:

1ـ تجميد خيار الحرب لمدة معقولة.

2ـ العمل على إعادة تقدير الحالة في مناطق التوتر العسكري، دون توتر اجتماعي، كما في الإقليم الترابي لـ “الكركرات”، أي منطقة وادي الذهب، فيما تواجد توتر اجتماعي في الشمال بعيدا عن الجيش، وقد استعان المغرب بالهيكلة الجديدة للشرطة، إذ أخذت دورا متقدما في التنفيذ، لإدماج الحموشي ضمن مراكز القرار.

 

+ البيانات المحاسبية لسنة أزمة “الكركرات”

 

يقول تقرير المجلس الأعلى للحسابات لـ 2016 ـ 2017: إن سنة 2017، لم تقدم فيها العمالات، ولا مؤسسات التعاون والمقاولات والمؤسسات العمومية، أي حسابات، وأيضا خلال سنة 2016 وما قبلها.

وأكد المجلس على ملاحظات منها:

1ـ أن جميع المنتخبين، لم يقدموا أي تصريح بالممتلكات.

2ـ غياب برنامج عمل الجماعات، وفي ميجيك، التي كانت في قلب التهديد، بتعليق وقف إطلاق النار، اختارت عدم إعداد برنامجها، بفعل التطورات الميدانية.

3ـ عدم تفعيل دور اللجن.

4ـ غياب دليل المساطر الإدارية.

5ـ غياب سجلات المحاسبة المالية.

6ـ عدم التوفر على جذاذات خاصة بالعربات .

7ـ عدم التوفر على السجلات والوسائل لتتبع استهلاك الوقود.

8ـ حصة منتوج الضريبة على القيمة المضافة بـ 99 في المائة من المداخيل الجماعية، وتمثل نفقات التسيير، أزيد من 90 في المائة من مصاريف الجماعة، ويمثل معدل الأجور خلال الفترة بين 2010 و2016، حوالي 80 في المائة من مجموع نفقات التسيير.

9ـ ارتفاع نفقات التجهيز في غياب مجهود تنموي.

10ـ احتكار بعض المقاولات لجل الطلبيات العمومية.

11ـ غياب ما يفيد إنجاز الأعمال المتعاقد بشأنها، على مستوى سندات الطلب، بل صرفت جماعة مبلغ 17.116.80 درهم بواسطة سندي الطلب رقم 8/2015 و7/2016 يتعلقان بإصلاح مقر الجماعة والمستودع الجماعي، دون أن يظهر شيء لقضاة المجلس.

12ـ غياب ما يثبت توزيع خزانات المياه.

ويسود هذا النمط من التسيير، دون أن تقدم العمالات أي بيانات للقضاء المالي، وهو ما يؤكد أن عمل وزارة الداخلية، التحق بالسر الدفاعي للمملكة، ولذلك نجد:

ـ استعمال سيارات المصلحة بواسطة أوامر دائمة.

ـ عدم أداء الجماعات للضريبة الخاصة على السيارات.

ـ عدم تنظيم ومراقبة المقالع.

ـ عدم التحديد الدقيق للحاجيات.

ـ تجاوز السقف المسموح به لتنفيذ النفقة عن طريق سند الطلب.

ـ استعمال الاعتمادات المالية المخصصة للتجهيز، خلال سنتي 2015 و2016، لتسوية الوضعية المالية للموظفين في جماعة كليبات الفولة.

ـ وضع موظفين تحت تصرف إدارة أخرى.

ـ عجلات من نوع “جنرال” خلقت مشكلا، لأنها العلامة التجارية الوحيدة المطلوبة في المنطقة، مما خالف الفقرة الثالثة من المادة 5 من المرسوم 2.12.349 المتعلق بالصفقات العمومية، ولأن الظرف استثنائي، والتزاما بإقرار العمل بالمواد العادية، فقد رأى الملاحظون، أن التدبير في وضع اللاحرب واللاسلم، وأيضا التقدم إلى الحرب في مسألة “الكركرات”، أو اجتياح شرق الجدار، فرض شروطا جديدة، تحاول المنطقة التعامل معه بهدوء وروية، ولكن باستثنائية أيضا.

وبدأ التوتر في 22 غشت 2016، لرغبة المغرب في تعبيد مقطع “الكركرات”، تتميما للطريق إلى بئر كندوز والكركرات، وهو مشروع قديم قبل وقف إطلاق النار عام 1990(2).

ورأت الجزائر أن الخطوة المغربية، تمثل تهديدا وجوديا للبوليساريو(3)، ورد المغرب، باستعمال جيشه ومقدرات إدارته المدنية في الأزمة الأخيرة.

وسبق للأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كيمون، القول أن حربا إقليمية قد تندلع، جراء مشكل الصحراء، وخلقت “الكركرات” أزمة أممية، باشرها مجلس الأمن، لذلك، فاندلاع حرب، أصبح مسألة متوقعة، إلى أن وضع المجتمع الدولي ثقله لإعادة الهدوء، ولهذا الغرض، طالب بمفاوضات مباشرة بين المغرب والبوليساريو، وهو يبدي قلقه بين حين وآخر.

ويبدو من التطورات الميدانية الأخيرة، أن المغرب مستعد لأسوإ الخيارات، لأن تطوير الأزمة نحو “خيار بولتون” القاضي بسحب قوات البعثة الأممية “المينورسو”، شيء متوقع، ولدى البوليساريو خطة طارئة، كما لدى الجيش الجزائري نية اكتساح غرب الجدار، كما تؤكده “مناورات تندوف 2018” المعروفة بهذا الوصف، وسبق للحكومة المغربية في شخص رئيسها، دعوة الجيش إلى اجتياح شرق الجدار.

وسطرت الحكومة، عبر وزارة الداخلية، برنامجا مدنيا موازيا لعمل القوات المسلحة، لتأمين المناطق الحدودية، فيما ينشط أنصار البوليساريو في العيون، التي تحتضن مقر “المينورسو”، البعثة الأممية للصحراء.

وحسب الفقرة الثالثة من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن الحالة في الصحراء، فإن “الكركرات”، من المسائل غير المحسومة(4) فضلا عن الشواغل الأمنية لعمل البعثة.

وسحبت البوليساريو عناصرها ثم أعادتهم، لتبليغ رسالة إلى الأمم المتحدة، بخصوص مرور سباق للسيارات، وأكدت الأمم المتحدة على مركز للرصد على بعد 500 متر من وجود عناصر بعثتها.

وشكلت “الكركرات” أزمة واسعة شملت “تطوير استثمار المنطقة العازلة”، وهو الموضوع الذي تسكت عنه المملكة.

وترغب الرباط في استقرار الوضع الحالي، دون مفاوضات أو اتفاقيات جديدة مع جبهة البوليساريو، كي تزيد من الضغط، إذ لا حرب ولا مفاوضات إلا من خلال مقترحها للحكم الذاتي.

ولا تزال دبلوماسية “المذكرات الشفوية” التي تنهجها الأمم المتحدة، غير قادرة على تحديد الأفق نحو الحرب أو المفاوضات، فيما اعتبرت المملكة، اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة إيفاد بعثة خبراء لإجراء مشاورات متعمقة مع الطرفين، “في غير أوانها”، و”غير مناسبة”، وأن الاتفاق العسكري رقم 1، لا يزال صالحا.

وفي يناير 2018، وجه الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، رسالة إلى وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام، أعرب فيها عن القلق من الوضع المتطور في “الكركرات”، كما أعرب الأمين العام، في 6 يناير الماضي، عن بالغ القلق من مظاهر التوتر المتزايدة في هذه النقطة الحدودية.

 

+ دخلت جهة وادي الذهب ترتيبات ما قبل الحرب

 

دخلت جهة وادي الذهب، ترتيبات ما قبل الحرب، بنفس القدر الذي واصل فيه طرفا النزاع هامش المناورة المتاح، لكن الاستعدادات العسكرية والإدارة المدنية المواكبة، في خدمة “سياسة السير على الحافة”.

وذكر تقرير الأمم المتحدة في الفقرة 11، التزام المغرب بالعملية السياسية في خطاب الملك للمسيرة الخضراء، مؤكدا أن المغرب لن يقف مكتوف الأيدي، بل سيواصل النهوض بتنمية أقاليمه الجنوبية.

وتدير الداخلية، الجزء الرئيسي من العملية التنموية، وتدعم الوجود المدني وعدم اختراق البوليساريو لصفوفه باتجاهين: التأمين المدني في حال اندلاع الحرب، كي لا يصبح أنصار البوليساريو في خدمة الأجندة الأمنية للجبهة، وتأمين سلوك داخلي لإدارة الحكم الذاتي في حال اعتمادها، كي لا ينزلق الوضع إلى الاستقلال.

وفي هذه الأجواء، نرى:

1ـ بناء جدران رملية في المنطقة العازلة بـ “الكركرات”.

2ـ الأعمال شبه الحربية في المياه الإقليمية.

3ـ تحرك “المينورسو” في مساحة لا يتعدى قطرها 100 كيلومتر، انطلاقا من موقع الأفرقة بسبب التهديد بخطف أفراد دوليين.

4ـ العمليات الليلية على طرفي الجدار الدفاعي معلقة.

5ـ إعادة نشر القوات المغربية: 260 من أفرادها قادمين من أوسرد إلى بير كندوز على بعد ساعتين من “الكركرات”، وبعد 5 أيام، عادت إلى موقعها الأول.

6ـ إطلاق النار في حادثتين، حسب القوات المسلحة المغربية، في قطاعي تيشلا وبير كندوز الفرعيين، وتبعا لهذه الظروف، فإن التقدير العسكري رافقه تقدير أمني داخل المدن، لأن جل الصحراويين غرب الجدار، وتضطر البوليساريو إلى إصدار أوامر للتهدئة.

ويرى المراقبون: أن الداخلية، وليس القوات المسلحة الملكية، هي المكلفة بهذه الإجراءات، وهو ما كرس تدقيقا أكبر في صفوف حاملي الهوية المغاربة في المنطقة.

وأفاد ضخ ثلاثة أرباع مليار من العملة الوطنية لصالح التدخلات الأمنية، عبر حل المشاكل الاجتماعية، وذلك ما سبب في:

ـ عدم خروج مناصري البوليساريو أو وصولهم إلى “الكركرات”.

ـ عدم استطاعة الجبهة نقل أنصارها من العيون أو السمارة إلى “الكركرات”.

ـ فصل دينامية الداخلة عن العيون.

ـ تركيز أنصار جبهة البوليساريو على المناطق التي تحيط بالمقر العام لـ “المينورسو”، فالمسألة عسكرية في “الكركرات”، فيما هي مدنية في باقي النقط، واستطاعت وزارة الداخلية فصل الجهتين: الداخلة عن العيون، رغم جمعهما في إدارة حكم ذاتي موجه للصحراويين، بإشراف أممي وباعتراف مغربي، بأن الحل حصري لمجلس الأمن.

وفي هذا السياق، تؤكد التقارير، أن المملكة ارتكزت على وزارة الداخلية في معركتها، فالجيش تحرك 5 أيام ليعود إلى أماكنه، فيما واصلت الداخلية عملها المالي والاجتماعي والأمني والاستثماري، وهو ما يجعل وزير الداخلية، منذ إدريس البصري، رجل الصحراء أو “مستر صحارى”.

 

+ الداخلية “تشتري” الأمن، بدفع الفاتورة الاجتماعية كاملة في العيون والداخلة

 

عندما يحرك الجيش المغربي 260 عنصرا من قواته لتأمين مرور متسابقين نحو موريتانيا، يلاحظ الجميع أن الداخلية، منعت عناصر البوليساريو في الانتقال من العيون إلى “الكركرات”، ونحو مدن أخرى، فيما زادت قوتها لدفعها الفاتورة الاجتماعية كاملة في وادي الذهب الذي عرف أزمة “الكركرات”، وإطلاق النار مرتين، وغيرها من الحوادث التي تخرق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991، بعدما دعته الأمم المتحدة في الفقرة 46 من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بـ “إدارة المخاطر الأمنية”.

وفي مقابل هذه الإدارة التي تشرف عليها الداخلية، من الجانب المغربي، فإن وادي الذهب تتقدم الآن قائمة الأولويات التي لن تكتمل عند “المينورسو”، إلا في 2019.

وفي هذا السياق، فإن سنة 2019، لا تزال سنة إدارة المخاطر الأمنية بامتياز، في نظر الأمم المتحدة، وبنص الفقرة 46 من تقرير أمينها العام، وعليه، يمكن الوصول إلى خلاصتين:

1ـ أن إكمال قائمة الأولويات، لن يكون إلا بمتم 2019، بما يعني أن إدارة وزارة الداخلية لملف الأمن والاستقرار في وادي الذهب، هو الأقرب إلى الواقع القائم في المنطقة.

2ـ ارتفاع مستوى المخاطر في وادي الذهب، لذلك، تعتقد الأمم المتحدة أن “تدابير إدارة المخاطر الأمنية في الصحراء”، واجب دولي، وبالتالي، فإن الداخلية تدير في هذا السياق، أهدافا مباشرة على الأرض.

وتكون إدارة الأنشطة “المدنية الموضوعية” و”المخاطر الأمنية”، في يد واحدة، وقد أوكلت إليها الإدارة المدنية للقوات المسلحة، والتدخل الاستباقي لتأمين بيئة العمل العسكري من خلال تحييد العناصر المدنية الموالية للبوليساريو، وغيرها من الإجراءات.

ولا تدخل الداخلية في دائرة نشاطها، العمالات وإدارتها الأخرى، ضمن دائرة التدقيق المحاسباتي في الصحراء، لأنها تعتقد أن المسألة “أمنية”، تبعا لما تراه بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء.

وفي هذا الإطار، ترى المنظمة الأممية، أنها تحت القيود المفروضة، حسب الفقرة 48 من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، ورغم ذلك، فهي ستواصل تقديم تقاريرها وتحليلاتها الدورية إلى الأمانة العامة بشأن كل التطورات.

ولا تحاصر الداخلية العناصر المدنية للبوليساريو فقط، بل تعزل أيضا الأطراف الدولية ذات الصلة، ولذلك، فهي تحرص على “إدارة مباشرة لمنع التهديد من مدنيين ضد سيطرة الجيش المغربي الملتزم بوقف إطلاق النار”، وأيضا من أي اختراقات مباشرة وموجهة إلى مؤسساتها ونسيجها القبلي والجمعوي، لكن الداخلية، ضخت ميزانية 12 سنة في سنة واحدة، أي بارتفاع 1291 في المائة، وهو ما يفيد أن الحرب السريعة ضد البوليساريو، وستكون مكلفة، إن تجاوزت سنتها الأولى، وعليه، فإن الحرب ستكون مدمرة للاقتصاد.

هوامش:

  • Rapport annuel de la cour des comptes au titre des années 2016-2017.
  • Groupe banque populaire, responsabilité social / rapport RSEBP 2015 .pdf.
  • L’armée marocaine se déploie a nouveau dans zone sahraouie de guerguarat, l’Algérie patriotique, 16 sep 2017.
  • S/2018/277, 29/3/2018, report of the secretary – general on the situation concerning western sahara, par 11: (morocco would not sit by and wait for the desired solution to be found, but rather press ahead with its endeavours to promote development in (ITS) southern regions) p: 42 (as part of the minurso security risk management measures approved in february 2017, the mission’s security section developed a priority list for thier… focusing on security east the berm and intends to complete the priority list in 2018/2019).

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!