في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | مصر تتذكر الأيام الجميلة للملك فاروق

“إن حكم البلاد في ظل الأحزاب لا يأتي بخير” (فاروق)

بقلم: مصطفى العلوي

على هامش تذكيري في عدد 28 يونيو 2018 بمقولة الحسن الثاني عن الملك المصري فاروق ومصيره الذي استحقه، سمعت رئيس مصر الجديد، الجنرال السيسي، وهو ينصح بعد تجديد رئاسته بالاقتداء ببعض منجزات الرئيس جمال عبد الناصر، وكأنه ينصح مصر بأخذ الحكمة من رئيس كان يحكمها منذ حوالي ستين عاما، وربما سيكون الرئيس السيسي أكثر إيجابية، ليعود يوما، منوها بالنظام الذي سبق عبد الناصر، نظام الملك فاروق، الذي كانت مصر في عهده تعيش على ضوء الإنجازات الفكرية والفنية التي لازالت ترفع رأس مصر إلى اليوم.

وسيكون من الإيجابي التنويه إلى حقيقة أن الثورة المصرية التي قادها الجيش سنة 1952، لم تستطع رغم تناوب كبار جنرالاتها أن تحقق للشعب المصري ذلك النبوغ والاستقرار الفكري، الذي كانت تعيشه أيام الملكية.

لنبحث مع المتعمقين عن هذه الأسباب التي أسقطت الملك فاروق، والذي تكشف الحقائق المنشورة بعد الإطاحة به، من عظمة الملك إلى البؤس، حيث بعثت وزارة الخارجية البريطانية عنه، وهو في منفاه رسالة إلى السفارة الأمريكية في روما، تخبرها: ((أن الحاجة إلى المال دفعت فاروق وهو في غربته للكتابة في الصحف مقابل مبالغ مالية)).

فكيف يتم تفسير هذا التحول، الذي جعل الثورة المصرية تنطلق من الرغبة في الإبقاء على النظام الملكي في مصر، خلافا لما نشر من أخبار عن الإطاحة بالنظام الملكي، بينما الرئيس الذي نظم الانقلاب، الجنرال نجيب، عقد غداة الانقلاب، ندوة صحفية عنونتها “الأهرام” بحروف غليظة: ((بلادنا ملكية دستورية))، فسرتها بما قاله الجنرال نجيب ((إن مصر بدستورها ونحن نريد تطبيق الدستور، وهو ينص على أن مصر ملكية دستورية)).

وحتى لا يداخل القارئ شك في صحة هذا الاتجاه، تتواجد عناصر مكتوبة، تؤكد أن مجلس قيادة الثورة كان منطلقا من الاحتفاظ بالملكية، التي كانت فعلا ضامنة الاستقرار في مصر، ولكن “النظام سقط في أربعة أيام”، وهو عنوان الكتاب الذي أصدره أحد المتعاطفين مع الثورة، الصحفي محسن محمد، الذي نشر في كتابه نص الرسالة التي بعثها رئيس الثورة محمد نجيب إلى الملك فاروق، وكأنها رسالة من مفكر متذمر من تضعضع الأوضاع، ويطلب تدخل الملك، فكتب محمد نجيب: ((من أركان الحرب محمد نجيب، باسم ضباط الجيش ورجاله، إلى جلالة الملك فاروق: نظرا لما لاقته البلاد من فوضى شاملة(…) عمت جميع المرافق نتيجة سوء تصرفكم، وعبثكم بالدستور، وامتهانكم لإرادة الشعب، حتى أصبح كل فرد من أفراده لا يطمئن على حياته(…) أو ماله(…)، ولقد ساءت سمعة مصر من تماديكم حتى أصبح الخونة والمرتشون(…) يجدون في ظلكم الحماية والأمن والثراء الفاحش(…) والإسراف الماجن، على حساب الشعب الجائع الفقير، لذلك فوضني الجيش لأطلب من جلالتكم التنازل عن العرش لفائدة سمو ولي عهدكم الأمير أحمد فؤاد)) (كتاب سقط النظام. محسن محمد).

وهذه الرغبة في المحافظة على الملكية، كرسها اللورد البريطاني “كيليران” الذي كتب: ((بعد قضاء إثني عشر سنة مندوبا ساميا لبريطانيا في مصر، تبين لي وكان بديهيا أن الجيش وفي للملك)).

مبعوث بريطاني آخر، كان مشهورا في الأوساط المصرية ويسمى “كيرميت روزفلت” بعثته حكومته في الساعات الأولى للثورة سنة 1952: ((ليحاول تنظيم ثورة سلمية في مصر تحت قيادة الملك فاروق، يصفي فيها الأسلوب القديم، ويستبدله بنظام جديد)) (نفس المصدر).

نفس هذا الكتاب الذي صدر في عز أيام جمال عبد الناصر، كرس حرص الجيش على الإبقاء على الملكية، حين سرد: ((إن الجنرال دوكول أثناء الحرب العالمية الأولى سنة 1945، قال بأن الملك فاروق ذكي حاضر البديهة، وله معلومات كثيرة))، كما أن شريك دوكول في الحرب، الرئيس البريطاني تشرشيل، قال بصيغة أعمق: ((لقد وعد الملك فاروق بقوله إني حريص على إصلاح أحوال الفقراء من أبناء شعبي، ولكنه لم يفعل شيئا لأنه أحاطت به حاشية شجعته منذ أيام الدراسة(…) أن يستمتع بحياته، يلقنونه النفاق في أذنيه ليل نهار، لقد كان محاصرا في غابة مليئة بالسفهاء والانتهازيين، بينما كان يمكن أن يكون ملكا أفضل، لو أن الذين التفوا حوله، ساعدوه على الاتجاه نحو الإصلاح)) (نفس المصدر).

الكاتب الذي نقل من محيط ضباط الثورة الفكرة التي كانت تواكبهم أيام الانقلاب، وهي أنه ((لو أن الأمريكيين والإنجليز، ضغطوا على الملك فاروق، قبل الانقلاب بأربع وعشرين ساعة لتغير تاريخ مصر كله، فقد كان فاروق يتمتع بتعلق آمال الشعب به، وكان محبوبا أكثر مما أحب العراقيون ملكهم غازي)).

وإن كانت الحقيقة المخفية، كامنة في واقع سياسي كان قول: ((لقد كان فاروق يتمتع بمساندة الإنجليز، لذلك قام الأمريكيون بعزله))، وهو أقرب إلى الواقع، مادامت التوجيهات الأمريكية تعمل على مستوى الأحزاب(…)، وإن أكبر حزب في مصر، حزب الوفد، هو الذي فكر في الإطاحة بعرش فاروق، حيث كتب مؤلف آخر، عاش أيام فاروق، وأيام الثورة، في نفس المنصب المقرب من رئاسة الدولة، ويسمى صلاح الشاهد: ((إن الوفد كاد أن يخلع الملك فاروق سنة 1943، ويعلن الجمهورية، عندما كان رئيس الحكومة مصطفى النحاس، المعروف بطلاقة لسانه(…) (مثل شي ناس(…)) يكثر من التصريحات، لدرجة أن الملك فاروق أمر بأن لا يرافقه رئيس حكومته النحاس، ولا يركب معه في السيارة في الاحتفالات الدينية بعد أن صرح رئيس الحكومة النحاس بأن الملك وحاشيته سائرون في سياسة غير وطنية، حتى أصبح رمز البلاد مضغة في الأفواه(…))) (ذكرياتي في عهدين. صلاح الشاهد).

وكانت ظروف الزمان، هي التي فرضت رئيس حزب الوفد على الملك فاروق، مصطفى النحاس، الذي ذكّر يوما بفلسفة “كليلة ودمنة” التي تقول: ((إن السلطان مثل راكب الأسد لا يعرف متى يغضب الأسد ويلتهمه)).

ورغم ذلك يذكر التاريخ المصري، أن الإنجليز، عندما كانوا قوة متصرفة وحاكمة لمصر، فرضوا على الملك فاروق أن يعين مصطفى النحاس رئيسا للحكومة:

((يوم 4 فبراير 1942 تعرض الملك فاروق لأكبر إهانة حينما فرضت عليه الدبابات البريطانية، تعيين النحاس رئيسا للحكومة، وقدم له السفير البريطاني “مايلز لامبسون” وثيقة إما أن يعين النحاس، أو يتنازل عن العرش، فنصحه رئيس ديوانه حسنين باشا باستقبال رئيس حزب الوفد وتعيينه رئيسا للحكومة)) (فاروق كما عرفته. كريم ثابت).

لنفهم مدلول التصريح الأخير الذي عبر به الملك فاروق عن مشاعره الحقيقية، ساعة إبعاده من مصر في اتجاه المنفى، عندما قال تصريحه الصريح: ((إن حكم البلاد في ظل الأحزاب لا يأتي بخير))(…).

طبعا، كان الملك فاروق، سعيدا بحب الشعب له، واثقا بأن الاستقرار المصري لن يتم إلا في ظل الملكية لذلك كان يجمع بين المتعة والحكم، يحب الفن وتدخين السيجار ((يعزف على الأكورديون، ليقول لصديقه كريم ثابت: أتعرف يا كريم أني لو لم أكن ملكا، لكنت مغنيا(…) فيجيبه صديقه كريم: معلهش يا مولاي، خليك ملك أحسن)) (نفس المصدر).

صديقه كريم ثابت، وكان صحفيا وكاتبا ومثقفا، كان يرافق فاروق إلى حفلات أم كلثوم، التي كان يحبها وأنعم عليها في كل حفلة بالأوسمة، وتعجبه التصفيقات عليها، وهو يعتبرها دائما تصفيقات له، إلى أن نمت غيرته من شعبية أم كلثوم: ((عندما وقعت أنظاره يوما على مجلة، وفيها صورة أم كلثوم مع سيدة تسمى زينب الوكيل، فثار الملك وغضب، كيف تجالس أم كلثوم زوجة رئيس الحكومة مصطفى النحاس، وقال لصديقه لن أحضر حفلا لأم كلثوم بعد اليوم، ليقول له ثابت: إن السيدة أم كلثوم ليست موظفة في القصر)) (نفس المصدر).

طبعا.. كانت للملك فاروق، أكبر مشكلة ربما شغلته عن القضايا الوطنية الأخرى، وهي إشكالية أمه الملكة نازلي، التي كانت أرملة أبيه الملك فؤاد، فكانت تعيش حياتها التي أغضبت ولدها الملك(…) فغادرت مصر غاضبة واستقرت في مدينة القدس الفلسطينية، بعد أن هجرت مصر، لتستقر في فندق الملك داوود، وقال صديق الملك ثابت: ((إن الملك كان يكلفني بمتابعة ما تكتبه الصحف عن هذا الموضوع)).

وها هي مصر، ستون عاما على إبعاد الملك فاروق، لازالت تتذكره وتتذكر أيامه الجميلة، كلما كانت أم كلثوم، أو محمد عبد الوهاب، يصدحون بأغاني الأيام التي تذكر بعالم طه حسين، وتوفيق الحكيم، وجريدة الأهرام، وكل شيء أصيل في مصر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!