في الأكشاك هذا الأسبوع

خدمات المعارضة الرسمية للنظام السياسي

بقلم. عبد القادر زعري

      لا يختلف اثنان في أن النظام السياسي المغربي، تفوق في احتواء جميع المخاطر التي تواجهه، بما يملكه من ميكانزمات وآليات ضاربة في عمق تاريخ يمتد لأزيد من خمسة قرون، وهو تاريخ المخزن منذ نشوءه وإلى اليوم. فالمخزن أهم عامل في امتصاص جميع المخاطر بحكم تكوينه وهيكلته وطبيعته ووظيفته.

آخر هاته المخاطر هو الزلزال الذي عصف بجميع دول شمال إفريقيا ودول عربية أخرى، ونقصد الربيع العربي، الذي ما إن ضرب دولة إلا وتركها غارقة في البحث عن خطة طريق تسمح بالتوجه الصحيح نحو المستقبل. فقد تجاوز النظام السياسي المغربي المرحلة بطريقة هادئة وسلسة وعاد بالأمور إلى نصابها الأول تدريجيا، مستخدما الإسلاميين، رغم أن الأزمة الاقتصادية تفاقمت ومسلسل الزيادات في كل شيء استمر.

وليست هاته هي المرة المرة الأولى التي يسجل فيها النظام السياسي نجاحه في ابتلاع كل مخاطر وتهديدات حقيقية تواجهه، ففي التاريخ السياسي المغربي المعاصر، نتذكر انتصارات القصر في البداية على شوكة حزب الاستقلال وجبروته، ثم احتواءه المد الاشتراكي الذي ربطت بعض فصائله حبالها بدول عربية كالجزائر وليبيا وسوريا وحتى العراق في بداية السبعينات وامتدت أيادي بعض خلاياه لاستعمال السلاح، ثم انتصاره الحالي على المد الإسلامي، الذي حضي بشعبية واضحة وكان ظاهرة الربيع الربيع العربي.

ويعود السبب في نجاح النظام السياسي في احتواء المخاطر، واستئناسا بملاحظة الباحث الأمريكي واتربوري في كتابه الشهير، عن الملكية والنخبة في المغرب، إلى خاصية مهمة يتميز بها هذا النظام، وهي أنه، لا يعتبر نفسه معنيا بتحقيق طلبات الشعب، فطلبات الشعب لا تنتهي ولاتعنيه كثيرا، بل يركز كل جهوده في استدراج العناصر المعارضة والقيادات المحركة للشارع والمناورة بمطالب الشعب، نحو اللعبة السياسية، وإلحاقها تدريجيا بمراكز القرار ودمجها في النسق السياسي.

فالعناصر المعارضة حينما تكون خارج النسق السياسي، تكون مصدر قلق وتهديد له، لقدرتها على تحريك الشارع وتعبئة الرأي العام مما يهدد بجنوح نحو أحداث غير محسوبة العواقب، بينما حينما تكون مندمجة في النسق السياسي تصبح محافظة ومدافعة عن النظام السياسي، بمعنى أنها تصبح من عوامل الاستقرار. فالقيادات المعارضة حينما تصبح في “السلطة” تتحول من عناصر محرضة إلى عناصر تنشر ثقافة الانتظار بدعوى أن الإصلاح يتطلب التدرج والتأني وعدم التسرع، وأن الواقعية تستدعي التعاون مع العناصر المحافظة والمرونة في التصرف، والتنازل بدعوى المصالح العليا للبلد.

وهذا هو ما يفسر التضييق الممنهج الذي تخضع له بعض فصائل المعارضة التي ترفض الاندماج في اللعبة السياسية، بقواعدها المتحكم فيها جيدا من طرف القصر، وأجهزة المخزن. فرفضها الاندماج التام في اللعبة يعني رغبتها في استخدام منافع الاعتراف الرسمي، دون الاندماج في النسق السياسي. بمعنى استخدام الحرية لكسب مزيد من الشعبية دون الانصهار والذوبان في اللعبة، وهذا تهديد للنظام السياسي. لذلك لا يزال النظام السياسي حاسما في التضييق على تلك القوى ما دامت لا تدفع بممارستها إلى أقصى حد وهو تقلد المناصب التنفيذية، أهم عامل في تحييد عناصر المعارضة ورموزها.

فقيادات المعارضة بكل أصنافها، وطنية كانت مثل قيادات حزب “الاستقلال” في الخمسينات والستينات، أو يسارية مثل قيادات حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” في السبعينات ثم ووريثه الاتحاد “الاتحاد الاشتراكي” في الثمانينات والتسعينات، أو إسلامية مثل قيادات “العدالة والتنمية” في الوقت الحالي، كلها قيادات أفادت النظام السياسي بعد اندماجها في اللعبة السياسية، في تحويل جموع الجماهير الغاضبة والرافضة للوضع والمحتجة عليه، إلى كتل بشرية صابرة ومنتظرة و”متعقلة” تتفهم الواقع وتصبر عليه، وبذلك كانت نتائجها فعالة في خدمة الاستقرار وحفظ توازن النظام السياسي.

فقيادات الاستقلال بعد استفادتها من منافع الاستقلال أصبحت جد محافظة لأنها غدت جزءا من النظام السياسي، وكانت قاعدة استند إليها الملك الراحل لتأسيس دعائم دولة ما بعد الاستقلال. وقيادات اليسار المشارك في اللعبة أمنت للمغرب هدوءا لا مثيل له في عملية انتقال الحكم من ملك إلى ملك في فترة كانت فيها المملكة مشرفة على “السكتة القلبية”، وقيادات العدالة والتنمية أمنت المملكة من مخاطر ربيع اقتلع رؤساء دول وخرب دولا وترك أخرى غارقة في غموض غير واضحة المعالم.

كل هذا تحقق ليس بالاستجابة لمطالب شعبية ظلت وعلى امتداد نصف قرن، شبه تابثة وتتمحور حول محاربة الفقر والمرض والجهل وانضاف إليها لاحقا محاربة الفساد، بل تحقق تجاوز المخاطر، باستمالة القيادات المناورة بتلك المطالب ودمجها في النسق السياسي وتحويلها من عناصر تهديد للنظام إلى أعناصر داعمة له ومحافظة على استقراره. وهذا دور المخزن.

فالمخزن لم ولن يموت، في مملكة يلعب التاريخ دورا أساسيا في تشكيل ثقافتها السياسية. ووظيفة المخزن تتجلى في استغلال قداسة القرب من الملك وجاذبية التقرب منه، لاستمالة عناصر الرفض وقادة الاحتجاج، وتحويلها إلى عناصر محافظة لا هدف لها سوى نيل شرف القرب من القصر وشرف نيل الرضى الملكي. وتشكل مراسيم البيعة أقصى تجسيد لانمحاء الذات ولو كانت معارضة أمام ملك يجسد رمز الاستقرار، ومخزن يملي الباقي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!