في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | كيف أطاحت هجمات الإرهاب بأقطاب الأمن: العنيكري وبنهاشم

عندما قال إدريس البصري: إن ضباط الجيش الملكي مثل الخيول المربوطة

بقلم: مصطفى العلوي

عندما تم إبعاد الوزير القوي، إدريس البصري، وكان قد مارس جهاز الدولة بجانب الملك الحسن الثاني، حوالي ثلاثين عاما، وتعلم منه بالتأكيد، ونعم المدرسة، فالحسن الثاني هو الذي قال عنه الوزير الفرنسي السابق، ميشيل جوبير: ((لقد كان الحسن الثاني ينتظر شكل فجر كل صباح لاستقبال وتفحص ما قد تكشف عنه الخيوط الأولى لكل فجر، هل هي كارثية أو منذرة)).

ولكن صدمات المنفى الذي تعرض له الوزير البصري في باريس، بدأت رويدا رويدا تحوله إلى معارض للنظام. وهو عبر تجربته الواسعة، يعرف خطورة الملف العسكري(…) في المغرب، ليصرح لإحدى الصحفيات في سنة 2006 بقوله: ((إن الضباط العسكريين في المغرب مثل الخيول المربوطة تزمجر))، ثم تدارك الموقف ربما خوفا وأضاف: ((إنهم يريدون إرجاع الوطن كله في خدمة الملكية)) (تصريح للصحفية كراسي) (تقرير الخارجية الفرنسية. كتاب المغرب الإسلامي. نيكولا بو).

لنعيد مراجعة الغرض من تصريح الوزير السابق البصري، في هذه الأيام، التي أثارت الكثير حول صدور قرار إعادة الخدمة العسكرية، وقد انطلقت ألسنة المعارضة الإلكترونية(…) لتخييب الأغراض النبيلة لهذا القرار، والتي يعتبر أساسها هو وضع الجيش في قلب إصلاح المجتمع، عبر وقف هذه الفوضى الاجتماعية التي نعيشها.

نفس الكتاب فسر مغازي تصريح الوزير البصري وذكر ((إن هناك جنرالا كبيرا كان يتساءل معبرا عن حيرته تجاه الوضع في المغرب)).

الحيرة التي تهيمن الآن على المغرب، تجاه هذا الانقسام في الرأي الوطني حول الخدمة الإجبارية، بينما هذا التكليف هو جزء من واجب الدولة تجاه أبنائها (اقرأ الحقيقة الضائعة عدد 6 شتنبر 2018) الواجب الذي يحتم على المسؤولين(…) بالدرجة الأولى قول الحقيقة، ومصارحة الرأي العام.

وما يعلن عنه المدير الخيام المكلف في إدارة حماية التراب الوطني من اكتشافات يومية مريبة، لتسريب الأسلحة، والترتيب المتتالي للهجمات المسلحة، والتي قال عنها مؤخرا ((إنهم جهزوا تركيبة من السموم كانوا يريدون رشها على أيدي السيارات ومقابض الأبواب)) إضافة إلى رئيس القاعدة الظواهري الذي دعا بمناسبة ذكرى هجوم نيويورك في 11 شتنبر إلى شن هجمات في شمال إفريقيا، وإن كان يجب التنبيه إلى أن الخلية التي اعتقلت يوم 22 مارس 2015، ليست أول خلية، وليس بإمكانها أن تنسينا خطورة مايو 2003، هجمات الدار البيضاء، التي اعتبرت أخطر نماذج الإرهاب، قتل فيها في ليلة واحدة 45 قتيلا، خصوصا وقد كتبت الصحافة عن هذه الأحداث ((أن منظمي الهجمات، عندما تلقوا الأوامر تلفونيا من جهات خارجية بالهجوم، حلقوا لحيهم وانتزعوا جلاليبهم وقمصانهم، ولبسوا الجينات، وانطلقوا في عملياتهم الانتحارية)).

يذكر المسؤولون عن الديستي، جهاز حماية التراب الوطني هذه الأيام، أن أخطر ما في أحداث مايو 2003، هو أنها لم تطح بأرواح العشرات من الضحايا، وإنما وفي غيبة تامة للرأي العام، أطاحت بقطبين أمنيين كبيرين، الجنرال العنيكري، ومدير الأمن الوطني، بنهاشم، لأنهما اكتفيا باستعمال لغة التفاؤل(…) وعبارات الانتصار، انطلاقا من قاعدة الدنيا بخير.

ولم يكن بإمكان الأجهزة في المغرب، أن تستهين بتلك الحرب الداخلية التي نفذت يوم 16 مايو 2003 بثلاث هجمات متناسقة، وفي ساعة واحدة، على أوطيل فرح، ونادي إسبانيا، وموقع الجماعة الإسرائيلية، حيث انطلق خمسة عشر انتحاريا في تفجير أنفسهم، ويموت بعد ذلك في مراكش، بمقهى أركانة، خمسة عشر شخصا في دقائق معدودة.

وقد كان الملك محمد السادس، مواكبا لخطورة أحداث 16 مايو، راغبا في معرفة من خلفها، ولم ينشر خبر من طرف وكالة الأنباء الرسمية(…) عن المبعوث الملكي الخاص، إلى القذافي، وكان هو أعرف الناس بالإرهابيين(…) وموجهينه ((ووصل المبعوث الملكي، خليفة مدير الديستي، نور الدين بنبراهيم، الذي أصدر القذافي أمره لولده وخليفته، سيف الإسلام، ليستدعي المعارض المغربي، عبد الكريم مطيع، وكان مقيما في ليبيا، لاستنطاقه في موضوع هجمات الدار البيضاء، وبحضور ولد القذافي، ليؤكد لهم أن ما نشر باسم منظمة الصراط المستقيم، هو مجرد خزعبلات، لأن الهجمات مسيرة من طرف منظمة القاعدة)) (تقرير مرفوع إلى وزارة الدفاع الفرنسية في مايو 2003).

لنفهم كيف أن فرنسا، هي المتتبعة المواكبة لكل التحركات المغربية، لأن ملك المغرب، لا يمكنه أن يرسل نائب مدير الديستي عند القذافي، دون أن يكون ذلك في علم الفرنسيين، الفرنسيين الذين لا يشاهد المغاربة فيهم إلا الجانب النخوي مثلما لا يهم بعض الفرنسيين من المغرب إلا الجانب النسوي(…)، على شاكلة الوزير الفرنسي السابق المعروف باسم “د س ك” الذي طلق زوجته، المذيعة الفرنسية المشهورة سيغولين روايال ليتزوج بسيدة مغربية من عائلة العوفير، ويشتري لها قصرا في أطراف مراكش وهي تستقبل مرارا صديق العائلة، “جان فرانسوا كان”، مدير جريدة “ماريان”، الذي وجه سهامه للمسؤولين المغاربة، حين كتب مرة: ((إن الجهاديين(…)، هم الآن بصدد تذوق عسل الانتصار عبر تنامي غضب كل من يفقدون مناصبهم)) وكأنه يشير إلى ما حصل لأقطاب الأمن العظام في المغرب، الجنرال العنيكري والعلوي بنهاشم، الذي نقل عنهما كتاب “المغرب الإسلامي” ما حكاه المبعوث الملكي نور الدين بنبراهيم، إثر عودته من ليبيا، فحكى ((أن الملك، لما سمع التفاصيل، غضب واستدعى الثلاثي، الجنرال العنيكري، ومدير الأمن بنهاشم العلوي، والجنرال حسني بنسليمان، ليقدم لهم نسخة من تقرير بإمضاء قاضي فرنسي متخصص في شؤون الإرهاب، اسمه جان لوي برانكيير، مرفوع من طرف المنظمة الفرنسية العسكرية المعروفة “طاليس”، يعلن فيه أن أحداثا خطيرة إرهابية ستجرى في المغرب(…)، وأضاف: لأن المغرب هو أضعف دول شمال إفريقيا في مجال التعامل مع الإرهاب)).

وكان هذا هو التفسير الحقيقي لموجة التوقيف التي صدمت موقع وضخامة الجنرال العنيكري ومدير الأمن العلوي، الذين لم يطلعوا على تنبؤات الخبير الفرنسي، الذي أعلن عن قرب هجمات في المغرب، كما تم إبعاد الجنرال بلبشير.

أخطر من إطاحة هجمات الدار البيضاء بأقطاب أمنيين كبار في المغرب، موجة التعاليق الفرنسية على تلك الأحداث، أسبابها ومسبباتها، فبعد أن كتبت مجلة “جون أفريك”، المقربة من المغرب، ((أن الألسنة لا تتحرك، إلا عندما تكون البطون جائعة))، لتنشر صحف أخرى، أن مفجري أنفسهم بالقنابل، كلهم أولاد مدن القصدير، بل إن الكاتب عبد الله الترابي، اصدر كتابا عن هجمات الدار البيضاء بعنوان: “تشريح الانتحار الجماعي”، حلل فيه دور البؤس في تنامي الإرهاب، لتأخذ التعاليق من هذا التحرك الملكي تجاه أحداث الدار البيضاء، مجالا للنقاش في كل الكتب والتعاليق التي صدرت على هامش الأحداث الإرهابية في المغرب، وليكتب معلق: ((كل الآمال العالمية، كانت معقودة على محمد السادس، ولماذا لم يستمر في مسار والده الحسن الثاني، الذي أطلق نموذج الوحدة الوطنية، بتكليف عبد الرحمان اليوسفي برئاسة حكومة التناوب)).

الإرهاب إذن واقع مشترك بين أيام إدريس البصري والظروف الحالية… وكيف يخطئ أولئك الذين يقولون بأن الإرهاب محصور بين منطقة جدة السعودية ولاهور الهندية، بينما الإرهاب يولد في حضن كل مجتمع نتيجة فراغ النظام من المخططات، ونتيجة المنطق المزدوج، ونتيجة الحجز والكبت، وإذا كان كتاب المغرب الإسلامي هو الذي توسع بوسطية في مجالات تطور الإرهاب في المغرب، فإن أفيد ما في هذا الكتاب، مقدمة صغيرة كتبها الباحث المغربي رضى المريني قبل أحداث الدار البيضاء، وقبل موت الحسن الثاني، وكتب: ((لا أفهم أبدا هذه الشقاوة التي تتبعنا، أنا حزين من شأن وطني، وطن غني وسكانه فقراء، وانظروا كيف حولته سنوات هذا التسيير الرديء(…) وأية معجزة تمنعه رغم هذا من السقوط عبر هذه السنوات الطويلة من الفوضى، حيث يُستبعد الرجال المقتدرون، إن كانوا يفلتون من مطحنة الزمن)) (كتاب les puissants de casablanca. Lamrini REDA).

بقي الاهتمام الكبير، بالجدية التي تتعامل بها الأجهزة الفرنسية، مع القضايا المغربية، وهي موضوع موسع كبير، أثاره باحث فرنسي في شؤون المخابرات الفرنسية لم ينشر في المغرب منذ صدوره في أعقاب أحداث مايو 2003، ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن، رغم أنه يشرح أثار العلاقات الجزائرية على الحاضر المغربي، ويعطي الجواب على التساؤل: لماذا لا يقترب الإرهابيون من الجزائر؟

فيجيب الخبير الفرنسي الأمني الكبير، لويس كابريولي، رئيس المنظمة الفرنسية “جيوس”: ((إن الإسلاميين الجزائريين أنهوا مهمتهم(…) فيما سموه الحرب المقدسة(…) في وطنهم بعد معارك ما سمي معسكر مصطفى بويعلي التي طالت سنوات 1987-1988.

التونسيون انتصروا باغتيال الكومندان مسعود. أما المغاربة فبقوا متخلفين في هذا المجال، ولابد لهم أن يتواجدوا ويخوضوا التجربة(…) وإن كان من الواجب الاعتراف بأنهم يواجهون أخطر مكونات الإرهاب)) (المغرب الإسلامي. نيكولا بو).

فما هي حكاية بقاء المغرب وجها لوجه مع الخطر.. وكيف اعترفت فرنسا بتقدم الجزائر في فرض الاستقرار؟

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

error: Content is protected !!