في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | القوات المسلحة الملكية تبني جيش الاحتياط؟

والمستهدف أبناء القادمين من الشمال في الصحراء لمنع انزلاق الحكم الذاتي إلى الاستقلال

إعداد: عبد الحميد العوني

عشية تقديمه لمبادرة الحكم الذاتي في 2006، وقد توصل بها مجلس الأمن في 2007، منع المغرب الخدمة العسكرية، وأعادها أخيرا لتهديد قواته باجتياح شرق الجدار، وهي مساحة من 18 في المائة من إقليم الصحراء تحت مراقبة متنقلة من العناصر العسكرية لجبهة البوليساريو، لكن عودة التجنيد الإجباري، من دون تخلي المملكة عن خططها لبناء جيش مهني، أو إعلان القوات المسلحة الملكية عن جيش الاحتياط، حولت الأنظار إلى أزمة صامتة بين الدولة وجيل “الفايسبوك” الذي أنجح معركة المقاطعة، حين قاطعت الجماهير شركة نفطية للوزير النافذ في حكومة العثماني، عزيز أخنوش، وقد أوقف في وقت سابق تشكيل الحكومة إلى حين إعفاء وتنحية بن كيران من رئاسة الحكومة، وقام بتحجيم التحقيق في وفاة بائع السمك، محسن فكري، تحت إدارة وزير الداخلية حصاد، قبل أن يجري إعفاؤه هو الآخر.

 ووصلت مراكز القرار، إلى كسر المعادلة الجديدة مع الشباب وهم يواصلون نضالهم عبر الحراكات الاجتماعية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بإطلاق التجنيد الإجباري لـ 10 آلاف شاب كل سنة، وهو ما يتجاوز بقليل الحاصلين على العفو الملكي من سجون المملكة سنويا، والخوف من ملء الشارع بهذه الفئة في مقابل حمل الشباب المتنور إلى الثكنات، وتفريغ الشارع كليا، وصل إلى حد أكدت فيه المصادر أن إطلاق اسم “الشباب الملكي” على المجندين، يطابق ما أطلقته فرنسا عليهم، وهم المعروفون بـ “شباب الجمهورية”، وقرر ماكرون أن يصل التجنيد إلى شهر واحد فقط، ورأت الاستشارة الفرنسية الموجهة للمغرب، أن تحويل الشباب في الثكنات إلى “شباب ملكي”، يمكن أن يقوم بتطعيم القوات المسلحة الملكية إلى 2025، على ثلاثة مراحل.

ومحاولة ربط الخدمة العسكرية بـ “التمرد”، فكرة تقليدية لدى الفرنسيين منذ سنة 1794، استفاد منها الديكتاتور بونابارت، وكانت وقودا لحروبه، وتخوفت إسبانيا حاليا، من أي إجراء عسكري بعد “الحصار الاقتصادي” على مليلية، كما استعاد الدرك الجزائري ثلاث فرق احتياط في تندوف وحدها، رغم تركيز المحليين المغاربة على الأزمة الداخلية مع الشباب، قبل أن يتبنى المجلس الوزاري لـ 20 غشت الذي يخلد المناسبة الرسمية لثورة الملك والشعب، عودة التجنيد الذي يرفع من عدد حملة السلاح في المملكة، وهذا التحدي قد يحرف الحراكات الاجتماعية مستقبلا، ويرفع من درجة الحذر من تعبئة التنظيمات الإرهابية المتطرفة لهذه العناصر، جراء اليأس من التغيير السلمي، ومن جهة ثانية، سيزداد عدد المجندين، وقد يكونوا أداة قمع لما أطروه في وقت سابق منذ 2011، ولم تسمح الرباط في تسع سنوات فارطة، بعد اندلاع الربيع العربي، بعودة التجنيد الإجباري، لكن حراك الحسيمة وجرادة، نقل المعركة إلى أفق آخر، استعادت فيه القوات المختلفة في الريف، أسلوب جيش الاحتياط لثمانية شهور على الأقل.

+++ جيل “الفايسبوك” لم يعلن مقاطعة التجنيد الإجباري رغم معارضته لهذا الإجراء، وأرادت دوائر القرار تحريف المقاطعة، كي لا تتحرك أو تتطور إلى سقوف أعلى، بشغلها بهذه المسألة التي قد تكون الدعوة إلى مقاطعتها، خيانة صريحة للوطن، فتنفصم عرى معارضات الشارع وتتفكك، وهو ما قد يتحقق خطوة خطوة

بدأت حرب أهلية في المغرب، لأن ظروف العودة إلى التجنيد الإجباري، جاءت ضد تطلعات التحديث والدمقرطة التي يريدها الشباب، فانتهى النظام السياسي إلى الزج بهم في الثكنات، وقد استخدم جل التكتيكات الأمنية في تفكيك حراكات المدن، وأقحم القوات المسلحة الملكية في الموضوع، وهو تعقيد إضافي، وحسب المجلس الاقتصادي والبيئي المغربي، فإن معدل البطالة هو 20 في المائة، وأن نصف الشباب يعمل بأجور دنيا، و75 في المائة منهم بدون تغطية صحية، وينقطع اثنان من ثلاثة عن الدراسة(1)، ودفعت هذه الوضعية، حسب موقع “هوفبوست”، إلى اتخاذ إجراءات استعجالية، فالمسألة لا تتعلق، حسب هذه الجهة، باستراتيجية وإن قالت بوجود برنامج للملك، من أجل المزيد من الفعالية داخل السياق الجيوسياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي.

ولا يختلف المراقبون في أن التجنيد ليس طلبا للقوات المسلحة الملكية، لأنها دخلت في شوط جديد من التحديث التقني عالي المستوى، ولذلك، فالتخصص مطلب، والأجيال العسكرية ممثلة بشكل متوازن داخل الجيش المغربي، ويبقى السؤال عالقا: ما هي الجودة التي سيتمتع بها “التجنيد العسكري” لبناء جيل احتياط عسكري متقدم ومتكامل التقنيات؟

من جهة، وقفت القوات المسلحة الملكية على تعامل متقدم مع الكوارث الطبيعية والانفجارات الإرهابية، وهدد رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، بإشعال حرب والدخول إلى شرق الجدار، بعدما  قررت حكومته صياغة قانون التجنيد، وبمنطوق مادته الأولى، فهو مؤطر بالبند 38 من الدستور، والذي يوجب على المواطنات والمواطنين، المساهمة في الدفاع عن الوطن وعن وحدته الترابية.

وليكون لهذا التجنيد دور مهم، فإن دخول الشباب “ذوي الشهادات”، لا يسمح لهم بالاطلاع على آخر التقنيات التي تمتلكها القوات المسلحة الملكية، خصوصا وأن طبيبا عسكريا سابقا له لجوء سياسي في الغرب، طلب في تسجيل من ماليزيا أن يدخل الشباب إلى المؤسسة وأن يعرفوا مسارها، بل دعاهم إلى التجسس من أجل أن نعرف كيف تسير الأمور بالبلد، وهذا الشخص المعروف في الأوساط “اليوتوبية” بأنه طبيب عسكري، اقترح “أن يغير الشباب هذه المؤسسة من الداخل”، وتساعد هذه المشورة في محاولة صناعة جسور مع الفعالية المدنية، يتقدمها الشباب لتسييس الجيش، وهو ما لم يحدث منذ الانقلابين العسكريين (الصخيرات وانقلاب أوفقير).

وسيكون لشباب “الفيسبوك” رد فعل غير متوقع إن دخلوا إلى سلك التجنيد، فيما يمكن إبعادهم عن التجنيد الإجباري بتقارير من الدرك، وباقي الأجهزة.

وحسب التقديرات الأولية فإن:

1ـ قادة الرأي في وسائل الاتصال الاجتماعي، لن يستدعوا إلى التجنيد.

2ـ الحاملين لشهادات تقنية عالية، لن يكونوا في اللوائح الحالية.

3ـ دخول شباب لحمل شهادات متقدمة في الجيش في الميكانيك أو الكهرباء وغيرها من التخصصات، لن يكون متاحا إلا في إطار “التقنيات المزدوجة”.

وجمدت القوات المسلحة المغربية مشاريع متقدمة في التصنيع الحربي، قد تكون فئات من الشباب متعطشة للعمل فيها، لكن التجنيد لا يسمح سوى بالعمل على فئة “المشاة”، وكانت قاعدة العقيد العيساوي بالراشيدية، في أجواء الحرب، قد عرضت مجندين لتدريب على الدبابات الروسية “تي ـ 72” وشاركوا في مناورات “التكنولوجيا العسكرية”، لكن التركيز قاس لمواجهة الصعوبات الطبيعية أو التفجيرات الإرهابية.

+++ القانون رقم 44 – 18 المثير للجدل؟

اختار الملك رئاسة المجلس الوزاري في العيد المخلد لذكرى ثورة الملك والشعب 20 غشت 2018، لتمرير القانون 44 – 18، قصد إبراز أن التجنيد الإجباري مرتبط بخروج الشعب إلى الشوارع، رفضا في السابق، لنفي الملك محمد الخامس في عهد الاستعمار، وللرد حاليا على خروج الشباب إلى الشارع لمطالب تشغيلية أو تنموية.

وجاء القانون 44 – 18 كاشفا عن عجز النموذج التنموي، كما اعترف به الملك في افتتاح السنة التشريعية.

وطبقا للمادة 38 من الدستور، القاضية بمساهمة المواطنين والمواطنات في “حماية الوطن ووحدته الترابية”، فإن استصدار هذا القانون، مرتبط بالتطورات الحدودية شرق الجدار في الصحراء، وبالحصار الاقتصادي لمليلية، وهو ما دفع الإسبان إلى تفسير مسألة عودة التجنيد إلى تفكير المغرب في حروب محتملة بالمنطقة، وإن رأت فرنسا أن الرباط لا تريد حربا في المستقبل القريب، لكنها تتجه إلى بناء جيش احتياط في رؤية جديدة لـ “المكتب الخامس” للقوات المسلحة الملكية، ومعروف أن الجنرال الوراق، القادم من هذا المكتب، أطاح أخيرا بقيادة المكتب وقام ببناء استراتيجية أخرى.

ويحاول الجنرال الوراق أن يؤسس مرحلته، على نقاش اجتماعي حول “عودة التجنيد الإجباري” الذي يبعد المدانين بعقوبة جرمية تتجاوز 6 شهور نافذة، بما يؤسس لأمرين:

1ـ أن التجنيد لن يخفف من الجرائم، لكنه سيغير من الكفاءات ومستوى الإرادة الجماعية.

2ـ أن التجنيد مفتوح في حق المعفيين، لزوال أسباب الإعفاء، إلى سن 40 سنة، حسب منطوق المادة 4 من القانون، وهذه الفترة تفسر البعد العسكري لهذه الخطوة، فهل يريد الجيش المغربي خلق فائض القوة لاستثماره؟ والإجابة الإسبانية تجيب بالإيجاب، لأن هذه الورقة توازن معنويا التنازل المطلوب من مجلس الأمن، والخاص بإطلاق مفاوضات بين المغرب والبوليساريو.

إن إقرار التجنيد الإجباري في ظرف تفاوضي مع البوليساريو، رسالة إلى الداخل، تؤكد على أن الخطوة تكتيكية من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الضغط على سقف المفاوضات بهذا الإجراء العسكري، مقصود كي يتأكد الجميع أن أقصى ما يقدمه المغرب، هو الحكم الذاتي، ومن المهم في هذه المرحلة، تجنيد أبناء الصحراويين الوحدويين كي يتشبثوا بخط آبائهم من جهة، ومن جهة ثانية، كي يتمكن هؤلاء الشباب، المنحدرون من الإقليم، من العمل من داخل مؤسسات الحكم الذاتي على ربط إقليم بالمؤسسة المركزية.

+++ القانون 44 – 18، يسمح بتجنيد أبناء الصحراويين الوحدويين في مقابل أبناء البوليساريو المدربين بدورهم على السلاح، وعقيدة الدولة المعلنة من جانب واحد، متمثلة في توازن مؤسسات الإدارة الذاتية بإشراف أممي، ومن الصعب ترك فئة الشباب لصالح الجبهة

تكاد التقارير السرية، تجمع على تزامن تغيير قيادة “المكتب الخامس” للقوات المسلحة الملكية (استخبارات الجيش) والتجنيد الموجه لأبناء الصحراويين الوحدويين، للحد من النزوع الانفصالي لفئة الشباب في الإقليم المؤهل لإدارة ذاتية بإشراف أممي، ولهذا الإجراء أهداف منها:

أ ـ الاعتماد على جيل صحراوي جديد، مجند لأكثر من سنة وإلى 18 شهرا في صفوف القوات المسلحة الملكية، وهو كنز استراتيجي للمغرب في محاولته إرساء الحكم الذاتي الموسع في الصحراء، بما يخدم استراتيجيته العامة.

ب ـ أن قدرة الجيش المغربي على بناء أجياله في الصحراء، وباقي المملكة، إعادة تأطير اجتماعي يساهم فيها الجيش بفعالية.

ت ـ استهداف الشباب الذين ولدوا في الصحراء من آباء قادمين من الشمال، سيرفع من تأمين الإقليم، وعدم انزلاق مؤسسات الحكم الذاتي إلى الاستقلال.

وسيحمي التجنيد المرتفع لأبناء الصحراويين الوحدويين، والمولودين من أبناء قادمين من شمال المملكة، الإقليم من 60 في المائة من المخاطر كما تقدرها المؤسسات الدولية.

وحسب القانون رقم 44 – 18، فإن كل شروط التجنيد مطابقة لباقي العسكريين في القوات المسلحة الملكية، فالإلباس والإطعام مجانيان كيفما كانت الرتبة، وحسب المادة 10 من هذا القانون، فإن المجندين لديهم الحق في الاستشفاء في المستشفيات العسكرية والتغطية الصحية والتأمين في حالة الموت والمساعدة الطبية والاجتماعية داخل هذه المؤسسات.

+++ حسب المادة 12 من القانون 44 – 18، فإن كل المجندين أعضاء في جيش الاحتياط، حسب الحاجة

يساعد القانون 44 – 18 على بناء جيش احتياط تعتمد عليه القوات المسلحة الملكية، حسب الظروف الطارئة أو القائمة على حرب، ويمكن القول أن هذا القانون، تختزله المادة 12 لأسباب منها:

1ـ أن المجند، هو جندي في الاحتياط، محكوم بقانون الانضباط العسكري بعد الخدمة.

2ـ أن المجند لسنة (12 شهرا) طبقا للقانون العسكري، هو جندي مدى الحياة.

3ـ يحرم، بناء على هذه المادة، حرمان 10 آلاف شاب كل سنة من المشاركة في فعاليات النضال الاجتماعي، لكن الواقع، يثبت، كما في إسرائيل، أول بلد يعتمد على كل مواطنيه جيشا للاحتياط، أن كل السياسة الحزبية، مبنية على المجندين والجنرالات السابقين في الجيش، وهو ما سيؤهل المغرب، إلى تكوين قيادات حزبية جديدة، ستكسر ولاشك دائرة النفوذ الحالية، وستبني أخرى، من أناس مارسوا الجندية.

4ـ أن المجند بنص المادة 6، محكوم بالقانون 108 – 13 المتعلق بالعدالة العسكرية والقانون 01 – 12 المتعلق بالضمانات الأساسية الموجهة للعسكريين.

+++ المجندون محصنون من المتابعة في مواجهة أي تهديد داخلي أو خارجي، ويكون القرار العسكري قد وصل إلى مرحلة حساسة، لأن “حصانة التجنيد الإلزامي”، تجعل المجند والعسكري، على قدم المساواة في تنفيذ القرار العسكري، دون تحفظ، ولذلك، فإن استخدام المجندين في الحروب، له صياغة قانونية كاملة في منطوق القانون الجديد

لجيش الاحتياط استراتيجية قائمة، إلى جوار استخدام القوات الخاصة في الصحراء، فاعتماد الاستراتيجيتين أو جمعهما أو بناء استراتيجية ثالثة على إثرهما، ضمن خيارات العمل الميداني للقوات المسلحة الملكية، وقد اعتمد الدرك في تفكيك مخيم “إكديم إزيك”، على تلامذته باعتبارهم مجندين في صفوفه.

وحاليا، فإن 30 ألف مجند إلى سنة 2021، تاريخ الانتخابات التشريعية القادمة، رقم سيقلب كثيرا من المعطيات داخل الأوساط العامة، لأن 20 ألف مجند، ستكون قد عادت إلى قواعدها المدنية، وستعزز هذه الإجراءات من “احتواء الفئة الشابة”، لأنها تخدم في اتجاهين:

أ ـ التمتع بالحصانة داخل المؤسسة العسكرية، فيما يواجه الشارع التعرض السريع للتدخل الأمني، لأن تحصين الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، نزل إلى درجات دنيا.

ب ـ عدم المحاسبة، تعزيزا للعقيدة العسكرية المبنية على قانون 01 – 12، فيما يطالب الشعب برفع منسوب المحاسبة، بل إن الصحراء مؤهلة لمحاسبة دقيقة، في حال بناء إدارة ذاتية بمعايير دولية في الصحراء، وتحصين الجيش المغربي بهذا القانون لمنع رفع دعاوى ضد رجالات الجيش في المحاكم الدولية، من خلال ما يقوم به في الصحراء، جزء لا يتجزأ من الهدف الرئيسي للاستراتيجية الحالية.

+++ الوعي المدني يقابل وعيا عسكريا مضادا يفرزه الجيش عبر إجبارية خدمته، خصوصا وأن “واجب الضمير” حق إنساني يسمح برفض الخدمة العسكرية، وهو ما لم يعترف به القانون المغربي، ولا يتماشى، بطبيعة الحال، مع الحقبة الحديثة، وقد طالب الشباب منذ 2011، بمزيد من التحديث ومدنية الدولة

طبقا للمادة 6 من القانون 44 – 18، فإن المجندين يخضعون للظهير 1ـ74ـ383، المتعلق بالانضباط العسكري للقوات المسلحة الملكية، ولم يحدد أو يذكر فترة التجنيد الإلزامي، بل يقول بـ “المجند”، ومجرد تحول مواطن إلى “مجند”، يلزمه الظهير.

واستدعى هذا التقدير، تخوفات كبيرة بأن الوعي العسكري مرتبط بإجبارية الخدمة، حيث حضرت للحد من الوعي المدني الذي بزغ في 2011 مع الحراك الشبابي لـ 20 فبراير، وتوسع مع حراكات المدن والقطاعات، وتدخل مبضع النظام لفصل جزء واسع من الطيف الشبابي عن الدينامية الحالية.

وأمامنا مغامرة دقيقة، إما أن ينتقل الوعي السياسي الحالي إلى داخل المؤسسة العسكرية، أو تجري عسكرة الاحتجاجات المدنية، ويستبعد مراقبون كثيرون السيناريو الدموي في المملكة، ولذلك، فعسكرة الاحتجاجات، بعيدة حسب منظورهم، رغم صعوبة القطع بأن ما يجري، هو “تحول إيجابي لصالح النظام”، و10 آلاف شاب متخرج من سلك الجندية يضاعف “رقم تعبئة العدل والإحسان، وباقي الأحزاب والمنظمات غير الحكومية”.

+++ التجنيد العسكري، سيرفع التعبئة إلى ما يزيد عن معدل انضمام الشباب إلى الجماعات الراديكالية وباقي الأحزاب

إلى الآن، لم يظهر إقصاء أي فئة أو حزب في لوائح التجنيد الإجباري، ورفعت الرباط سقف التجنيد إلى عشرة آلاف شاب سنويا، خارج المرضى والممدرسين والمعيلين لعائلاتهم، بما يجعل التعبئة تزيد عن 80 في المائة من الفئة النشيطة القائدة لصفوف شباب المغرب.

ومن المخيف، حسب تصريحات الشبيبة الطليعية، أن يكون السياق قد فرض إعادة السخرة إلى علاقة الشباب بغيرهم، لأن المشكلة، تحرير الأرض وتحرير الإنسان معا، ومن الصعب فصل “تحرير الإنسان” عن هذا المسار، وتطارح الرافضون والراغبون في التجنيد، نقطا حساسة منها:

1ـ التجنيد مرتبط بالوطن، وتحرير جزء من الشمال، صار عنوان المرحلة بين الشباب والجيش، خصوصا بعد بيان الشبيبة الطليعية، وقد ردت السلطات على هذا التقدير بما يسمى في الإعلام الإيبيري، “الحصار الاقتصادي على مليلية”، الثغر المحتل من طرف إسبانيا.

2ـ الوصول إلى غير “الملكيين من فئة الشباب”، صار ممكنا وقانونيا.

3ـ تحصين الشباب المجند من المشاركة أو قيادة الاحتجاجات، لسريان قانون الانضباط العسكري بعد التجنيد والخدمة، كما هو سار أيضا، استدعاء الأشخاص بزوال أعذارهم إلى الأربعين سنة.

+++ لا يلزم القانون المؤسسة العسكرية بتأهيل الشباب مهنيا أو تقنيا، بما يجعل التجنيد، تأهيل معنوي لصالح المجندين؟

من اللافت، أن القانون، يذكر التأهيل المهني أو التقني للمجندين على سبيل الضرورة، ولا يلزم الجيش بهذا التأهيل، وعليه، يلاحظ المراقبون نقطا عديدة:

1ـ تركيز فترة التجنيد على الفكرة المعنوية للجيش.

2ـ تركيز التجنيد الإلزامي على الانضباط العسكري.

3ـ عدم تحديد القانون لمستوى معين من التأهيل التقني والمهني للمجندين، ولا يبقى لمفهوم “الضرورة” كما في النص، سوى “الحرب”، وهذه الحالة غير معلنة من جانب القوات المسلحة الملكية.

وعلى هذا الأساس، فإن البندين اللذين يجري على قاعدتهما التجنيد الإلزامي، هما: البند 37 والبند 38.

وأمام كل الشروط التي منحها القانون لصالح الجيش، فإن المجند محكوم بكل ضوابط القوات المسلحة الملكية بعد الخدمة، دون أي استفادة تخدم مستقبله، بما فيها تقييم الأحداث التي جرت، وأيضا كل المعلومات والوثائق ذات الصلة.

وعلى هذا الأساس، فإن نشر أي مجند لتجربته، ستكون تحت طائلة القانون بنص المادة الثالثة عشر منه، وبالتالي، فإن القانون العسكري، يشمل التجارب الشخصية تحت طائلة “أسرار الدفاع الوطني”، بل إن عدم الاستجابة للاستدعاء، يوجد تحت طائلة الحبس إلى ثلاثة أشهر وبغرامة من 2000 درهم إلى 5 آلاف درهم.

+++ تحصين قانون الخدمة العسكرية للمجند في النزاعات، أعطى رسالة إقليمية تجاوزت الداخل، وهي رسالة قصدتها المملكة، لأن العودة إلى التجنيد، جاءت لأسباب داخلية، غطتها إشارات إلى الخارج

من الصعب تحصين المجند في النزاعات، إلا إن كان المقصود هو تأسيس جيش احتياط، وهو قرار استراتيجي لصالح الجيش المغربي لإضافته 10 آلاف مقاتل كل سنة، فيما تريد دوائر القرار، معالجة وضع 300 ألف شاب بين 18 و24 سنة، دون رفع لميزانية القوات المسلحة الملكية.

ومن 73 مليار درهم، يمكن رصد إطعام وإلباس 10 آلاف مجند، ودفع أجر شهري يصل إلى 20 مليون درهم، وبمعدل سنوي يصل إلى 240 مليون درهم، وتكون التكلفة السنوية للتجنيد، هي 300 مليون درهم، وهو مبلغ هام، سيشكل تحديا آخر.

إن تحمل القوات المسلحة الملكية لغلاف مالي من 300 مليون درهم في ميزانيتها السنوية، يؤكد أن:

أ ـ العمل على التجنيد الإلزامي، لم يكن موضوعا طارئا أو مستعجلا، بل قرارا منذ الشهر الرابع من حراك الريف.

ب ـ قرار عودة التجنيد الإجباري، وافق عليه عبد الإله بن كيران قبل نقل رئاسة الحكومة إلى سعد الدين العثماني.

ت ـ القوات المسلحة الملكية، أعدت نفسها لوجستيكيا لتدريب 10 آلاف مقاتل، واستدعت الاحتياط، في وقت سابق بـ “الكركرات”، قبل أن تقرر استقبال المجندين الجدد.

ث ـ جيش الاحتياط بالمملكة، يحتاج إلى أفواج جديدة، بعد الاستقراء الذي وقع الجيش على لوائحه في استدعاءات أنجزتها القوات المسلحة الملكية في أزمة “الكركرات” و”المحبس”، ثم أجلها لستة شهور، واعتمد فيها الملك، رئيس مجلس الوزراء ورئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، على قانون الخدمة العسكرية مجددا.

وقدرت بعض المصادر الخارجية، أن الخطوة ترفع النفقات بإضافة 34 ألف منصب شغل إضافي، أي بحوالي 1 في المائة إضافية من نفقات الدولة.

وبتبني هذا الإجراء، ستتمكن الدولة، لاعتمادها نظام الخدمة العسكرية، من:

1ـ خفض نقطتين من البطالة: من 22.05 في المائة إلى 20.04 في المائة، وتبنى المجلس الاقتصادي والاجتماعي نسبة 20 في المائة قبل تبني قانون الخدمة العسكرية، وهو ما يؤكد عند البعض، أن المجلس على دراية باعتماد دعوة التجنيد، أو أن النسبة قد تنزل إلى 18 في المائة، وتفضل الدوائر الأنجلوفونية، الخلاصة الأولى.

2ـ أن تجنيد 10 آلاف شاب في السنة، يعني تجنيد المؤسسة العسكرية لـ 25 في المائة كل سنة من هذه الفئة المستهدفة بين 18 و25 سنة، وهو رقم مهم يساوي ربع من ليس لديهم شغل، ولا يبحثون عن عمل وبدون تكوين.

ويمكن استنتاج، أن الجيش، ولأول مرة، يتدخل لإنقاذ سياسة عمومية من خلال القانون 44 – 18، وقد فصلها خطاب ملكي موجه للعموم، ويمكن في هذا الصدد:

1ـ مشاركة المجندين في الخدمة (مدنية أو عسكرية) لصالح الأوراش الكبرى، وقد يفتح الجيش تعزيز ما يسمى بـ “تثنية الجدار الدفاعي” في الصحراء، واهتمت الأمم المتحدة بهذه الخطوة.

2ـ رفع الإنفاق العمومي، بما يعاكس سياسة التقشف التي قررتها الحكومة، وهذه السياسة تعاكس بشكل كامل، الوزير أخنوش وفريقه النافذ في الجهاز التنفيذي.

وحسب مؤشر “بنسلفانيا” (بي. دابليو. تي)، فإن المغرب، بقراره العودة إلى الخدمة العسكرية الإجبارية، سيرفع الإنفاق العمومي بـ 1 في المائة، وهو ما سيكون له أثر إيجابي على المدى البعيد، وأيضا على المدى السنوي، بنمو يزيد بـ 1.6 في المائة(1)، غير أن هذا الأثر، سيرفع الديون غير المبرمجة في 2019(2).

ومن المهم للعاصمة الرباط، إعادة هيكلة القطاعات الاجتماعية التي توجد في حالة عطب، للخروج من المأزق، وبين سياسة التقشف خارج الجيش وسياسة الإنفاق الموجهة للقوات المسلحة الملكية، نلاحظ أن هذه السياسة المالية، مزدوجة، وأضافت المملكة معدل الإنفاق العسكري بالنسبة لناتجها المحلي في حدود 1.2 بالمائة منذ2017، فيما كانت النسبة 2 في المائة عام 1960(3).

ومن الواضح، أن:

ـ الحكومة أخذت وقتا إضافيا بخصوص قانون الخدمة العسكرية(4).

ـ أن البعد الاجتماعي، بل الحراك الاجتماعي على الأصح، فرض قانون الخدمة العسكرية، وهذه القراءة قابلتها قراءة تاريخية في “ماروك دبلوماتيك”(5)، وخلاصتها أن الخدمة العسكرية، بنت الأهرام في مصر، وباقي المعالم في روما وأثينا، مبحرة في التقليد الفرنسي، ومشيرة إلى مهنية الجيش في المغرب، منذ عهد الموحدين، وقبل أن ينشأ المخزن الذي أغلق الجيش إلا في وجه العائلات الشبكية حول السلطان، ولمواجهتها، قرر مولاي إسماعيل إنشاء جيش مواز (عبيد البخاري)، قبل أن يعيد ظهير تأسيس القوات المسلحة الملكية، بعد الاستعمار الفرنسي، والصادر في 25 يونيو 1956، “المهنية” إلى الجيش، ويقر بعدها في الظهير 66ـ 137 بتاريخ 9 يونيو 1966، الخدمة العسكرية.

ومن اللافت، أن “حرب الرمال” مع الجزائر سنة 1963، لم تدفع المملكة لإصدار قانون الخدمة العسكرية، فيما كانت انتفاضة 1965، عاملا على إقرار هذا القانون.

+++ المغرب يواجه اليوم أزمة، تطابق أزمة الحسن الثاني في 1965

قد لا تختلف أزمة 2017 في الريف وجرادة وزاكورة عن أزمة 1965 التي شرعت قانون الخدمة العسكرية في عهد الحسن الثاني، وأعادت إليه الحياة في 2018 من خلال المصادقة على قانون 44 – 18، رغم تكلفته الباهظة، لكن النتائج مضمونة من خلال مؤسسة أثبتت قوتها في المشهد، لكن المجندين لا يمثلون ورقة سهلة، كما تمثل العودة إلى التجنيد الإجباري، رهانات حاول الجميع بسطها على أساس الإجابة الاجتماعية عن حراكات مدن الحسيمة، زاكورة وجرادة، وليس حراك مدينة كبرى كما في حالة الحسن الثاني مع الدار البيضاء، وانتفضت الحواضر في عهد الحسن الثاني بنفس حراكات المدن المتوسطة في المغرب غير النافع، في عهدنا الحالي، ومن الدقيق، أن نؤكد على ملاحظتين:

1ـ أن الخدمة العسكرية في المغرب، حساب اجتماعي وسياسي جدا كما في وصف “سبوتنيك”(6) التي قالت أن التجمع المغربي ضد الخدمة العسكرية الإلزامية، وصل أعضاؤه إلى 20 ألف شاب، وهو ما يساوي سنتين من المجندين.

إنه رقم كبير يقف في وجه تسييس الخدمة العسكرية، وتحريف المعركة الديمقراطية والمدنية، في نظر المعارضين، فالكل خائف من إدارة حرب أخرى للمقاطعة، أو توجيهها إلى مستويات أخرى، أو التهديد بإسقاط شخصيات سياسية أو التأثير على مصالحها، وهذه الورقة، هي آخر ورقة يمكن أن تلعب بها دوائر القرار، وهي لعبة غير مضمونة، فأثر المجندين على المؤسسة العسكرية بعد 1966، هو التسييس المرتفع لعناصر الجيش.

2ـ لم تكن الخدمة العسكرية في برنامج الحكومة.

+++ لسبب مالي وموازناتي، حذف المغرب الخدمة العسكرية في 2006، وفي 2018، تعود من غير بند مالي، ومن خارج البرنامج الحكومي

تتعلق المسألة بتوجيه ميزانية الدفاع في المغرب إلى 3.9 مليارات دولار عام 2022، بزيادة 3760 مليون درهم (3 ملايير و760 مليون درهم) عن ميزانية 2018، حسب المؤسسة البريطانية لذكاء الدفاع الاستراتيجي “س. دي. آي”، ورفع المغرب ميزانية الدفاع بـ 400 مليون دولار في أربع سنوات، بمعدل 100 مليون دولار للسنة، وتشمل تجنيد 10 آلاف شاب، بما يؤكد أن المسألة مدروسة بعناية، بما يمكن الجيش من وضع 10 آلاف شخص في مرآته وتحسين أساليب انتقائه، ويكون لفئة شابة مهمة، فصل جديد من الحرفية، في مقابل عدم استعداد المملكة لمواجهة احتجاجات اجتماعية جديدة بعد 2011.

وإن كان المغرب قد حذف الخدمة العسكرية عام 2006 لسبب مالي، دعما لحرفية ومهنية الجيش، فإنه قرر رفع الإنفاق العسكري، وإن أثر على الإنفاق العمومي، وضد توجهات العثماني التي حددها في رسالته التأطيرية لميزانية 2019.

+++ اللافت بالنسبة للمجندات، أن الدخول إلى الخدمة العسكرية، لا يتطلب أي اختبار للعذرية

اهتمت “لا ليبر أفريك” بعدم وجود اختبار للعذرية قبل دخول الخدمة العسكرية(7)، وهو تصور مختلف لإمارة المؤمنين، وقصد راديو إسبانيا الرسمي، إثارة الموضوع، لمعرفة إلى أي حد يمكن قبول الخدمة العسكرية وسط الشباب الرافض لها، وجاء قرار عدم إخضاع المجندات لاختبار العذرية، تخفيفا كبيرا بالنسبة لهن وللذكور، وحدث خلط بين شهادة “العزوبية” واختبار العذرية، والشهادة الأولى لا تعني العذرية بل عدم الزواج.

وفي تعليق لموقع “الدبلوماسي التونسي”، فإن شبح الخدمة العسكرية، يسيطر على كل الدول المغاربية(8) وليس على المغرب فقط، ولذلك نرى العامل الخارجي مسيطرا في هذه الحالة، فإدارة هذه العودة إلى التجنيد الإجباري، جاءت متزامنة مع استقبال الدول المغاربية الثلاثة: تونس الجزائر والمغرب، للسفير والمنسق الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، في زيارة علق عليها الرئيس ترامب، بأنها مفاجأة، نتيجة حصيلتها الإيجابية جدا.

وبدا واضحا، حسب بعض وسائل الإعلام، أن الخدمة العسكرية، لم تتوقف في المغرب(9)، ويكون تعليقها في 2006، رسالة سياسية إلى الخارج، لاقتراح المملكة الحكم الذاتي، حلا نهائيا لقضية الصحراء، ثم عادت الأمور إلى مسارها العادي.

وتعامل المغرب بدهاء مع الخدمة العسكرية، برفع عديد أعضائها، بأسلوب سلس وسري، حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية للبلد، لكن إعادتها إلى العمل بعد تعليقها، هو ما أثار الضجة، ونجحت الخدمة العسكرية في تفاصيل أمنية صعبة ومباشرة في تاريخ المملكة، وحاليا، تشكل العودة إلى الخدمة العسكرية، إجابة عن جيش الاحتياط، وعن خفض منسوب الشباب المقاطع والمتمرد، في نظر دوائر القرار، ولذلك، فالأمن الاجتماعي والعسكري، يتدخلان في هذه المرحلة، بما يعلل رفع الإنفاق العسكري، دون الإشارة إلى شراء السلاح والتكنولوجيا، وفي نفس الوقت، خفض التوتر بين الشباب والدولة، لأن 34 في المائة من الساكنة، خرجت أو عبرت عن تنديدها للسياسات المتبعة، وقد ارتفع الوعي المدني بشكل بات فيه تحريك العامل العسكري، ترتيبا مباشرا لدوائر القرار.

هوامش:

  • Le retour du service militaire au Maroc, les enjeux d’un projet audacieux, Huffpost 1/9/2018.
  • Note de cadrage du plf 2019, finance.gov.ma (r, 1/9/2018).
  • the Policy unit: Morocco by the numbers, retablir le service militaire au Maroc, est une mauvaise idée, wordpress.com (r,1/9/2018).
  • Service militaire obligatoire: projet de loi prendra le temps qu’il faut, la vie éco, 31/8/2018.
  • Du service militaire au Maroc: aspects historiques, Maroc diplomatique, 27/8/2018.
  • Service militaire au Maroc, une mesure social et très politique, safwene grira, sputniknews, 29/8/2018.
  • Maroc: service militaire sans test de virginité, la libre Afrique, 3 septembre 2018.
  • Le service militaire reste d’actualité dans les pays du Maghreb, diplomate tunisien, 27/8/2018.
  • Retour en force du service militaire? aujourd’hui le Maroc, 12/4/2002.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

error: Content is protected !!