في الأكشاك هذا الأسبوع
يحكى أن أصحاب هذه الوجوه الثلاثة الجالسة خلف الملك، تكرس المرحلة الجديدة، بعد أن أصبح البطل العالمي أبو بكر زعيتر الجالس مع أخويه، مكلفا بالعناية بصحة الملك التي تحسنت والحمد لله، بفضل النصائح الجديدة، وأهلته للظهور بجانب الملك في موقع المرافقين.

الحقيقة الضائعة | الوزيرة التي “تدخل” لها الهمة فـ”خرجت”.. فهل انتهى زمان فؤاد الهمة

بقلم: مصطفى العلوي

يحكي واحد من شيوخ قبيلة الرحامنة، عايش جزءا من تاريخ هذه المنطقة التي اختصر التاريخ تمرداتها، وكتب عنها: ((يمكن القول أن ضفتي أم الربيع، كستهما الدماء، واشتعلت بهما النيران من السفوح إلى الجبال، وأصبحت القضية أكثر خطورة بالنسبة للمخزن(…))) (كتاب زمن المحلات. لويس أرنو).

يحكي هذا الشيخ الذي كان لا يزال يعيش ذكريات ذلك الصراع بين الرحامنة والمخزن(…) أن أحد أقطاب هذا الإقليم بعد الاستقلال وسلطنة الملك الحسن الثاني، فوجئ أن عامل الإقليم استدعى بواسطة أحد أعوان المخزن، قطبا من عائلة فؤاد الهمة، ليحضر ولده إلى مقر العمالة، المطلوب من الرباط(…) ليحسب الوالد أن الأمر يتعلق بشيء خطير، فسارع إلى تزويد ولده علي بجلباب ضخم، وألبسة تقي ولده شر الأخطار التي قد يتعرض لها عندما ينقل إلى الرباط.

وكان الأمر في  الواقع، يتعلق بتنفيذ أمر ملكي في إطار اختيار نابغة من كل إقليم، لمرافقة ولي العهد سيدي محمد في المدرسة المولوية، وكان الاختيار قد وقع على أحد أولاد الرحامنة ويسمى فؤاد علي الهمة.

فؤاد الهمة، الذي تفوق في الدراسة بجانب ولي العهد، وكبر وتطور ليصبح واحدا من أصدقاء الأمير، تطور مع الزمن وتحت أنظار الملك الحسن الثاني، ليصبح مكلفا بديوان ولي العهد قبل أن يصبح بعد وفاة الملك الحسن الثاني، هو كل شيء في محيط الملك الجديد، بعد أن كان قد أجرى تدريبا في وزارة الداخلية، أيام الوزير القوي، إدريس البصري، وقبل أن يكتشف فؤاد الهمة أن الوزير إدريس البصري كان أيضا، مكلفا بالتجسس على ولي العهد، وتتبع حركاته لتتحول الظروف الأولى لفؤاد الهمة، وأطنان الوثائق التي استولى عليها عندما أصبح مكلفا بشؤون وزارة الداخلية، هي المدرسة الحقيقية التي تعلم فيها أصول السياسة والحكم مبكرا.. وليكتب تقرير لوزارة الدفاع الفرنسي مؤرخ بشهر جوان 2003(…) ((أن فؤاد الهمة كان شريكا وشاهدا على مسار ملك محمد السادس، والهمة هو الذي قال – حسب ذلك التقرير- ما يفهم منه أنه في السنة الثالثة لحكم محمد السادس قال تصريحه السياسي الخطير وهو يتحدث عن انتشار الحركة الإسلامية: ((إننا سننتقل إلى التحرك في إطار العين بالعين والسن بالسن، لأن هؤلاء الناس يدفعوننا للرجوع إلى زمن الجنرال أوفقير)) (التقرير منشور في كتاب المغرب الإسلامي. نيكولا بو).

فؤاد الهمة إذن اختار موقعه بجانب الملك الجديد قبل وبعد أن تخطف الموت ملك البلاد، ويصبح ولي العهد ملكا على المغرب، ومهتما بالدرجة الأولى بتكليف صديقه فؤاد الهمة، بتحمل شؤون وزارة الداخلية تحت يافطة مهامه ككاتب للدولة مع إدريس البصري العدو المشترك(…) الذي لجأ بعد إبعاده إلى فرنسا، إلى الكشف عن عداوته للنظام المغربي، وهو الذي كان في حياة الحسن الثاني، يعتقل ويتابع كل من ينطق بتعبير “الصحراء الغربية” عندما يتحدث عن قضية الصحراء، أصبح في كل تصريحاته المسجلة، لا ينطق إلا بتعبير الصحراء الغربية(…) منددا بما أسماه متابعة ولده واعتقاله(…)، بل إن مذكرة لوزارة الدفاع الفرنسي كتبت ((أن إدريس البصري يرى بأن الجنرال العنيكري الذي كان مديرا للأمن، وفؤاد الهمة أقرب المقربين إلى الملك، أصبحا معا من خدام جهاز السيا الأمريكية)) (مذكرة الدفاع الفرنسي، جوان 2003 المنشورة في كتاب: المغرب الإسلامي. نيكولا بو).

ومع الأيام، أصبح فؤاد الهمة هو الصديق المتميز للملك محمد السادس، والمرافق الذي لا يفارقه، كما رأينا وكما سنرى، على مدى ثمان عشرة سنة، تضخمت فيها صداقة فؤاد الهمة والملك محمد السادس، إلى مستوى ظاهرة صديق الملك، كما احتفظ التاريخ بنماذجها المرتبطة بتواريخ السلاطين والملوك، المتسلسلة في القرن الماضي مثلا، عبر صداقة السلطان الحسن الأول مع صديقه ووزيره باحماد الذي استغرب السلطان بعد موت صديقه باحماد، ما حكاه المؤرخ المختار السوسي من ثروات وأموال تم حجزها في بيت باحماد.

وتأتي بعدها أيام السلطان مولاي عبد العزيز الذي ارتبط بصداقة وثيقة مع صديقه عبد العزيز المنبهي، صداقة أثارت حسد المتتبعين الذين كتبوا للسلطان يشتكون من أثار هذه الصداقة وتضايقهم من هذا المنبهي ((الذي لا يشعر أن بجواره وفوقه وتحته وزراء أكثر منه أقدمية في المناصب)).

ولم يكن انعدام الاستقرار أيام السلطان مولاي حفيظ يسمح له بالارتباط بأكثر من الوزير الأول المدني الكلاوي، لتكون أيام السلطان مولاي يوسف، مطبوعة بصداقته مع المستشار الوزير التهامي عبابو الذي فوجئ الفرنسيون بعد موت السلطان مولاي يوسف، حينما اكتشفوا أن صديق السلطان، حسبما كتبه المؤرخ الفرنسي “أوفيد” هو أغنى رجل في المغرب، بعد أن أصبح له نفوذ أكبر من نفوذ الوزراء، بينما كشف المحاسب الفرنسي “مارك” في تقريره أن السلطان مولاي يوسف لم يخلف إلا 30 مليون فرنك.

وإذا كان الملك محمد الخامس، بحكم ظروفه واعتقاله ونفيه وموته السريع، لم يختر صديقا معينا، فإن ظاهرة صديق الملك، عادت للقصر الملكي أيام الحسن الثاني، الذي جعل من أحمد رضى جديرة مستشاره ووزيره وصديقه، ميزات ثلاث ضربها الصديق جديرة بقدمه، متحديا أطروحة الصديق، عندما كان أول الهاربين من قصر الصخيرات، عندما حصل الهجوم على هذا القصر يوم العاشر من يوليوز 1971، ليبقى الحسن الثاني بعد نجاته بدون صديق، رغم أن ظاهرة الصديق الوفي، تعتبر متأصلة من النموذج الأكبر للعظمة، منذ أيام السلطان العظيم، هارون الرشيد، الذي دخل التاريخ مرفوقا بصديقه جعفر البرمكي، الذي قال تاريخ العباسيين أنها صداقة بلغت أوجها عندما أمر الملك العظيم بطبع صورة صديقه ووزيره جعفر البرمكي على أوراق العملة العباسية.

ومن حسن حظ المغاربة، فإن صورة الصديق الملكي والمستشار الكبير فؤاد الهمة لم تظهر إلا في وثائق حزب الأصالة والمعاصرة، وكان الصديق العزيز قد أسس هذا الحزب وترأس اجتماعاته ولجانه قبل أن يكتشف ظاهرة الضعف البشري، والتفكك الحزبي والسياسي، وهشاشة الهياكل التي تربط في زماننا هذا، السياسة بالمصالح.

وإذا كان عظماء التاريخ يعطون للصمت معاني أبلغ من الكلام، فلقد كان صمت المستشار فؤاد الهمة، تجاه الضربة القاضية التي تلقاها صديقه إلياس العمري، لدرجة جعلت هذا الرجل الذي حولته صداقته مع فؤاد الهمة ليصبح صديق الصديق(…)، ويقولون إنه كان يبذل جهودا ليصبح هو الصديق الأساسي، على حساب الصديق الأصلي.. والله أعلم، مادامت صداقة الملك محمد السادس وفؤاد الهمة ترجع إلى علاقات أمتن وأقوى من أن تحركها الأيام، فأحرى أن يتسرب إليها الشيطان.

وطبعا، تبقى خطورة المس بصديق الملك مرتبطة بنموذج قطب الحزب الإسلامي، الذي أدرك منصب رئيس الحكومة، وربما أصبح يتخيل أنه يمكن أن يكون رئيسا لما هو أقوى من الحكومة(…) لتكون الصفعة التي تلقاها عبر تصريح صحفي حول التفسير الذي أعطى لزيارة مجاملة قام بها المستشار الملكي لرئيس الحكومة، فتم تأويلها بشكل أغضب المستشار الذي ربط أفكار بن كيران بالأوهام(…)، وها هو بن كيران يدفع الثمن ويصبح رقما سلبيا حتى في داخل حزبه، العدالة والتنمية، وها هو خلفه الدكتور العثماني، في طريق الخلود في رئاسة الحكومة(…) ربما وقد أصبح نموذجا من نماذج الوزير الأول المحبوب.

هذا العثماني الذي لمح أخيرا لظاهرة تمس ضخامة النفوذ المؤثر، والغير مرئي لصديق الملك على هامش توقيف كاتبة الدولة، أفيلال، حينما قال رئيس الحكومة علنا أنها لجأت إلى تدخل الناس الكبار وتسارع الصحف إلى تفسير هذا التعبير، كما تم تفسيره لرئيس حزبها، نبيل بنعبد الله، بأنها سبقت إلى المطالبة بوساطة المستشار فؤاد الهمة، وهو ما كان سبب توقيفها.

ليبقى التساؤل الكبير.. أن فؤاد الهمة توقف عن التدخل، ومن تدخل له الهمة، فإنه يخرج(…).

أكيد أن السماح بفهم هذا الربط في حالة وزيرة “زوج فرنك” بأن خروجها كان بسبب تدخل الهمة، يفتح الباب على مصراعيه لفهم هذا الصمت والغياب الذي تذرع به المستشار فؤاد الهمة، منذ حوالي سنتين، لدرجة أن الهجمات الصحفية بغزارة على الوزير أخنوش، والتصريحات الزيانية(…) وتحليلات كثير من المعلقين الذين فاضت بمقالاتهم المواقع الإلكترونية، أصبحت تترك اسم فؤاد الهمة في التيقار(…) لدرجة قد يفهم منها أن فؤاد الهمة كان بدوره ضحية من ضحايا تحركات رئيس حزبه السابق إلياس العمري، الذي أعلن مؤخرا إقفاله لمواقعه في الفيسبوك وكل المواقع الإلكترونية، أم أن الأمر أسمى وأعلى، وأن الأمر يتعلق بوضع حد لزمان التدخل والتوجيه، وأن الملك وصديقه أطلقا الأيادي لكل من رئيس مجلس المحاسبة، إدريس جطو، ورئيس النيابة العامة عبد النباوي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ؟؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

error: Content is protected !!