في الأكشاك هذا الأسبوع
مصطفى العلوي و إدريس البصري

لماذا لم تتحقق المصالحة بين إدريس البصري وبين مصطفى العلوي

 بقلم. رمزي صوفيا

        ضيف هذه الزاوية اليوم هو شخصية مغربية قيل فيها الكثير وكتب عنها الكثير، إنه وزير الداخلية الأقوى في عهد الراحل الحسن الثاني: إدريس البصري، فقد كان وزيرا غير الآخرين وكانت له وضعية مختلفة تماما عن باقي رجال الدولة الذين عملوا مع الملك الراحل الحسن الثاني.

والراحل إدريس البصري هو من مواليد 1938 بمدينة سطات، درس حتى حصل على شهادة البكالوريا، ثم بعدها حصل على شهادة الدكتوراه وقد أصدر عددا من المؤلفات في مجال الإدارة الترابية منها:

– رجل السلطة

– الإدارة الترابية بالمغرب: النظام والتنمية

– الإدارة الترابية: التجربة المغربية

– النزاعات الإدارية في البلدان المغاربية

– اللامركزية في المغرب: من الجماعة إلى الجهة.

وقد عاش لصيقا بالمربع الملكي للملك الراحل وكان أقرب المقربين إليه، وتميز عهده بعدة مفارقات بين كثرة خصومه وبين قوته وسيطرته على دواليب تسيير كل الوزارات حتى سميت الوزارة التي ظل على رأسها بأم الوزارات، ولكن دوام الحال من المحال، فبعد كل تلك الحياة الصاخبة جاء العهد الجديد ووهب الله لهذا البلد ملكا شابا طموحا ومحبا للديمقراطية ألا وهو محمد السادس نصره الله، فكانت من أول قراراته أنه وضع حدا لمهام إدريس البصري ومن جانب اللياقة وحتى يكشف عن قمة احترامه لمن كانوا رجال والده الملك الراحل، فقد قام جلالة الملك محمد السادس بتوشيح صدر إدريس البصري بأعظم وسام ملكي.

وبعد مدة وجيزة ظهرت أعراض المرض والوهن على الوزير القوي سابقا وتدهورت أحواله الصحية إلى أن رحل إلى دار البقاء مخلفا وراءه أطنانا وأطنانا من الكتابات التي كتبت عنه، والتي كتبت ضده على مدى حياته العملية الحافلة بالأحداث التي يمكن إدراج بعضها في خانة الخطيرة مثل الإضراب الكبير الذي تم في صيف 1981 والذي راح ضحيته عدد كبير من أبناء الشعب، ولم يتردد البصري في تسميتهم بـ “شهداء كوميرة”، مما فتح عليه يومها أبواب غضب جماهيري عارم لولا الحب الكبير والتقديس الذي يكنه الشعب لجلالة الملك الحسن القاني رحمه الله.

وشخصيا فقد كانت علاقتي به وثيقة ومبنية على الاحترام والتقدير حيث كان يردد لي دائما عبارة واحدة كان يقولها لي كلما التقيته في إحدى المناسبات الكثيرة التي جمعتني به داخل القصور الملكية التي كنت دائما من ضيوفها في مناسبات أعياد العرش وأعياد الشباب وأعياد المسيرة الخضراء المظفرة، حيث كان إدريس البصري يعجبه أن يمسكني من يدي ويمشي بي نحو شلة من الوزراء الموجودين في الحفل ليقول لهم ضاحكا وهو يعرف بأنهم كلهم أصدقائي: “أقدم لكم صديقنا جميعا، صديق المغرب الذي اكتسب صداقة مغربنا بأول خطوة خطاها معنا نحو الصحراء المغربية في المسيرة الخضراء التي شارك فيها”. وقد كان يحترمني كثيرا لأنه كان يعلم بمكانتي التي شرفني بها دائما الراحل العظيم الحسن الثاني كصحفي دافع دائما عن القضية الأولى للمغرب وهي حقه التاريخي في صحرائه المغربية.

وعن طريق البصري تعرفت على صهره الرجل الشهم الخدوم عبد المغيث السليماني رئيس جماعة الدار البيضاء في ذلك العهد، فأصبح عبد المغيث السليماني من أصدق أصدقائي، كما تعرفت على ابن البصري الشاب النشيط والفائق الذكاء هشام البصري الذي لاحظت في تلك الفترة  بأنه كان لا يفارق  مجموعة الشباب المرافقين للأميرين الجليلين سيدي محمد ومولاي رشيد. ولكني كنت ألاحظ وجود خلاف كبير بين هشام البصري وبين عبد المغيث السليماني وذلك رغم علاقة القرابة التي تربط بينها فعبد المغيث هو خال هشام.

وعندما كنت أزور البصري في بيته كنت أجد صفوفا طويلة من شخصيات السلطات الترابية تنتظر الاستئذان لدخول منزل البصري لمقابلته، وكان البصري يستقبل هؤلاء الضيوف بهدوء وبابتسامة طيبة وبتواضع كبير، وكان يختصر كلامه معهم ويسألهم عن المواضيع التي جاؤوا من أجلها وماذا تم فيها، وكان لا يتوقف عن ذكر اسم جلالة الملك الحسن الثاني في كل عباراته. وكثيرا ما كنت أشاهده وهو يهرول مسرعا خارج بيته، تاركا الجميع وهو يقول لهم: “مولاي أمرني بالحضور بسرعة، فأنا ذاهب إلى القصر، سأعود إليكم”، وأذكر مرة أنني كنت في بيته ومعنا عبد المغيث السليماني، وكان بيت البصري يعج بالوافدين من كل مكان لقضاء أغراضهم، وهؤلاء كانوا يوجدون في فناء جميل وفسيح مع كتاب ومساعدي البصري للنظر في ملفاتهم وطلباتهم، وكانت هناك عدة شخصيات، فدخل علينا البصري ممسكا بعدة هواتف ومعه اثنان من كتابه، فجلس وتناول الشاي معنا وتبادلنا أطراف الحديث، وكان الحديث كله تقريبا عن قضية الصحراء التي كان البصري يقول: “إنها قضية محسوم فيها عندنا نحن في المغرب، ويمكن للدول الطامعة في الصحراء أن تحاول تغيير التاريخ الذي يزخر بصفحات البيعة لأسلاف الحسن الثاني”، فقلت له: “وكيف تتوقع انتهاء هذا الملف؟” فأجابني: “الملف منتهٍ يا رمزي بالنسبة لنا فلا تنازل لدينا عن أرض هي مغربية تاريخا وشعبا”. فاهتزت القاعة بالتصفيقات لهذه العبارة من البصري، ولكن حديثنا انقطع فورا عندما رن أحد هواتف البصري فهب واقفا ومشيرا لنا بيده لنتوقف عن الكلام، فقد كان على الخط جلالة الحسن الثاني بنفسه، فطار البصري آمرا مساعده بحمل ملف من ملفاته الكثيرة، وغاب عنا ساعة من الزمن ثم عاد بشوشا ومبتسما وهو يقول بفخر: “لقد كنت مع مولاي في اجتماع طارئ”، وكنت ماأزال في انتظاره فواصلنا حديثنا ولكنه قال لي: “أنت صحفي لامع وصديق لكل الصحفيين المغاربة، لهذا أرجو أن تجيبني عن سؤال واحد، لماذا يكرهني صديقك الصحفي الكبيرة مصطفى العلوي؟ إنه لا يتوقف عن انتقادي وتوجيه اللوم لي على كل قراراتي”، فقلت له: “يا أستاذ بصري، إن الأستاذ مصطفى العلوي لا يمكن له أن يكرهك أبدا، لأنه باختصار لا يمتلك مشاعر الكراهية أصلا، ولكن الأستاذ مصطفى العلوي يمتلك قلما حرا يحق له انتقاد كل ما يرى أنه من واجبه انتقاده” فقال لي: “كل قراراتي وكل تصرفاتي هي أخطاء في نظره؟” فقلت له: “إن الأستاذ مصطفى العلوي لديه قضية كبيرة وهي تنوير الرأي العام، وأنت تعرف كم عانى وتعرض لمواقف لا يحسد عليها بسبب آرائه الصريحة وكتاباته الهادفة، لهذا لا أوقع أن يتغير الأستاذ العلوي أو يغير خطه الصحفي الذي يعتبر من مبادئ عمله كصحفي، فمهنته تحتم عليه انتقاد كل ما يصب ضد مبادئه، وأنت لست الأول ولن تكون الأخير بين الساسة الذين ينتقدهم الأستاذ مصطفى العلوي”، فقال لي البصري: “وما العمل لوقف كل هذا؟” فقلت لها: “إذا أردت الرد على ما يكتبه الأستاذ مصطفى فما عليك سوى تسليمي ما ستكتبه وأنا واق من أنه سيقوم بنشره بمجرد توصله به”، وعند هذا الحد كان البصري يقول لي دائما: “لا أريد إثارة المزيد من المشاكل مع العلوي، لأني غير قادر على منازلته صحفيا، فإني أعترف بأن مصطفى العلوي له قلما قلَّما تجد منافسا له”.

ولم يكن الأستاذ مصطفى العلوي هو الوحيد الذي ينتقد إدريس البصري، بل كان هناك عدد متزايد من الدعاة لمبادئ حقوق الإنسان الذين كانت أصواتهم تتعالى ضد قراراته وضد تحويل وزارة الداخلية إلى جهاز أقوى من باقي الوزارات.

وذات يوم دعاني صديقي عبد المغيث السليماني على مائدة الغذاء في بيته بالدار البيضاء، فذهبت وكان إدريس البصري جالسا في البهو فسلمت عليه وأخذنا نتبادل أطراف الحديث، وخلال الغذاء نظر إلي البصري طويلا ثم قال لي: “أريدك في مهمة حساسة إلى حد ما”، فقلت له: “أهلا وسهلا”، فقال لي: “أريدك أن تتوسط بيني وبين صديقك مصطفى العلوي لعقد مصالحة بيني وبينه”، فقلت له: “حاضر رغم أنني واثق من أن الأستاذ مصطفى لا يعتبر ما بينه وبينك قضية شخصية وإنه كصحفي لا يكن لك شخصيا أية مشاعر سلبية ولكنه ضد طريقة تدبيرك للشأن العام”، فقال لي جازما: “أريد مصالحته”، فقلت له: “سوف أنقل رغبتك للأستاذ مصطفى”، فتحدثت إلى الأستاذ مصطفى حول طلب البصري فقال لي: “مهمتي تحتم علي لقاء البصري والاستماع إليه”.

ولكن وكما نعلم دوران عجلة الحياة وعدم دوام الحال، فبعد ذلك اليوم بفترة قصيرة رحل الحسن الثاني إلى دار البقاء، وكانت أولى تساؤلات الشعب عندما لمس إشارات التغيير على قرارات ومواقف الملك الجديد محمد السادس، هي هل سيبقى إدريس البصري في نفس مكانته، خاصة وأن كواليس الرأي العام كانت تقول بأن البصري سبق له كثيرا مضايقة الملك الشاب عندما كان وليا للعهد، وأنه كان يراقب حركاته وسكناته وينقلها لوالده الحسن الثاني.

وفعلا بعد مرور فترة وجيزة ظهر إدريس البصري وقد نقل إليه أتباعه خبر قرب إنهاء مهامه فوقف إلى جانب الملك محمد السادس، أمام كاميرات العالم أجمع وظل يقبل كتفه من الأعلى حتى يصل إلى كف الملك فيقبلها والناس تنظر وتتساءل عن سر تلك الحركات التي كان يقوم بها البصري في إحدى التظاهرات، وفعلا بعد مرور مدة قصيرة أعلنت الجهات الرسمية عن خبر إنهاء مهام إدريس البصري من وزارة الداخلية ومن كل المناصب الرسمية، وهكذا لم يعد هناك داع لأية مصالحة بين البصري والعلوي.

وكعادة أسلافه الملوك العلويين في إبداء التقدير لكل من عملوا معهم أو مع من سبقوهم في دواليب الحكم، فقد وهب جلالة الملك محمد السادس وساما رفيع المستوى لإدريس البصري تحت أنظار ملايين المغاربة.

وبعد مدة رحل إدريس البصري إلى جوار ربه يوم 27 غشت 2007، ومن سخرية الأقدار أن وفاة إدريس البصري جاءت بعشرة أيام فقط من يوم الانتخابات البرلمانية التي أجريت في المغرب يوم 7 شتنبر 2007، ولأول مرة بدون البصري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!