في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | “الإحسان الديني” يتجاوز نفقات الدولة بـ 37 مليون درهم تجاه الخيريات والمعاقين وأطفال الشوارع

إعداد: عبد الحميد العوني 

في إحصائية رسمية نشرها المجلس الأعلى للحسابات في ماي الماضي، تجاوز الإحسان الديني نفقات الدولة بـ 37 مليون درهم عام 2014، بلغت نسبته 50.98 في المائة بين 2012 و2016، بفارق 13.78 في المائة عن الدعم العمومي، وبفارق هام، ودون احتساب الإعانات العينية، انخرط المحسنون في إنقاذ خيريات، والتدخل لأجل فئات محرومة، مثل المسنين والمعاقين والأطفال المتخلى عنهم، خصوصا وأن الحرمان وصل ببعض الفئات إلى أرقام قياسية، ففي دراسة قامت بها ولاية الدار البيضاء، بمعية عدد من الشركاء، وبدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2014، فإن الرعاية لم تصل سوى إلى 2 في المائة من المسنين فقط، وبقي 98 في المائة خارج أي مساعدة، إلى جانب 86 في المائة بالنسبة للمعاقين في معدل عام للهشاشة يصل إلى 94 في المائة، دون احتساب المتشردين والمتسولين.

وتكاد مدن لا تحتسب فئات معينة، ففي الدار البيضاء ومراكش وأكادير ومنطقة تافيلالت مثلا، لا يحتسبون المتشردين والمتسولين، ولا تحتسب مدن العيون وبني ملال وخنيفرة النساء المعوزات، ويتقدم الإحسان للمعاقين في جهة الشرق، ويتوجه في الدار البيضاء ومراكش وفاس للأطفال المتخلى عنهم، نتيجة تمايز الحساسية العاطفية والثقافية لجهة عن أخرى.

ومن اللافت، أن نجد ضعفا مخلا في الدعم العمومي، موجها أمواله القليلة إلى صفقات مع جهات خارجية لإبداء المشورة؟ كما حدث بين مؤسسة التعاون الوطني وثلاث مؤسسات: “كابي. إم. جي” و”أكو كوسوليتينغ” و”طلال كوسيلونت”.

وحسب دستور 2011، فإن الدولة موكولة بحقوق حالة الأشخاص في وضعية صعبة، لنص الفصل 31 منه على الحق في الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، كما أن الفصل 34 حمل السلطات العمومية مسؤولية وضع وتفعيل سياسات موجهة لهذه الفئات رغم وجود قانون 14.05 منذ 2006، لتأطير التدخل لإسعاف وتمريض وإشباع حاجات المعوزين، لكن فعاليته مجمدة لاعتماد المملكة على المحسنين، وقد تخلت عن ما بين 96 و98 في المائة من المعوزين، في رقم صادم يطرح سؤالا عن التدخل العمومي، ولماذا وجود حكومة للأغنياء وأنصاف الفقراء، فيما يموت المعوزون بلا رحمة في كل شارع وبيت؟ ويتساءل المراقب كيف لبلد لا يصل فيه 98 في المائة من معوزيه ومعاقيه إلى الغذاء والدواء، أن يقول بعيشه الاستقرار الاجتماعي؟

+++ مملكة الحرمان.. إذ لا يصل المحسنون وأجهزة الدولة سوى إلى 3 في المائة من المعوزين والمعاقين؟

حوالي 93 ألف (92.163 شخص) معوز ومعاق وطفل متخلى عنه ومسن وأرملة… من كل فئات الحرمان يصلون إلى وجبتين في ألف (1051) مؤسسة على طول المملكة، طبقا لإحصائيات لم يجر فحصها من وزارة التضامن ومؤسسة التعاون الوطني.

ولم تهتم سوى 130 من أصل 246 مؤسسة (53 في المائة) بدراسة المجلس الأعلى للحسابات حسب تقريره حول الرعاية الاجتماعية في المملكة، واعتمد المجلس على بيانات 17 مؤسسة خيرية غير مرخصة، بما يكشف الأجواء التي يعيشها التدخل لصالح المعوزين، لأن المحسنين لا يهتمون بالشكليات التي تعرقل بشكل واسع، التدخلات الإغاثية لصالح المعوزين والمسنين وباقي الفئات الهشة، إذ المغرب له ترسانة قانونية (قانون 14.05) دون سياسة إغاثية لصالح المتضررين، والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 23 أبريل 2018 تحت الرقم 65.15.

ورغم العدد المرتفع للمتدخلين: وزارة التضامن ومؤسسة التعاون الوطني والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومؤسسة محمد الخامس للتضامن ووكالة التنمية الاجتماعية والجماعات الترابية، فإن الإحسان الديني يزيد عنهم جميعا بـ 13 في المائة على أقل تقدير، دون الاحتسابات العينية، والمتصلة بالزكوات وغيرها من وجوه البر، أي أن هذا الإحسان، يمول نفقات مجموع مؤسسات الرعاية الاجتماعية بما يزيد عن 7 في المائة، فيما تزيد عن طاقتها الاستيعابية بـ 23 في المائة.

ولا تمول مؤسسة التعاون الوطني أي مؤسسة بنسبة 100 في المائة، بل توزع منحا فقط، منها 76 في المائة للتسيير في مؤسسات داعمة للتربية والتكوين، واستفادت 44 مؤسسة فقط من التجهيز.

ولا يصل الدعم سوى إلى ثلث الأطفال المتخلى عنهم، أو من هم في وضعية صعبة، ولا تقدم لثلثين من هذه الفئة أي مساعدة أو منح من طرف الفاعلين في هذا المجال، إلى جانب عدم تقديم أي مساعدة ل 77.74 في المائة من المعاقين و92.38 من المسنين، حسب مؤشر الطاقة الاستيعابية.

ولا يتمكن سوى 3 إلى 4 أشخاص من 100 متشرد أو متسول من الوصول إلى سرير، لأن المملكة ليس لها سوى 6 مؤسسات لهذه الفئة.

وبحسب لائحة التعاون الوطني، فإن مؤسسة واحدة ضمن خمس مؤسسات تتدخل دون ترخيص لإيواء أو إطعام متسولين أو مشردين، لارتفاع الحاجة، واعتماد سد الخصاص على “الإحسان الديني” بشكل كبير، لذلك، فإن 54 مؤسسة غير مرخصة، تتدخل في الإغاثة العاجلة، 26 منها بعد دخول القانون رقم 14.05 حيز التنفيذ.

وتتوزع هذه المؤسسات غير المرخصة على 18 مؤسسة موجهة للأطفال في وضعية صعبة، و19 مؤسسة للمعاقين، واثنتين للمسنين، وتدفع بعض هذه الجمعيات (يصل عددها إلى 54) بعدم خضوع أنشطتها للقانون 14.05، فيما عملت 11 مؤسسة لصالح الأطفال، و9 للمعاقين، وواحدة للمسنين بدون ترخيص، قبل اعتماد القانون المذكور.

إن بعض الفاعلين، لا تكتمل لديهم شروط التأطير والاستقبال، حسب ما يدعي دفتر التحملات، لكنهم يريدون التخفيف من الحالة الإنسانية لفئات تعيش ظروفا صعبة.

وفي نظرة خاطفة على التوزيع الإجمالي لمؤسسات الإغاثة، فإن جهات مراكش والدار البيضاء وأكادير وبني ملال وخنيفرة وكلميم والعيون والراشيدية وورززات والداخلة، ليس لديها مؤسسة واحدة لاستقبال المشردين والمتسولين؟ وليس في العاصمة الرباط، وأكادير وبني ملال وخنيفرة وكلميم والعيون والداخلة، أي مؤسسة للنساء في وضعية صعبة؟ وليس في كلميم وادنون والداخلة وادي الذهب مؤسسة واحدة للمعاقين؟ كما ليس للمسنين أي مؤسسة في كلميم وفي الداخلة، بل ليس هناك مؤسسة واحدة للأطفال المتخلى عنهم؟ كما تعاني جهتي درعة تافيلالت والداخلة ووادي الذهب، من غياب أي مركب اجتماعي.. إنها أصفار تؤكد حالة البؤس والحرمان الذي تعيشه بلادنا؟!

وفي مثال صادم للدار البيضاء، نلاحظ: استفادة 306 فقط من أصل 13800 مسن معوز من الأكل والنوم، أي أن 13500 مسن في العاصمة الاقتصادية، يموتون بدون أكل بعيدا عن وجودهم في سرير؟ إلى جانب 7145 معاقا و12626 امرأة تحتاج للإغاثة الفورية من أكل وشرب.

+++ لولا “الإحسان الديني” لسقط المغرب

عندما ندرك أن أكثر من نصف الإغاثة في المملكة تأتي من الإحسان الديني، في بيئة حرمان كاملة، تتأكد بما لا ريب فيه، مقولة: ((لولا الإحسان الديني، لسقط المغرب))، لأن إقصاء 94 في المائة من الإغاثة العاجلة، خطر شديد على كل نظام، ولذلك، تفتقر الإغاثة إلى التنسيق بين المتدخلين والفاعلين، لضعف الموارد المالية، وما يترتب عنها من انقطاع الخدمات الموجهة للمستفيدين، حيث أن 38 في المائة من المؤسسات، تعرف صعوبات مالية، بما يعمق الأزمة ويقلص هامش الإغاثة إلى 1.62 في المائة فقط، أي أن واحدا في المائة من المعوزين، يصل إلى الخدمة الأساسية: الأكل ووجود سرير ينام عليه، بشكل غير متقطع.

وهذه الهزالة الشديدة، تجعل مؤسسات الإغاثة تحتاج بدورها إلى الإغاثة، لأن الالتزام بدفتر التحملات، يتطلب موارد مالية لا تتمكن منها 38 في المائة من المؤسسات المرخصة، و27 في المائة أخرى، لصعوبات في الكادر التربوي، و13 في المائة لصعوبات في استمرار الخدمات، وتكون 0.22 فقط من المؤسسات الاجتماعية بدون صعوبات، أي أننا أمام الدرجة صفر في الإغاثة.

ويعترف المجلس الأعلى للحسابات، في الفقرة 35 من تقريره الخاص، بالرعاية الاجتماعية باعتماد هذه المؤسسات في تمويلها على الإحسان بدرجة أولى، ثم منحتي التعاون الوطني ووزارة التضامن ودعم الجماعات الترابية، وبعض المؤسسات العمومية، ويصنف حسب منطوق الفقرة 36، مصادر الدعم في الإحسان والدعم العمومي وعائدات الممتلكات والمشاريع.

وحاليا، لا يمول التعاون الوطني، بل يعطي منحا فقط، منها منحة التأطير حسب مؤشر الطاقة الاستيعابية (84 ألف درهم) للمؤسسات التي فيها مستخدمين، و300 ألف درهم لمن لها 8 مستخدمين، وأيضا منحة التسيير وتصل إلى 10 أو 12 ألف درهم في اليوم لكل مؤسسة، ويعود ما يأكله ويلبسه المعوز إلى “الإحسان الديني”.

وهناك تمييز بين منح التسيير والتأطير، قد تنزل عن 2 في المائة للمؤسسات المكلفة بالنساء في وضعية صعبة.

وحسب مؤشر الطاقة الاستيعابية، فالدعم العمومي لكل طفل متخلى عنه، يصل في اليوم إلى 13 درهما في 2015، ونزل إلى 10 دراهم في 2016، أي بمعدل درهمين للفطور و4 دراهم للعشاء ودرهم للنظافة، وهو أعلى دعم في كل الفئات الهشة، إذ يتوزع على النساء في وضعيات صعبة، درهم واحد وستون سنتيما في اليوم الواحد، والمسن بالإضافة إلى استشفائه، 9 داهم في اليوم.

وتبرز هذه المعطيات، الصعوبة البالغة للمغرب في مواجهة أزمة الفئات الشديدة الهشاشة، وهي لا تستطيع أن تصل إلى تأمين وجباتها الأساسية، عبر ميزانيات الدولة التي يطغى على ضعفها عدم الاستقرار، وقد تم تخصيص 72 في المائة من منح التجهيز لدور العجزة والأطفال المتخلى عنهم، لحساسية هاتين الفئتين العمريتين.

ويلاحظ المراقبون، المحدودية الشديدة لموارد التعاون الوطني من الأساس، كما يلاحظون صعوبة تحصيل بعضها، كما يؤكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات، لاسيما:

ـ ضعف مردودية الرسم الإضافي المفروض على الذبح في المجازر وصعوبة تحصيله.

ـ تقليص حصة التعاون الوطني من مدخول الرهان الحضري المتبادل من 4.10 إلى 2.10 في المائة.

ـ إلغاء الرسم شبه الضريبي على الألعاب القائمة على الحظ في الكازينوهات.

ولصالح الجزارة والمقامرين، ضاعت 70 في المائة من موارد التعاون الوطني، ولذلك، لا تجد هذه المؤسسة بدا من تأخير صرف منحها، وقد تجاوزت سنة كاملة في بعض الحسابات، مما يعيق صرف المستحقات للمستخدمين المعتمدين على هذه المنح.

وتبرز معطيات المحكمة المالية بالمغرب، قرار التأشير لصرف منح 2016 في غشت من نفس السنة، بتأخير 8 شهور، ولم يتم التأشير عليها من طرف الدولة إلا في أكتوبر 2016 أو أبريل 2017، بما يصل بالتأخير إلى 10 شهور أو 16 شهرا (سنة و4 شهور كاملة)، وهي كارثة تجعل المغرب تحت رحمة “الإحسان الديني”، ولذلك، لا تهتم الأطراف الفاعلة في الإغاثة، بالترخيص وغيرها من الإجراءات المتبعة، لأن الدولة لا تقدم أي واجب تجاه الرعاية الاجتماعية للمعوزين المسنين والأطفال المتخلى عنهم، وباقي المواطنين الذين يعانون من وضعيات صعبة يقابلها عدم التوفر على مصادر دخل ذاتية قارة، لأن المسألة تتعلق بالمحسنين الذاتيين فقط.

+++ ضعف دعم الجماعات الترابية لإغاثة الأطفال المتخلى عنهم والمسنين والمعاقين

لا تدعم الجماعات الترابية، إلا في حدود 10 في المائة من مجموع الدعم العمومي الذي لا يشكل بدوره سوى 37 في المائة من موارد الإغاثة، بما يؤكد الضعف الشديد في مساهمة هذه الجماعات، رغم نص المادة 87 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات على مساهمتها في إحداث دور العمل الخيري، ومأوى العجزة ومراكز اجتماعية للإيواء، علاوة على كونها ممثلة في لجن تدبير مؤسسات الرعاية الاجتماعية، كما تورد الفقرة 53 من تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وقد انتقد بشدة في الفقرة 54، عدم وضوح وانتظام صرف الرسم الإضافي للذبح، المنصوص عليه في المادتين 59 و60 من القانون رقم 30.89 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية، وهو رسم يمثل 50 في المائة من الرسم الأصلي للذبح، ترصد منه 80 في المائة لتمويل المشاريع الاجتماعية والخيرية المحلية، غير أن منتوج هذا الرسم الإضافي، يتسم بعدم انتظام مبالغه، وعدم وضوح معايير توزيعه.

وفي صدمة موالية، فإن الجماعات الترابية والتعاون الوطني والإنعاش الوطني، لا يشغلون سوى 7.45 في المائة من المستخدمين الموجهين للرعاية الاجتماعية، فمقابل كل مستخدم تشغله جميع قطاعات الدولة في الرعاية الاجتماعية، يشغل المحسنون 12 مستخدما لخدمة المعوزين والمسنين والأطفال المتخلى عنهم، وهو ما يؤكد بصفة كاملة، أن الدولة تركت المعوزين والمعوزات والمسنين والمسنات، وباقي أصحاب الحاجات للمحسنين والمحسنات، ولولاهم لساء الحال أكثر.

والإحصائية الرسمية المنشورة، صعبة القبول، لأن الجماعات الترابية لا تشغل سوى 0.97 في المائة في الحماية الاجتماعية، والتعاون الوطني 1.67 في المائة، والإنعاش الوطني 1.30 في المائة، وبعد هذه النتيجة، لا يمكن القول سوى بـ “أن الدولة معدومة الوجود والفعل في حقل الرعاية الاجتماعية”.

وتبقى نسبة المستخدمين الذين يقومون بمهام طبية، جد ضعيفة، إذ لا تتجاوز 6.43 في المائة، وأيضا بالنسبة لمهام المساعد الاجتماعي التي لا تشكل نسبتها سوى 4.25 في المائة فقط، أما أجورهم ومستحقاتهم، فإن معدلها يصل إلى 2833 درهما، مع العلم أن 64 في المائة من المستخدمين، يتلقون أجرا أقل من الحد الأدنى، ومن المنطقي في هذه الظروف، عدم وجود بعض المتخصصين (معالج أو محلل نفسي، مروض طبي مثلا).

وعلى هذا النحو، هناك ضحايا مزدوجين في مؤسسات الرعاية الصحية، فالمشرفون على الضحايا، هم ضحايا بحد ذاتهم، لأن أموال “الإحسان الديني” تكون للمسن أو الطفل المتخلى عنه وغيره، وليس للطاقم المشرف على العمل، لذلك يعمل المستخدمون دون عقود شغل ودون تغطية صحية، وبرواتب لا تحترم الحد الأدنى للأجور، كما تقول الفقرة 65 من تقرير المجلس الأعلى للحسابات.

+++ الاكتظاظ في الخيريات يصل إلى 800 في المائة؟

في 2016، تجاوزت بعض الخيريات طاقتها الاستيعابية بـ 800 في المائة، لوجود ضغط فادح عليها، مع لوائح انتظار في خمس مؤسسات تهتم بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

وتشترط القوانين الداخلية للمؤسسات، إحداث لجنة للتدبير بكل مؤسسة خيرية، فيما ربع هذه المؤسسات بدون مدير، ولجان المراقبة غير مفعلة، ولم تخضع نصف الخيريات لأي مراقبة منذ إنشائها.

وفي غمار هذه الفوضى، أتاح دليل التدبير المالي والمحاسبي لبعض المؤسسات، إحداث شساعة، لأداء بعض النفقات اليومية، إلا أن هذا الترف قابلته الجمعيات الإحسانية، بالقول أن المبالغ المتاحة ضعيفة أمام الطلب، ويتم تبويبها بحسب طبيعتها، وبمبالغ صغيرة، يقول تقرير المجلس الأعلى للحسابات، بالنسبة لكل صنف من النفقات.

وبالفعل، إن عطلت الدولة منحها لـ 14 شهرا وارتكز كل شيء على المحسنين، فإن بعض الآليات الموضوعة، تعد ترفا، لأن المبالغ غير مستقرة، والاكتظاظ يرتفع ثماني مرات في الخيريات التي توضع أغلبية العقارات رهن إشارة عملها دون تمكنها من أي وثيقة، ويسلم بعض المحسنين عقارات لعمل الخير، لمدة يرونها مناسبة، ولا يريد المحسن إلزام نفسه بتبعات أخرى تخلت عنها الدولة، لذلك، فإن مقار الخيريات، تفوت على نفسها إنجاز مشاريع مدرة للدخل.

ويتخوف المحسنون من تحويل مدد زمنية لعمل الخير والإغاثة الطارئة في عقاراتهم، إلى تمليك لصالح جمعيات أنشؤوها لهذا الغرض، ومع ذلك، فإن 29 في المائة من المحسنين، نقلوا العقارات لصالح هذه الجمعيات العاملة في الحقل الإغاثي، ووصلت الجمعيات الخيرية إلى أرقام جيدة: 82.99 في المائة في تطبيق آلية تحديد معايير التغذية، مع التوفر على تأمين المستفيدين في حدود 70 في المائة، وتحرص 90 في المائة من هذه الجمعيات على التصديق على حساباتها، فيما 80 في المائة منها، تقوم بتسجيل وتتبع الإعانات العينية.

وسبق لمكاتب افتحاص خارجي، أن أدلت بملاحظات منها:

ـ غياب فصل المهام بين مكتب الجمعية وباقي أجهزة تدبير المؤسسة.

ـ اضطلاع المدير بمهام المسؤول المالي.

ـ غياب مساطر ومحاضر تسليم السلط، لأن الأمر يتعلق بعمل تطوعي لإنجاح عمل خيري، لا أقل ولا أكثر.

وفي غياب مأسسة القطاع الإنمائي والخيري لأن الدولة تخلت عن هذا الجانب، فإن المأسسة من منظورها، لا تخرج عن تحويل ما هو موجود، إلى مطابقة ما قررته في الوثائق.

ولم تؤطر الحكومة سياسة عامة للرعاية الاجتماعية، ولا منحتها أي تمويل جدي وفعال، لذلك، عملت ملاحظات مكاتب الافتحاص على:

ـ عدم تمييز الخيريات عن باقي المؤسسات.

ـ عدم تقدير الطابع التطوعي والإغاثي لهذا القطاع.

ـ أن التعاون الوطني والإنعاش الوطني، جهتان لا تمولان القطاع بالطريقة التي تمكن من وضعهما تحت قرارات محددة، لأن الإغاثة عبر المحسنين، هي ملء للفراغ، لاستفحال ظواهر عديدة يتقدمها الأطفال المتخلى عنهم والعجزة، ولم تتمكن مؤسسة التعاون الوطني من تتبع دليلها الموجه للخيريات أو المساعدة، بإنشاء نظام معلوماتي يساعدها على التتبع والمراقبة، أمام تحفظاتها على التسيير، إذ جرى التصديق على الحساب السنوي بـ 67.34 في المائة مع وجود تحفظ، وفي 9.68 في المائة من الحالات، تم رفض التصديق، وفي  22.98 في المائة، لم يكن إبداء الرأي متاحا.

ومن اللافت في نفقات الخيريات، أنها تدفع فواتيرها للماء والكهرباء، دون أن تسمح للوكالات الموزعة للمادتين، بإعفائهما لعملهما التطوعي النبيل، ولم تعمل المجالس البلدية أو وزارة الأوقاف، على دفع هذه الفواتير في إطار العمل العام.

ودفعت الخيريات 11.97 مليون درهم للماء والكهرباء في 2012، لتصل إلى 16.87 مليون درهم في 2016، أي بمعدل سنوي يصل إلى 13.4 مليون درهم بين 2012 و2016، وهي نصف الكمية الغذائية السنوية الموجهة إلى النزلاء، وتبلغ الفاتورة السنوية للتغذية، 23.61 مليون درهم عام 2012 و27.61 مليون درهم عام 2016.

ومن جهة أخرى، فإن للتجهيز الذي على الدولة القيام به لصالح الخيريات، غطى باقي الفاتورة الغذائية، ويمكن القول أن الفواتير التي على الدولة دفعها، تسحق ميزانية التغذية في الخيريات، وهو ما ينعكس على:

ـ ضعف مخصصات التخطيط التربوي، إذ لم تتجاوز 3 في المائة من مجموع النفقات، ونزلت بمليوني درهم، أي حوالي 18.32 في المائة.

ـ تصاعد نفقات المستخدمين بـ 43.81 في المائة في الفترة ما بين 2012 و2016، مما زلزل الميزانيات الإحسانية الموجهة للنزلاء، وعوض أن تقوم الدولة بدعم الجمعيات الإحسانية بكوادر من إدارتها، فإنها فضلت نقل الميزانية الموجهة للمتضررين إلى الطاقم المشرف.

ولذلك دخلت الجمعيات الإحسانية في مواجهة الديون والعجز بمعدل سنوي يصل إلى 7 ملايين و84 ألف درهم.

+++ الدولة تساهم في مديونية الخيريات، بمعدل سنوي يصل إلى 7 ملايين درهم؟

وصلت ديون الخيريات والجمعيات الإحسانية، إلى حوالي 10 ملايين في 2016 (9.80 ملايين درهم) بعد أن كانت قبل 3 سنوات، وفي 2013، حوالي 6 ملايين درهم (5.88 مليون درهم)، فيما المداخيل الإجمالية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية، في حدود 35.48 في المائة، نتيجة الأزمة التي تطحن الطبقة المتوسطة، فيما تزداد الحاجة للخدمات الخيرية.

وأمام هذه الموجة من الغلاء، وباقي الضغوط المشار إليها، اندحرت التغذية بشكل صعب، ولم تتجاوز ميزانية التغذية سوى 15.84 من ميزانية التسيير، أي أقل بكثير عن الخمس، في ضربة موجعة للنزلاء، وفي الفقرة 93 من تقرير المجلس الأعلى للحسابات، فإن تغذية كل مستفيد، لا تتجاوز 5.48 دراهم يوميا لما يقارب 60 في المائة من مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وهو رقم يؤكد على صعوبة القول، بوصول النزيل إلى المعدل الدولي من “الكيلوكالوري” إلا في حدود 20 في المائة، لذلك، فالجوع يضرب أماكن الرعاية الاجتماعية بقسوة.

+++ الجوع يضرب الخيريات وأماكن الرعاية العمومية

تغذية يومية بـ 5 دراهم فقط لـ 60 في المائة من نزلاء الخيريات، يكشف الجوع الذي يضرب مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وينقذ بعض المحسنين هذا الوضع المأساوي، بهبات عينية من التغذية، لكنها لا تشكل فارقا، لأن 80 في المائة من هذه الهبات، يؤثر بشكل جدي على التغذية الموجهة للقاطنين في الخيريات، إذ تستقبل حالات لا تتلاءم مع طبيعتها بمعدل يصل 35 في المائة، في إكراهات عديدة تتعلق بالدواء، إذ يصل العجز إلى 99.91 في المائة، وهو رقم فظيع وغير قابل للتصديق، أمام متطلبات صحية تصل إلى 40 في المائة، وصعوبات أخرى في الاستجابة لمتطلبات التمدرس بـ 61 في المائة من داخل بنايات غير ملائمة في حدود 44 في المائة، مع عدم مراعاة شروط السلامة في 54 في المائة من الحالات، وتضيف إحصائيات المجلس الأعلى للحسابات، أن ثلث النزلاء لا يعرفون التدفئة، في غياب برامج للصيانة.

+++ 9 في المائة من الخيريات توزع الدواء للمرضى النفسيين وذوي الإعاقات الذهنية للتخفيف عنهم في غياب الأطباء؟

تورد الفقرة 105 من تقرير المجلس الأعلى للحسابات، صدمة، لقولها أن 9 في المائة من الخيريات، تقدم الدواء للمرضى النفسيين وذوي الإعاقات الذهنية في غياب الإشراف الطبي الضروري، لأن 40 في المائة من المؤسسات الخيرية، لا تستطيع الاستجابة للمتطلبات الصحية، و((إذا كان نظام “راميد” قد أتاح لنزلاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية الاستفادة من المساعدة الطبية بحكم القانون، فإن إجراءات الاستفادة منه، تتم عبر تقديم مديري المؤسسات، لطلبات العلاج، في حين كان من الأجدر، تمتيعهم بصفة تلقائية بالبطاقات)).

+++ ظروف الإيواء تدمر التمدرس

إن الوضعية النفسية للأطفال، وظروف الإيواء، تدمر التمدرس لدى هذه الفئة المتضررة إلى حد بعيد، بالإضافة إلى ضعف أو غياب الإشراف والتتبع، بل إن هؤلاء النزلاء، لا يستفيدون من برنامج مليون محفظة أو المنح المخصصة للداخليات أو للتغذية؟

ويضطر 35 في المائة من الأطفال، البقاء في الخيريات بعد بلوغهم سن المغادرة، للظروف القاسية وعدم تمكنهم من تحمل تكاليف الحياة، لذلك، فالمسألة تزداد صعوبة.

ففي 44 في المائة من البنايات المتهالكة والقديمة، يعيش أطفال ينظرون إلى المستقبل بصعوبة، كما ينظرون إلى حلم فصلهم إلى فئات، ولذلك، فإيواء مختلين عقليا في فصل الشتاء إلى جانب أطفال أو مسنين، مسألة جارية ومثيرة، لذلك، لا مجال للحديث عن قاعات منفصلة للأكل أو مراحيض أو حمامات أو مرافق للتمريض أو الترويض أو مرافق إدارية للمؤسسة.

+++ هزالة الدعم العمومي تقتل العمل الإغاثي

يمكن الجزم أن العمل الإغاثي في المملكة، ضعيف، لهزالة الدعم العمومي، وصعوبة تطوير أي عمل جدي في هذا المجال، في غياب شبه كامل للدولة تجاه مسؤوليتها نحو أشخاص لم تساعدهم بنيتهم الجسمية أو العقلية، أو ظروفهم في اندماجهم.

وفي الواقع، ما تطلق عليه المملكة مؤسسات “الرعاية” الاجتماعية، ليست مطابقة للمعيار الفرنسي الذي تعود له هذه التسمية، ويؤكد على “الحماية” الاجتماعية(1) المندمجة في إطار عام للحماية الاجتماعية أو الضمان الاجتماعي، ولا يخرج عن هذه المنظومة، على أساس حماية الأفراد، فمنذ سنة 1850، رأى نابليون الثالث، إقامة نظام للضمان الاجتماعي إمبريالي تحت الإدارة(2)، لخدمة القادرين لغير القادرين.

ولا يعمل المغرب اليوم على نظام متكامل للحماية أو الرعاية أو النجدة الصحية، يضم توجيه مؤسسات لفئات لديها أوضاع خاصة لضمان تغذيتها وتمريضها، بل هناك نظام منح لجمعيات إحسانية تقدم المساعدة لبعض الفئات التي تحتاج للحماية، فالدولة لا تقدم ضمانات لفئات لها احتياجات خاصة، لأنها لا تستطيع العمل بسبب الإعاقة أو الشيخوخة، أو المرض العقلي، أو عدم تحمل الأبوين لمسؤوليتهما، فيقوم المجتمع مقامهما، وبالتالي، فإن ما يعيشه المغرب، خارج منطق الدستور الذي يكفل لهذه الفئات حقوقها لأنها لم تختر أوضاعها، وواجب على الدولة، ثم واجب المغاربة، حماية ضعيفهم، فالدولة لا تتضامن بالمنح، كما في حالتنا، بل تتكفل، والمواطنون يتضامنون، ولا يمكن أن تبقى المعادلة معكوسة، بل يجب انخراط الدولة في الإطار الدولي(3) لمواجهة الجوع، وتحقيق متطلبات الصحة ضمن الجماعة المغربية، ويزيد عدم وضوح النظام الجماعي، في ضبابية المشهد(4)، إذ اختزلت دور الدولة عندنا، في منح؟

ولا يمكن للدولة تحت أي معطى، في حمايتها الاجتماعية لفئات عاجزة أو معوزة، أن تسلم الأمر للإحسان، بل وتؤخر منحها لـ 14 شهرا، وهي فترة لا يقبلها منطق، لذلك، فحماية الضرورات تسبق القانون، كما قال مشروع قانون المالية الفرنسي في 2007(5)، فنحن أمام قانون على الدولة تنفيذه(6)، ولا يمكن للدولة أن تعالج ما هو قانوني بمنح تشكل تفويضا لقرارها وبرنامجها(7)، ولوجودها(8)، لذلك، فالرعاية الاجتماعية هي الدولة، وترسيخ هذه الحماية، هو تاريخ الدولة، بتعبير عميق لجون مانيتاداس(9) في محاضرة رائعة قدمها في 9 أكتوبر 2009 في مركز “سي. جي. تي” للتاريخ الاجتماعي.

ومن البديهي الأخذ بتوصيات تقنية للمجلس الأعلى للحسابات، لكنها لا تلبي الجوهر الذي يتحدث عن:

ـ بناء نظام جماعي مغربي.

ـ ربط مؤسسات الرعاية الجماعية بالنظام الجماعي وباقي أنظمة الضمان الاجتماعي، إذ لا يمكن فصل التدخل الإغاثي عن منظومة الحماية الجماعية، أو فصل مصطنع بين “الرعاية” و”الحماية” الجماعيتين.

ـ تعميم التغطية الصحية مثلا، دون أن يتسلم كل معاق من دون مدخول، ومسن في دار العجزة، بطاقة “راميد”، وهم اليوم محرومون من حقهم وأهليتهم لـ “تبطيق” هذه الفئات شديدة العجز، ومجرد معرفة أن تكون معاقا في المغرب وفي خيرية لا يسمح لك بحمل بطاقة “راميد”، هو تقدير فاسد.

ـ تقديم الحق الدستوري لهذه الفئات العاجزة أو المعوزة، سيبقى من دون مدلول، ومن الواجب الوصول إلى كامل مخرجات العملية الإحسانية في المملكة، وتحصينها بواجب الدولة أولا، لأن الدولة لا يمكن تفويض واجبها الأصيل، بمنح متأخرة لـ 14 شهرا؟

ـ تأسيس وعي قانوني بديل عن الحالي في مواجهة الدولة لواجبها الأصيل في حماية مواطنيها في الحالات القاهرة، كما في حالة المسن العاجز من دون مدخول، والمعاق الذي لا يستطيع العمل، أو الطفل الذي لا يتمكن من أن يكون على قدر قدراته، ولا مندوحة في الأخير، من القول أن تقدم “الإحسان الديني” على الدولة، إشارة قوية لنبل الشعب المغربي، لكن على الدولة أن تدير باقي ميكانيزمات نظامها الجماعي، لصناعة مستقبل آمن للجميع.

***********************************

هوامش

 Gérard Corno (direction) et association Henri Capitant, vocabulaire juridique, Paris, presses universitaires de France, collection «quadridge», 7 édition, 2005 p: 970.
  • Rapport de l’empereur, des sociétés de secours mutuels, décret 26 mars 1852.
  • Anne Rilliet Howald, la reforme des régimes des soins de santé: cadre international et communautaire, thématiques actuelles, presses universitaires d’Aix Marseille – PUAM, 2004.
  • Sécurité sociale: l’effondrement incognito du régime collectiviste français, contrepoints, 25/10/2013.
  • Rapport sur les prélèvements obligatoires et leur évolution, projet de finances pour 200, menifi.
  • Jean pierre Chauchard, Jean Yves kerbouch et Christophe will mann, droit de la sécurité sociale, Paris, LGDJ. Collection «manuel», 2013, 6ème édition p: 624.
  • Jean jacques Dupey Roux, Michel Borgetto, et Robert Lafore, droit de la sécurité social, Paris, Dalloz, collection «precis» 2011, p: 1260.
  • Xavier Pretot, droit de la sécurité sociale collection «mementos» 2011, 13 édition, p: 268.
  • Jean Magniadas, histoire de la sécurité sociale. conférence présenté le 9 octobre 2013 à l’institut C.G.T. d’histoire sociale.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!