في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | الآلية الإفريقية لحل نزاع الصحراء..

في تقرير رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي

إعداد: عبد الحميد العوني 

في التوصية الثالثة لرئيس المفوضية الإفريقية المقدمة إلى مؤتمر الاتحاد الإفريقي في دورته العادية الحادية والثلاثين، المنعقدة بنواكشوط في الأول والثاني من يوليوز 2018، دعوة إلى إنشاء مؤتمر الاتحاد، آلية إفريقية لتقديم الدعم الفعال للعملية التي تقودها الأمم المتحدة، وتتمثل في “استئناف المفاوضات تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة دون شروط مسبقة، وبحسن نية بهدف إيجاد حل عادل ومستدام يقبله الطرفان، ينص على تقرير المصير لشعب الصحراء ـ الغربية ـ في سياق ترتيبات تتماشى مع مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة”.

وتكشف الصيغة على تجاوز الاستفتاء، وإقرار الدولة لجبهة البوليساريو باسم الواقعية السياسية التي يفسرها المغرب على أساس مبادرته للحكم الذاتي، ليكون الطرفان (المملكة والجبهة)، مدعوان لحل سياسي عادل ومستدام، وقد قبل الطرفان مواصلة مسلسل المفاوضات الأممية التي يتبناها الاتحاد الإفريقي بين المملكة و”الجمهورية” المعلنة دون تحفظ، وإطلاق الآلية الإفريقية تعزيزا لنظرة الاتحاد بأن تقرير المصير لا تحتاج فيه الدولة المعلنة في المخيمات إلى استفتاء من طرف شعبها، فأصبحت معطى قائما يرسخه الاتحاد الإفريقي في تعاون كامل مع الأمم المتحدة.

وباسم “الواقعية” دائما، أصبح المعطى الصحراوي خارج أي تشكيك يتأتى من الاستفتاء على البوليساريو، وقد ربحت هذه المنظمة حاليا وضعها كـ “دولة” ستفاوض المغرب باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فيما الرباط تجاوزت بتجاوز الاستفتاء، التشكيك في مصير تراب الإقليم، على الأقل لدى الأوساط الداخلية بالمملكة، لكن المعطيات الخارجية لا تسير في هذا الاتجاه، لأن المفاوضات الأممية تحولت إلى حوار بين طرفين، وتحولت الواقعية إلى قبول أكبر بـ “الدولة المعلنة في المخيمات والمعترف بها في الاتحاد الإفريقي”.

وبناء عليه، فإن هذه الواقعية والحل الواقعي، تحول إلى مصدر إزعاج حقيقي للمملكة، لأنها تدفع إلى دخول المفاوضات مع “دولة” تجالسها في الاتحاد الإفريقي، الراغب في إعادة افتتاح مكتب بعثته بمقر “المينورسو” في العيون، وقد عبر كوهلر في زيارته الأخيرة إلى البعثة الأممية، عن إكمال الاستعدادات لتوسيع المقر العام، وتسليم مقر مستقل لصالح الاتحاد الإفريقي الذي سيضم في خارطته، “الدولة” المعلنة من طرف البوليساريو ودعمها في الأراضي التي يديرها المغرب، كما جاء في محاضر لقاء المبعوث الإفريقي شيسانو مع كوهلر في جولة برلين، وفعلا، قررت اللجنة الخامسة للأمم المتحدة رفع ميزانية “المينورسو” إلى غاية يونيو 2019 (56 مليون دولار: 52.35 مليون دولار مخصصة للصيانة، و2.7 مليون دولار لدعم عمليات حفظ السلام، و679.800 دولار لدعم قاعدة إمداد المينورسو، و265 ألف دولار تحت إشراف مركز الخدمات الإقليمي)، ومجرد إطلاق “الإقليمية” على خدمات “المينورسو”، رسالة لكل الأطراف.

كما أن مجرد إطلاق المفاوضات، دون شروط مسبقة، يضع البوليساريو أمام المملكة بصفتها الإفريقية لدى الأفارقة، وقد اعترف بها عمليا هورست كوهلر ضمن “الواقعية” التي يتبناها مجلس الأمن.

+++ آلية وافق عليها الملك الراحل الحسن الثاني

في قمة الخرطوم لمنظمة الوحدة الإفريقية بالعاصمة السودانية من 18 إلى 22 يوليوز 1978، قبل اعتراف المنظمة بـ “دولة” البوليساريو، وافق الملك الراحل الحسن الثاني على الآلية الإفريقية، فيما رفضها حاليا، والبوليساريو دولة كاملة العضوية في الاتحاد الإفريقي.

وأصدرت قمة الخرطوم لعام 1978 قرارها حول الصحراء، بإنشاء آلية إفريقية على ضوء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لـ 14 دجنبر 1960، القاضي باستقلال الأقاليم والشعوب المستعمرة، معتمدة على “نفس الملاحظات والخلاصات لإنشاء الأمم المتحدة لبعثتها يوم 11 نونبر 1975، وطبقا لحكم محكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975 مع احترام لمبدإ حق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره”، ويؤكد القرار في الفقرة الأولى، على مسؤولية منظمة الوحدة الإفريقية في البحث عن “حل عادل وسلمي مطابق لمبادئ وميثاقي منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة”.

وفي الفقرة الثانية، تعيد المنظمة الإفريقية على تأكيد قرارها القاضي بعقد قمة استثنائية حول قضية الصحراء.

وفي الفقرة الثالثة، تقرر منظمة الوحدة الإفريقية التزامها بمبدإ تقرير المصير، وتدعو الفقرة الخامسة دول المنطقة، إلى دعم البحث عن حل عادل وسلمي لهذه المشكلة.

وفي الفقرة السابعة والأخيرة، دعت السكرتارية العامة للوحدة الإفريقية، إلى إبلاغ قرارها  إلى علم الأمم المتحدة.

وقدم تقرير رئيس المفوضية، ثلاث خيارات لهيكلة الآلية الإفريقية لدعم الأمم المتحدة في قمة نواكشوط:

1ـ اللجنة المخصصة لرؤساء الدول والحكومات بشأن نزاع الصحراء ـ الغربية ـ التي تم إنشاؤها بموجب القرار الذي اعتمدته الدورة العادية، الخامسة عشر لمؤتمر رؤساء الدول الإفريقية والحكومات، والمنعقدة في العاصمة السودانية الخرطوم، من 18إلى 22 يوليوز 1978، والتي تم توخي إمكانية إعادة تنشيطها في مقرر 653 الصادر في يوليوز 2017، وسيتم توسيع هذه اللجنة لتشمل رئيس المفوضية.

2ـ فريق رفيع المستوى يتألف من “الترويكا” التابعة للاتحاد ورئيس المفوضية.

3ـ وفد رفيع المستوى يتألف من رئيس الاتحاد ورئيس المفوضية.

ولأن هناك رغبة إفريقية في عدم العمل على قرار سابق لمنظمة الوحدة الإفريقية وإن بتعديله، وعدم الالتزام بحرفيته، ولأن المغرب يريد المزيد من التوازن في اللجنة، فضل الاقتراح الثاني، لأنه يمثل التمثيل الأكبر الذي يضمن عدم الاتفاق على استهداف الآلية للمغرب، لكن مع ذلك، سادت ملاحظتان في قمة نواكشوط:

أ ـ أن الاتحاد الإفريقي بآليته رفيعة المستوى، يدفع الأمم المتحدة إلى مسلسل مفاوضات بدون شروط مع المغرب، يكرس للبوليساريو صفتها الإفريقية دولة ضمن دول الاتحاد.

ب ـ أن عمل الاتحاد، يسمح للأمم المتحدة بتوسيع نفوذها وإدارتها للملف، وهو ما بدا جليا لانتقال كوهلر إلى العيون، وعقد لقاءات مع دعاة الاستقلال في مقر بعثة الأمم المتحدة (المينورسو)، وفتح مكتب الاتحاد الإفريقي يكون على صلة بـ “الترويكا”.

+++ الزيارات المشتركة للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة إلى جنوب السودان وتشاد والنيجر، تنتهي بزيارة مشتركة إلى الصحراء

إن التعاون الذي أبداه هورست كوهلر في لقاء شيسانو، المبعوث الإفريقي لقضية الصحراء، وما أكده رئيس المفوضية الإفريقية، موسى فقيه، من ضرورة العمل مع الأمم المتحدة لدعم جهودهما، المتمثلة في إطلاق مفاوضات السلام من دون شروط مسبقة، انتهى إلى الاتفاق على أرضيتين:

1ـ مشاركة الأفارقة في وقف إطلاق النار، لتعزيزه بعد التشكيك الذي طرأ أخيرا على الوضع في الصحراء.

2ـ عمل الأفارقة على تمثيل البوليساريو لشعب الإقليم بعد تجاوز الاستفتاء، المسطرة القانونية لإثبات هذا التمثيل من عدمه، وأصبح مبدأ تقرير المصير المتداول عند الأفارقة، قائما على خيار واحد: “الدولة المعلنة في المخيمات”، وبالتالي، فإن المسألة تتعلق بمسلسل السلام بين دولتين من أجل التوافق على حل عادل ومستدام.

ومن المهم أن المفاوضات التي يدعو لها مجلس الأمن، ومن دون شروط مسبقة، بما يعزز من إدارة الأفارقة لهذا المشكل، بطريقة سريعة وفعالة وعلى مستوى عال من خلال الآلية التي قررتها قمة نواكشوط، سترفع من الإيقاع والضغوط للوصول إلى حل عادل ومستدام لهذه القضية.

+++ مشاركة الأفارقة في إيجاد حل

قرر الاتحاد الإفريقي مشاركته لإيجاد حل لمشكل الصحراء، تماشيا مع صكوك الاتحاد الإفريقي قصد مرافقة ودعم جهود الأمم المتحدة، مع مراعاة أن يبقي مجلس الأمن المسألة قيد نظره.

ولا يمكن تصور أن يكون الأمر متعلقا بدعم الاتحاد للمملكة، بل تدعم هذه الآلية تمثيل البوليساريو للساكنة وإقرارها الدولة المعلنة، وعلى المغرب دخول المفاوضات دون شروط مسبقة، ووافقت الرباط على هذا الإجراء، ضمن ما سماه التقرير: “التفكير بالتشاور بشكل وثيق مع الأمم المتحدة حول مضمون الحل التوافقي المنشود”، وهي تعلن عن:

1 ـ مشاركتها في مضمون الحل التوافقي، كما في الجملة الأخيرة من الفقرة “ج” 21 من التقرير، وقد رأت “الدولة في المخيمات”، عضوا مؤسسا وكامل العضوية في الاتحاد الإفريقي، وطرفا كامل الأهلية في هذا النزاع، لعدم حاجته، بعد هذه السنوات، لاستفتاء يشكك، وبشكل عميق، في تمثيل الجبهة لساكنة الإقليم.

وباعتماد الاتحاد الإفريقي البوليساريو “دولة كاملة العضوية” في منظمته، انتهى الاستفتاء، إذ كان في الواقع، آلية أممية انتهى من الجهة الأخرى برفض المغرب لإجرائه، وتحول الحل إلى إدارة ذاتية مستقلة للإقليم هي إلى الآن، بين الحكم الذاتي المرتقب، كما تقترحه الرباط، والدولة المعلنة في المخيمات.

2ـ التماس شرعيتها وتأطيرها القانوني من مؤتمر الخرطوم لـ 1978، وقد أكدت وصيته على مرجعية الأمم المتحدة.

3ـ العمل على تقرير دوري يرفع إلى مؤتمر الاتحاد، وعند الاقتضاء، إلى مجلس السلم والأمن على مستوى رؤساء الدول والحكومات.

4ـ عدم طرح المسألة خارج رؤساء الدول والحكومات.

وكلها شروط تؤكد أن الاتحاد الإفريقي، مستعد للتعامل مع التطورات التي يشهدها ملف الصحراء من منطلقين:

ـ الحرب، بعرض المسألة على مجلس الأمن والسلم عبر رؤساء الدول والحكومات، عند الاقتضاء، كما قال التقرير.

ـ المشاركة في “مضمون الحل التوافقي” في المفاوضات.

ويذكر الاتحاد الإفريقي 5 اشتراطات، منها:

1ـ المشاركة في بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء من خلال مكتب له في العيون.

2ـ التنسيق العملي مع “المينورسو”.

3ـ اعتماد لوائح مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة.

4ـ احترام أولويات الاتحاد وإشراكه بالكامل، كما في البند 22 من التقرير، من خلال الأولويات المحددة.

5ـ التدخل من أجل ما يسميه “الشعب المتضرر” كما في الفقرة 23 من التقرير.

رغم أن التقرير في ديباجته، لا يخرج عن وصف ما قام به رئيس المفوضية بـ “المشاورات والتفاعلات السياسية” واصفا أطرافا دولية بأصحاب المصلحة (البند الثالث)، يؤكد التقرير على:

ـ تخصيصه يومين لكل من المغرب (5 و6 يونيو 2018) و”جمهورية” البوليساريو (19و20 يونيو)، وبين اللقاءين، 15 يوما في مشاورات دقيقة مع أصحاب المصلحة الدوليين.

ـ لقائه بأعلى سلطة في المغرب وبـ “جمهورية” البوليساريو، في شخصي العاهل المغربي و”رئيس الجمهورية”، وهي محاولة من الاتحاد الإفريقي لدفع الطرفين إلى الاعتراف بواقعهما داخل المنظمة الإفريقية لإنجاح المفاوضات بدون شروط، كما يعمل عليها هورست كوهلر، وهو ما شكل تطورا لافتا سيكون له ما بعده.

إذن، مشاورات الاتحاد الإفريقي، كانت على قدم المساواة بين المغرب و”دولة” البوليساريو من حيث الصياغة (الفقرة 4 لزيارة المملكة)، و(الفقرة 5 لزيارة دولة البوليساريو)، وفي لقاء المسؤولين ومراتبهم.

وفي استشارة الأطراف، لم يستقبل بوتفليقة رئيس المفوضية الإفريقية، موسى فقيه، فيما استقبله الرئيس الموريتاني، وبهذه الورقة، يكون الاتحاد قد دفع إلى حوار دولتين، هما طرفين في إطار الأمم المتحدة، واصفا العمل مع الجزائر بـ “مناقشة الجهود الحالية” لإيجاد حل، فيما كانت مع الرئيس الموريتاني، مفتوحة على صور الحل بتبادل وجهات النظر، خصوصا وأن الرئيس ولد عبد العزيز، له وجهة نظر كاملة لحل قضية الصحراء، نقلها إلى الاتحاد الإفريقي، ووجد في هورست كوهلر والأمم المتحدة، الأذن الصاغية، لذلك، فهو لا يرى مانعا من توسيع المفاوضات لتشمل موريتانيا، وتعتقد نواكشوط بضرورة مشاركتها في مضمون الحل التوافقي بين المغرب والبوليساريو، لأنها تتخوف من حل ثنائي.

+++ اللقاءات المكثفة مع هورست كوهلر وأنطونيو غوتيريس

يعترف التقرير بعدة مناقشات بين رئيس المفوضية الإفريقية وأنطونيو غوتيريس، لم تحدث بنفس الكثافة مع طرفي النزاع، والتقى موسى فقيه مع هورست كوهلر في 10 يناير في أديس أبابا في مقر الاتحاد الإفريقي، وفي 13 يناير في كيغالي مع رئيس الدورة، بول كاغامي، للتأكيد على المسار الرسمي للمباحثات، ومواصلتها على أساس:

1ـ الحوار مع أصحاب المصلحة الدوليين داخل القارة الإفريقية وخارجها (البند 7) حول قضية الصحراء، وأورد موسى فقيه مشاركته في الحوار التفاعلي مع المنظمات الإقليمية، والذي عقد يومي 12 و13 يونيو 2018، كاشفا وجود أطراف دولية لها مصالح مباشرة في هذه القضية، ليتأكد أنها ليست قضية معزولة، وليست بين طرفين، أو مع دول الجوار، بل هي قضية دولية.

2ـ الحوار بين المبعوث الإفريقي الخاص للصحراء، جواكيم شيسانو، وبين المبعوث الأممي للأمين العام للأمم المتحدة، هورست كوهلر، انتقل لمرحلة أخرى، يتعاون فيها المبعوثان لتكون المنظمة الإقليمية مشاركة، كما قال التقرير في “مضمون الحل التوافقي”، وهي العبارة الحاسمة والمركزية في تقرير رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي.

ولا يخفى على الخبراء، أن الدولة، في نظر الاتحاد الإفريقي، هي “مضمون الحل التوافقي” لحل قضية الصحراء، لأن “دولة” البوليساريو، عضو مؤسس لهذه المنظمة القارية.

3ـ بصمة الرئيس بول كاغامي قوية في تقرير رئيس المفوضية الإفريقية حول الصحراء، فإفريقيا تتحرك في اتجاه واحد لدعم المفاوضات الأممية، من دون شروط بين طرفي النزاع في الصحراء.

ويبدو واضحا، أن هورست كوهلر، استطاع أن يضع إلى جانبه، الاتحادين الأوروبي والإفريقي، لصياغة مضمون الحل التوافقي بين المغرب والبوليساريو، ولا يمكن للجانبين الإفلات من انطلاق جولة جديدة من المفاوضات، وقد حدد أطراف المصلحة الدوليين، بصورة مباشرة، آفاق الحل، لأن تأخر انطلاق الجولات بين طرفي النزاع، جعل الآخرين يملؤون الفراغ، ويحددون تفاصيل ستصدم جبهة البوليساريو والمملكة على حد سواء.

+++ الحاجة إلى إحياء عملية السلام

هناك مسلسل لعملية السلام في نظر الاتحاد الإفريقي، كما جاء في الفقرة “ألف” من البند العاشر، وهو الإصلاح الذي ينتهي بدولة على جزء من الأرض التاريخية لإقليم معين، وتقرير المصير يؤكد شيئا واحدا: نقل سلطات الدولة المعلنة، من اللجوء إلى جزء أو محل تراب إقليم الصحراء.

وفي الفقرة “ب” من البند 10 من التقرير، وردت صياغة “السكان المتضررين، لاسيما اللاجئين في تندوف”، وقد اعتبرت هذه العبارة، جميع الصحراويين متضررين، مؤكدا في الفقرة الموالية: “اندلاع أعمال عدائية فعلية” في ضوء التوترات الملحوظة على الأرض، وبالتالي، خطر التشكيك في وقف إطلاق النار، وما يسميه الاتحاد الإفريقي “خطر التشكيك في وقف إطلاق النار”، و”اندلاع أعمال عدائية فعلية” على الأرض، يدفع المجتمع الدولي إلى الضغط لإحياء عملية السلام.

إذن، فتأطير الصراع، يضعنا أمام قرارين حاسمين:

1ـ تقوية الاتفاقيات والأوضاع المناسبة لوقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو، من خلال إحياء لجنة عليا أو خاصة مؤطرة قانونا بموجب قرار اعتمدته الدورة الخامسة عشر لمؤتمر رؤساء الدول والحكومات(1) والمفعل في يوليوز 2017.

2ـ  إحياء اتحاد المغرب العربي، كي لا يكسر المغرب الذي قدم طلب انضمامه إلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس)، لعبة التوازنات والترتيبات التي تشكلها المجموعات الاقتصادية الإقليمية للاتحاد الإفريقي، فلا يمكن لبلد إفريقي له خلاف مع دولة أو أكثر داخل مجموعته الاقتصادية، أن يطلب لهذا السبب، الانضمام إلى مجموعة أخرى.

وكان الرئيس بول كاغامي، واضحا بعدم الموافقة على الانضمام الكامل للمغرب إلى “الإيكواس”، لأنه خطر على الاتحاد الإفريقي، وفي البداية، لم يكن المغرب قادرا على الانضمام إلى إحدى المجموعات الاقتصادية الإقليمية دون دخول الاتحاد الإفريقي، وبعد الدخول، لن يكون ممكنا انتقال دولة معينة من مجموعة إلى أخرى، ضمن المجموعات الاقتصادية الإقليمية المعلنة، حفاظا على الاتحاد الإفريقي.

واضطر رئيس الدورة، ورئيس المفوضية، إلى تفعيل مقرر 653 لتنظيم التدخل في الصحراء من أجل المغرب العربي، كي لا يقع اضطراب جيواقتصادي يعد في نظر أوراق المشاورات، “انحرافا”، ويتفق الاتحاد الأوروبي مع قادة الاتحاد الإفريقي في هذه الخلاصة.

واعترف الاتحاد الإفريقي بشكل لا يقبل اللبس، وفي الفقرة “واو” من البند 10، بالقلق المتزايد لعدد من الدول الأعضاء التي “تخشى أن يعيق استمرار النزاع على الصحراء، وما ينتج عنه من توترات على مستوى الاتحاد الإفريقي، تنفيذ أولويات التكامل القاري بشكل خطير”، لذلك قرر الاتحاد، أن يشارك الأمم المتحدة في تقديم عناصر الحل.

+++ عناصر الحل مسألة طرحها رئيس المفوضية الإفريقية، كما جاء في البند 11 من تقريره

لم يعد الاتحاد الإفريقي يتحدث عن إيجاد حل، بل يناقش “عناصر الحل”، حسب البند 11 من تقرير رئيس المفوضية الإفريقية، مع سائر الأطراف، والمغرب رسميا، وحسب التقرير المعروض على قمة نواكشوط، لم يقل “الدور الحصري” الموكول للأمم المتحدة، بل قال بـ “الدور المركزي” للمنظمة الأممية فقط، وهو جانب دقيق وملفت بالنسبة لموقف المملكة، وإن رفضت مخاطر عملية موازية، رغم أن الاتحاد الإفريقي لا يحتاجها، لأنه معترف بتقرير مصير شعب الصحراء من خلال دولته العضو في المنظمة القارية، ومن جهة ثانية، أكدت المملكة على التزامها بعملية التفاوض.

وفي البند 13، ترى السلطات المغربية، أن الأراضي ملك للمملكة المغربية، فيما نقلت رأي ما سمته السلطات الصحراوية في البند 14.

ومن الناحية الجوهرية (حسب البند 15)، أورد التقرير “مبدأ حرمة الحدود الموروثة من الاستعمار، والطابع غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وفقا للشرعية الدولية”، ومن خلال “استفتاء”، ومجرد وصف الاتحاد الإفريقي المبدأين سالفي الذكر، بـ “الجوهرية”، حكم يؤكد فيه الاتحاد على المبدأين في بند كامل، مقابل وصف مجلس الأمن لجهود المملكة بالجدية وذات المصداقية للتوصل إلى حل في الصحراء، وجدد الطرفان التزاماتهما بإعادة إطلاق عملية التفاوض والتوصل إلى حل، بما يؤكد أن هورست كوهلر، يفكر في إطلاق الجولة القادمة بين البوليساريو والمغرب في شهر شتنبر القادم، باستدعاء الطرفين دون استشارتهما في مكان المفاوضات، كي لا يتكرر ما حدث بين برلين ولشبونة.

+++ موريتانيا تضيف في عقيدتها حول الحياد الإيجابي بشأن دعمها لـ “أي حل يكون مناسبا للطرفين”، جملة “استنادا إلى احترام الشرعية الدولية”

حدث تغير لافت في موقف نواكشوط، فهي تشترط اليوم في عقيدتها المعروفة بـ “الحياد الإيجابي” لكل حل مناسب للطرفين ـ البوليساريو والمغرب ـ احترامه للشرعية الدولية، وجاءت صياغة البند 18 لافتة، و”أعادت موريتانيا تأكيد موقفها المتمثل في الحياد الإيجابي، مشيرة إلى أنها ستدعم أي حل يكون مناسبا للطرفين استنادا إلى احترام الشرعية الدولية”.

ولا يمكن لنواكشوط دعم مبادرة الحكم الذاتي في هذه الحالة، إلا من خلال قرار مجلس الأمن رقم 1495 و”خطة بيكر” المعروفة، وتكشف قراءة تقرير رئيس المفوضية الإفريقية، عن تقديرات أخرى مع الأمم المتحدة.

+++ لا مبادرة موازية ومنافسة لعمل الأمم المتحدة، مع السماح باقتراحات للأفارقة من داخل العملية التي تقودها الأمم المتحدة

إن المبدأ المتفق عليه بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، متمثل في عدم إطلاق مبادرة منافسة أو موازية من الاتحاد الإفريقي للأمم المتحدة، حسب منطوق البند 19 من التقرير، وكأن ما يقدمه هورست كوهلر، مبادرة، وليست فقط وساطة بين طرفي النزاع، ومن جهة ثانية:

1ـ فإن لدى الاتحاد الإفريقي، القدرة دعم جهود الأمم المتحدة في مراحل حاسمة، ضمن المبادرة الأممية التي جمعت عناصر الحل، ويحاول الأفارقة المشاركة في مضمونه، فالمسألة تتعلق بعملية سلام، حسب منطوق الاتحاد.

2ـ فإن هورست كوهلر، يريد تحديد طرائق التعاون مع الاتحاد الإفريقي، قبل مواصلة مهمته.

وفي الفقرة 19، وبالعودة إلى النص الإنجليزي، فإن المبادرة “مسموح بها للاتحاد الإفريقي من داخل العملية التي تقودها الأمم المتحدة ضمن مناهج عمل متفق عليها”.

إنها مبادرات إفريقية من داخل العملية، وليس من خارجها، ولذلك سيعمل الاتحاد في الوقت المناسب، للانتصار لمبدأين جوهريين:

الأرض الموروثة عن الاستعمار، وتقرير المصير، لأن التمرد عنهما سيقلب أمن القارة السمراء، وهي التي رفضت انضمام المغرب إلى “الإيكواس” لأنها تريد الحفاظ على خارطتها الجيواقتصادية، ولا يمكن بأي حال، القبول بتغيير في خارطتها الجيوسياسية، لأجل ذلك، تدخلت بقوة لأنها تريد الحفاظ، إلى جانب الأمم المتحدة، على تسريع الحل في الصحراء.

+++ دخول مشكل الصحراء مرحلة خطرة

وصف البند 20 من تقرير رئيس المفوضية الإفريقية المرحلة التي يقطعها مشكل الصحراء بـ “الخطر”، فقال في الفقرة الأولى منه بـ “الضرورة الملحة لإيجاد حل”، ولإدارة هذه المخاطر، لابد من تعزيز سلطة مجلس الأمن على إدارة المشكل، ويقوم الاتحاد الإفريقي بتعزيز الدعم لعودة الأعمال العدائية الفعلية على الأرض، والتشكيك في وقف إطلاق النار.

لذلك، فالآلية الإفريقية تعمل على 20 خاصية:

1ـ المبادرة في خطوات الحل.

2ـ جمع “عناصر الحل” وتوجيهها بما يناسب مبدأين جوهريين لدى الاتحاد: الحدود الموروثة، وتقرير المصير.

3ـ الدعم الإقليمي والقاري لوقف إطلاق النار، لإزالة التشكيك الذي حدث مؤخرا.

4ـ رصد الأعمال العدائية على الأرض.

5ـ رصد مظاهر الشعب المتضرر.

6ـ استناد الحياد الإيجابي من المشكل على الشرعية الدولية.

7ـ التزام أي اتفاق ثنائي بين البوليساريو والمملكة بمطابقته للشرعية الدولية.

8ـ أن المفاوضات غير المشروطة بين طرفي النزاع، تندرج ضمن عملية سلام يقودها مجلس الأمن، وتباشرها الأمانة العامة للأمم المتحدة ويؤطرها جزئيا الاتحاد الإفريقي.

9ـ حصر القلق المتزايد حول الصحراء في الأمم المتحدة، كي لا تنعكس التوترات على مستوى الاتحاد الإفريقي في تنفيذ أولويات التكامل القاري والخطط السياسية والاقتصادية التي صادق عليها المنتظم القاري.

10ـ تحديد الأضرار المتواصلة لعرقلة طرف أو أكثر في عملية التفاوض.

11ـ مواجهة خطر التشكيك في وقف إطلاق النار وخطر اندلاع الأعمال العدائية الفعلية من خلال مجلس السلم والأمن وعلى مستوى رؤساء الدول الحكومات فقط.

12ـ التزام الحل المتفق عليه مع صكوك الاتحاد الإفريقي.

13ـ عقد مشاورات مكثفة مع الأطراف التي أعربت عن التزامها بالتعاون مع الآلية.

14ـ الدعم الفعال لكل الخطوات التي يقررها هورست كوهلر دون تحفظ، بمجرد نقلها إلى المبعوث الإفريقي، شيسانو.

15ـ الالتزام الحرفي بسياق وترتيبات تتماشى مع مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة.

16ـ التشاور مع الأمم المتحدة، حال اتفاق طرفي النزاع على “مضمون الحل التوافقي”، أو في حال بنائه من طرف الأمم المتحدة في توافق مع ورقتي المملكة والجبهة الموجهتين إلى مجلس الأمن.

17ـ اعتبار خاصيات الآلية، معايير كما في الفقرة “واو” البند 21.

18ـ أن الآلية الإفريقية، تمثل النهج الإفريقي المقترح (الفقرة “زاي” البند 21).

19ـ التدخل للتنفيذ الأجندة الموجهة لـ “الشعب المتضرر” من خلال إعادة تشغيل مكتب الاتحاد في بناية “المينورسو” في العيون.

20ـ العمل على توافق عمل الأمم المتحدة مع صكوك الاتحاد الإفريقي، عبر التعاون مع آليته المقترحة، وعلى توافق من داخل المفاوضات وخارجها مع كل عمل للاتحاد، خدمة لتوافق عضوين داخله، وهذه الخاصيات قد لا تخدم بالضرورة، الأهداف والسقوف المعلنة من طرف المملكة.

+++ ماذا بعد تبني الاتحاد الإفريقي لآلية إفريقية حول الصحراء؟

علقت وكالة أنباء إفريقيا الوسطى، عن إطلاق الآلية الإفريقية بالقول “إنها آلية لتقرير مصير الصحراويين”(3)، وكتب موقع “تسا – كل شيء عن الجزائر” عن الآلية، بأنها “ناتجة عن توافق بين المغرب وجبهة البوليساريو”(4)، ولم تخف “سبوتنيك” الروسية من عمل جزائري لتبني الأفارقة هذا الاقتراح، نقلا عن تصريح ناصر بوريطة لقناة “فرانس 24″(5).

وفي المقابل، قالت البوليساريو عبر وكالتها “أنها آلية للحل بين الصحراء والمغرب”، وهو نفس تعليق “جون أفريك”(6)، ولم يخف الإعلام الجزائري ما سماه “وقوع المغرب في الفخ” بتعبير جريدة “الإيكسبرسيون” الجزائرية، فيما شككت وسائل إعلام إفريقية في محدودية هذه الآلية قبل انطلاقها، متسائلة عن جدواها(7)، لأن التقرير كان محسوبا، ووافق عليها المغرب، لأنه يدعم “المسار الأممي” من خلال الآلية الإفريقية، فيما رحبت البوليساريو بالمبادرة، لدعم الأمم المتحدة من آلية تعترف بها كـ “دولة”.

وحسب الخبراء، فإن فرنسا اهتمت بتبني هذه الآلية في زيارة رئيسها ماكرون إلى العاصمة نواكشوط في ختام القمة الإفريقية، ليعزز من دور مجموعة دول الساحل، حيث أصبحت فضاءا جيوسياسيا بين المغرب العربي ودول مجموعة غرب إفريقيا (إيكواس).

وعزز بناء الفضاء الجديد، التفكير في إيجاد حل للصحراء، ولم يتوقع الكثيرون من فرنسا هذا التحول، لكن ماكرون ينظر إلى خارطة دول الساحل، بطريقة مختلفة، وهي تعطي طفرة لعمل الأمم المتحدة في قضية الصحراء، فعوض أن يتمدد المغرب إلى غرب إفريقيا، ينكمش في نظر البعض، عبر فضاء دول الساحل، وإطلاق الآلية الإفريقية من موريتانيا، ليست مصادفة، بل كرست فصلا جيوسياسيا جديدا تقدم فيه فضاء دول الساحل، لعزل المغرب عن “الإيكواس” وحصره في الفضاء المغاربي.

ومن جهة ثانية، فإن المفارقة واضحة بين ما قاله الوزير بوريطة في ندوته الصحافية، بأن “الصحراء ملف حصري للأمم المتحدة”(8)، لكن التقرير قال بـ “الدور المركزي للأمم المتحدة”، ولذلك سمحت المملكة للاتحاد الإفريقي بدور في الملف، وهو ما شجع على اقتراح “آلية إفريقية”، فيما علل الوزير ما حدث، بأنه فرصة لسحب الملف من مجلس السلم والأمن الإفريقي، ومناقشته حصرا على صعيد رؤساء الدول والحكومات، وهي ضربة تكتيكية ضد نفوذ الجزائر في المجلس المذكور، موضحا أن الميكانيزم ليس لإيجاد حل أو البحث عنه، بل فقط لدعم الأمم المتحدة، وبالرجوع إلى التقرير الرسمي، فإن الأمم المتحدة سمحت للاتحاد الإفريقي بالمبادرة، من خلال التسوية التي تقودها، ويحس الجميع أن المملكة رأت فيما حدث، سحبا لملف الصحراء من مجلس السلم والأمن الإفريقي، وتحويل الآلية الإفريقية إلى دعم المسلسل الأممي لا أقل ولا أكثر.

وبين من يؤكد، أن الآلية لمتابعة “التسوية الأممية” وعدم انحرافها عن مبادئ الاتحاد الإفريقي الذي يعترف بالبوليساريو دولة، وبين من يؤكد أنها آلية لدعم المسار الأممي دون أي تأثير عليه، يتواصل الصراع الدبلوماسي بين طرفي النزاع في تسخير الآلية الإفريقية التي أقرتها قمة نواكشوط من أجل أهداف التسوية التي لا تقل عن مبادئ “خطة بيكر” في مجلس الأمن، أو تسوية بين دولة عضو في الاتحاد الإفريقي والمملكة، وإلى الآن، فشروط انطلاق الجولة الجديدة من المفاوضات بين البوليساريو والمغرب، اكتملت، وهو المتفق عليه في نيويورك وأديس أبابا.

 

هوامش

  • AHG/Res.92(XV).
  • Assembly/AU/dec 653 (XXIX).
  • Sahara occidental: l’UA favorable a un mécanisme africain pour l’autodétermination des sahraouis, agence d’information d’Afrique centrale, 4/7/2018.
  • Le sommet de l’UA adopte un mécanisme africain pour le Sahara occidental, T.S.A. 2 Juillet 2018.
  • Sahara occidental: le rôle d’Alger dans l’application du mécanisme de l’UA, selon Rabat, sputnik news, 4/7/2018.
  • Moussa faki mahamat propose un mécanisme africain pour contribuer a résoudre le conflit au Sahara occidental, pierre Boissolet, Jeune Afrique, 1/7/2018.
  • UA: a qui profite la nouvelle décision relative au conflit de Sahara! Afrique confidentiel, 3/7/2017.
  • Sahara: ce qu’a réellement décidé le sommet de Nouakchott, media 24, 3/7/2018.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!