في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الصحافة تتهافت على أخبار الأميرة سلمى..

عندما كلفت الملكة الخيزران جنديا بخنق ولدها الملك الهادي 

بقلم: مصطفى العلوي

بعد أن خيم ظلام الصمت وسكون الخوف(…) وهيبة المحيط(…) شهورا طويلة بعد الغيبة المفاجئة للمواطنة الجميلة سلمى بناني، وقد أصبحت على مدى خمسة عشرة سنة بحكم ولادتها لولي العهد، الأمير مولاي الحسن، الحدث الذي شرفها بلقب الأميرة المحترمة، فأصرت وسائل الإعلام كلها على ذلك الصمت المفروض(…)، بحكم الحق الملكي في سيادة كل قرار يصدر عنه، كما عودتنا التقاليد المخزنية التي ترفع من تشاء وتنزع التشريف عمن تشاء، لتتجرأ المجلة الإسبانية “هولا”، وهي التي تنشر برعاية سامية، طبعة مغربية، نشرت بكل جرأة، تساؤلات لم يجرؤ الرأي العام الوطني الجبان، على التساؤل مثلها ولا إعطاء الجواب عن أسباب هذا الغياب المفروض(…) لتفاجئنا المجلة الفرنسية “جون أفريك” منذ شهور، بربورتاج عن الملك محمد السادس، وصور لجلالته مع ولده مولاي الحسن وبنته للا خديجة، ولا تلميح ولا إشارة إلى الأميرة للا سلمى، التي يظهر من الربورتاج كأنها لم تكن(…).

ولم يبق إلا للمواقع الإلكترونية الغير مراقبة(…) حق إشاعة الاحتمالات التي تحدد مصير كل سيدة مع زوجها، في إطار الشرع والقانون، مع مبالغات من قبيل ما نشره موقع “المغرب ليك”، الذي تحدث – حسب مصادر موثوقة – عن المصير الذي كان خلف هذا الغياب(…) إلى أن حصل ما لم يكن في الحسبان، فانبرت جريدة “الأيام” (عدد 4 يوليوز 2018) لنشر: ((غياب الأميرة للا سلمى، عن الرئاسة التقليدية لمهرجان فاس للموسيقى، ونيابة الأميرة للا حسناء في افتتاح هذا المهرجان))، مذكرة بأن المغنية المشهورة ماجدة الرومي فاجأت المصفقين عليها في حفل أقامته يوم 28 جوان، بالإشارة إلى القفطان الجميل الذي كانت تلبسه، فقالت للمتفرجين أن هذا القفطان هدية من الأميرة للا سلمى.

وتنضاف جريدة أخرى، وربما في إطار التضامن الصحفي(…) لتنشر مجلة “إيكونومي أنتربريز” (عدد يوليوز 2018) تنويها بماضي الأنشطة التي قامت بها الأميرة للا سلمى، في إطار رئاستها لمحاربة مرض السرطان على مدى خمسة عشر عاما، بصيغة توحي بأن هذا التذكير داخل في إطار تاريخ جميل، لهذه الأميرة الجميلة.

ليدفعنا هذا التضامن الصحفي إلى طي الملف(…) وإدراج الحدث في إطار الأقدار الإلهية، التي سبقت منذ قرون وأجيال لتقرير مصائر الآلاف، من الأميرات والملكات اللواتي كانت آخرهن، الملكة العظمى، زوجة الإمبراطور شاه إيران، فرح ديبا، وقد رأيناها في الصورة، سنوات من بعد تفترش تراب أرض الصويرة، وهي تتفرج كأيها الناس في حفل شعبي للفولكلور المغربي، فهو قرار الزمن، الذي لا يضمن الاستقرار، ولا الاستمرار، لأي مخلوق مهما كانت عظمته في هذه الدار، وكم هو مخطئ من يعتقد بدوام الحال، الذي هو من المحال.

وحتى لا يتوقف التاريخ عند مصير إمبراطورة إيران، نقوم بمراجعة مفصلة لمصائر كان الزمن وحده سيدها الحقيقي.

فقد خلدت كتب التاريخ الإسلامي، كثيرا من التفاصيل عن أول ملكة إسلامية، كانت في بدايتها مجرد جارية(…) مسبية من أرض اليمن، تسمى الخيزران، اشتراها الملك العباسي، المهدي، وتزوجها، لترزق منه أميرين شهيرين، الهادي وهارون الرشيد، ولتتحدث الدولة العباسية عن أم الملك الهادي بعد موت زوجها المهدي، وتصبح الخيزران هي سيدة الدولة العباسية، وجماهير العباسيين تتزاحم على بابها، طلبا للحق والإنصاف، ليتضايق ولدها الملك الهادي، حسب الكتب التي نقلت عنها، أن ولدها الهادي استدعى أمه وقال لها: بلغني أنه يقف ببابك قوادي، وضباطي، وخاصتي، وإن استمر هذا فإني أخبرك بأني سأضربن بالسيف عنق كل من يقف ببابك، وأضاف لها تلك المقولة التي دخلت للتاريخ، حين قال لها: يا أمي، أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك.

وكان الهادي، ولدها هذا، قد أصبح يتضايق من ولدها الثاني هارون، الذي كانت أمه ترغب في تعيينه وليا للعهد، ولكنه نسي كيد النساء، وقد قال القرآن أن كيدهن عظيم، لتكرس الأم الخيزران هذه المقولة القرآنية، فتبعث بعض جنودها لقتل ولدها الهادي، وقد جلس أحد الجنود على وجهه حتى انقطعت أنفاسه، وأصبح ولدها الثاني هو الملك هارون الرشيد.

هارون الرشيد هذا، تزوج بدوره ابنة وزيره جعفر البرمكي، وكانت تسمى زبيدة، التي ولدت له الأمين والمامون، والتي أصبحت سيدة الموقف بدل أمه الخيزران، وكما يحدث بين أي زوج وزوجته، تخاصم هارون الرشيد يوما مع زوجته زبيدة، فهددها: سوف أطلقك، وكانت زوجة الملك هارون الرشيد تعرف ضخامة الشرع الإسلامي، فقالت له: أبدا، لا يمكنك أن تطلقني، واستدعت هي عالما يسمى سفيان التوري استهان به الملك هارون الرشيد وقال له: أليس القرآن يقول: مثنى وثلاث ورباع، فانحنى العالم إجلالا وقال له: أتمم الآية يا مولاي، فقال هارون: فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة، وأحرج هارون الرشيد عندما استدعى علماء آخرين رددوا له نفس الآية.

وكان موضوع الزواج في المغرب، يتمتع بمراجع أخرى حتى قبل الإسلام، وهو ما أثر على واقع الأميرات والملكات في تاريخ المغرب، الذي يرجع إلى أيام الفينيقيين الذين استقروا بالمغرب منذ القرن الحادي عشر قبل المسيح، وأقاموا أمجادهم على أطراف مدينة طنجة، وكانوا يسمونها طنجيس، وامتد ملكهم إلى موريطانيا، التي سموها طنجستان، في أيام الملك جوكورطا، الذي أسلم الحكم للملك اليوناني أنطوان، الذي دخل التاريخ عبر أمجاد زوجته كليوباطرا، ليتطور الوضع في السنة أربعين قبل الميلاد، إلى تشبيه الملوك بالآلهة الذين يمارسون الحب.

الحب الذي تضخم وتوسع عبر مراحل التاريخ المغربي الذي كتب ابن بطوطة في رحلاته ((أن رجلا من صنهاجة استدعاه لبيته ليفاجأ بسيدة جميلة جالسة في أجمل حالها، وأمامها شاب أجنبي، فقدمها لابن بطوطة وقال له: هذه زوجتي، وهذا صاحبها، ليستغرب المؤرخ، فيقول له مضيفه الصنهاجي: إن نساءنا في صنهاجة لسن كنسائكم، وليس عيبا عندنا أن يكون لزوجتنا صديق، ولهذا فالولد عندنا يحمل اسم أمه، وليس اسم أبيه)) (الدكتور الحسين أسكان. مجلة أمل).

وهو ما فسره المؤرخ الفرنسي المختص في شؤون المغرب “شارل أندري جوليان” الذي كتب: ((إن النساء البربريات لعبن أدوارا عبر التاريخ الموحدي، فليست النساء أدوات ينصبهن الرجال كما يريدون، إنهن الملكات الحقيقيات)).

وقد توسع ابن خلدون في تاريخ الملكة البربرية الكاهنة، المنتمية إلى إقليم جرجورة، التابع لزناتة، والتي أكد ابن خلدون أنها كانت يهودية، وكانت إحدى نماذج المحاربات في التاريخ، تكريسا لقاعدة الدهاء الذي يطبع النساء، وتعطشهن الشديد للحكم(…) وإعطائهن دائما للصورة المخالفة للحقيقة الكامنة في دواخلهن(…) تكريسا للقاعدة المعروفة، إن كل امرأة هي جوهرة متعددة الوجوه.

وكان أول حاكم إسلامي في المغرب، جرب دهاء المرأة البربرية، هو مؤسس الدولة الإدريسية، مولاي إدريس الفاتح، الذي زوجته القبائل البربرية بابنتهم كنزة، وسموها ملكة زرهون، وهي التي ضمنت نجاح مولاي إدريس، وفتحت المغرب في وجه الفتح الإسلامي انطلاقا من قبيلتها أوربة.

بينما قرر الملك المريني أبو الحسن، أن يوسع اختياراته، ويتزوج ابنة سلطان تونس، أبو يحيى بوبكر سنة 1331 ميلادية، دون أن يعرف بدوره غدر الزمن، ((فقد أرفق الملك المريني معه زوجته التونسية في معركة بالأندلس، حصلت يوم 28 نونبر 1340، حين هاجمته جيوش الملك الإسباني ألفونسو الحادي عشر، وقد دخلت في أحد القصور على سيدة جميلة تلبس قفطانا من الموسلين، وفي يدها دمليج واسع من الذهب، حين هاجمها جندي كاستياني، وطعنها برمحه، لتموت، وهو يجهل أنها الزوجة التونسية لملك المغرب، لولا أن الملك سارع بعد هذه الخسارة إلى التزوج بامرأة أخرى تسمى شمس الضحى. عندما تزورون مقبرة شالة في الرباط، تجدون قبر الملك المريني، أبو الحسن المريني، وبجانبه قبر زوجته شمس الضحى)) (محمد بركاش. نساء بدون حجاب).

يتبع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

error: Content is protected !!