في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | النيابة العامة.. سلطة مستقلة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية

إعداد: عبد الحميد العوني 

بتاريخ 7 أكتوبر 2017، شرع الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، في رئاسة النيابة العامة عوض وزير العدل، وفقا لمقتضيات المادة 117 من القانون التنظيمي 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، وهي (أي النيابة العامة) تبع مطلق للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، لأنها “رئاسة صفة”، وليست مؤسسة بحد ذاتها، وقد انتقلت كاختصاص،  من وزير العدل تحت رئيس الحكومة، إلى الوكيل العام للملك تحت نفوذ الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومعلوم أن المجلس يرأسه الملك.

ويتلقى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تقارير، منها تقرير الوكيل العام للملك، بصفته رئيسا للنيابة العامة حسب المادة 110 من القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، قبل عرضه ومناقشته أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان، ولذلك، فهو تقرير ضمن تقارير أخرى، ولا يحمل أي استثناء أو تقديم على غيره، بمنطوق المادة 110 السالف ذكرها، والقانون يفرض رفعه إلى المجلس قبل العرض والمناقشة في البرلمان، وسكت الجميع عمن يحدد السياسة الجنائية وينتجها قبل تنفيذها من طرف الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة بالصفة، فالدستور سكت عن دور وزير العدل، والجهة التنفيذية، في شخص النيابة العامة التي يرأسها الوكيل العام، فقررت من جهتها، رفض إباحة الدستور لعرض ومناقشة تقريرها أمام البرلمان، الذي أوكل الدستور له حصرا، وضع السياسة الجنائية (قرار المحكمة الدستورية رقم 991ـ16 الصادر بتاريخ 15 مارس 2016).

وصدر أول تقرير للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، حول تنفيذ السياسة الجنائية بصفته رئيسا للنيابة العامة، ليعلن في صفحته 11، عن ميلاد مؤسسة “النيابة العامة” وإخراجها من “اختصاص” موكول قضائيا، وحسب النظام الأساسي للقضاة، للوكيل العام للملك بمحكمة النقض وإطلاق “المؤسسة” عليها، وإن تأتى لها ذلك، فإن البرلمان يضع السياسة الجنائية، ومؤسسة النيابة العامة تقوم بتنفيذها، بعيدا عن أي دور للحكومة في شخص وزير العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وطالب ممثلو الأمة، بأن يكون تعامل مجلسي البرلمان مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حصرا، وأن تكون بعض وجوه التنفيذ، لوزير العدل لمسؤوليته عن القطاع في الحكومة “سلطة تنفيذية”، فيما تكون سلطة التكييف والأجرأة للنيابة العامة، وما يعيشه المغرب من أزمة في تقسيم أدوار بين دائرتين تنفيذيتين: وزير العدل والوكيل العام لمحكمة النقض، لا يعيشها النظام الفرنسي الذي يرأس فيه وزير العدل النيابة العامة، ويكون فيه النائب العام في أمريكا هو وزير العدل في طاقم الرئيس، ويشكل السلطة السابعة، فيما يعيش المغرب حالة من مأسسة النيابة العامة، يشوبها القلق، لدعوتها التعاون مع جميع السلطات للتفعيل الناجع للفصل الأول من الدستور (الصفحة 11 من التقرير)، وهي الصياغة التي أربكت الكثيرين، لأنها خاطبت كسلطة جديدة، باقي السلطات في الدولة المحروسة.

+++ الصفحة 11 من تقرير رئاسة النيابة العامة، تعلن نقل “اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل” إلى الوكيل العام للملك بمحكمة النقض، بما يعلن نهاية منصب وزير العدل؟

 

لم يعد الأمر متعلقا بنقل “اختصاص” من وزير العدل إلى الوكيل العام بمحكمة النقض، بل بنقل “اختصاصات” السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك، فالصياغة التي جعلت رئاسة النيابة ينقل إليها أكثر من اختصاص، واختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، هو تجاوز لأمرين: أن النيابة العامة “اختصاص” انتقل من السلطة الحكومية إلى سلطة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فأوكل تنفيذه إلى الوكيل العام للملك لمحكمة النقض، وليس هناك نقل “اختصاصات” السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، والأمر الثاني، يتحدد في صعوبة تطبيق المبدإ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن وزارة العدل يقودها سياسي يتعرض على الأقل للمساءلة الانتخابية لحزبه، والمساءلة البرلمانية عن تنفيذ السياسة الجنائية، فيما يرفض رئيس النيابة العامة الحضور للبرلمان، وسكت الدستور عن الأمر، إيذانا بالإباحة، لأن المسألة تتعلق بـ “عرض ومناقشة” وليس بمساءلة؟

ويدافع مناصرو مأسسة النيابة العامة، على الاختصاصات الموكولة لها على أساس أنها “أدوار جديدة”، كما جاء في الصفحة 12 من التقرير، وليس “دورا جديدا” للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بما أنه دور روتيني وسابق لوزير العدل.

وتتعلق المسألة كلها بـ “قواعد تنظيم” لا أقل ولا أكثر، وبتكييف آخر، تنفيذا للمادة 25 من القانون التنظيمي بمثابة النظام الأساسي للقضاة، والمادة 66 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث وضع القانون رقم 33.17 قضاة النيابة العامة بالمملكة، تحت سلطة وإشراف ومراقبة رئيسهم، الوكيل العام للملك بمحكمة النقض.

وما يعتقد أنه نقل للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، هو اختصاص النيابة في ممارسة الدعوى العمومية واحترام سيرها، طبقا للتشريعات الجاري بها العمل، كما نص القانون 33.17، على توفر البنية الإدارية المالية والتقنية لمساعدة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض على القيام بهذه المهمة.

+++ مبدأ التعاون بين السلطات وعدم منع الدستور وسكوته عن عرض الرئيس النيابة العامة لتقريره أمام مجلسي البرلمان، يوفر المزيد من الثقة بين السلطات الثلاثة 

لاعتبار النيابة العامة جزءا من سلطات الدولة، فإن تعاونها ومساهمتها في توازن باقي السلطات، أساسي بتوفير العمل القضائي للدولة قصد تحقيق العدالة، وسكوت المشرع الدستوري عن عرض رئيس النيابة العامة لتقريره أمام مجلسي البرلمان، يكشف مدى “التأويل الإيجابي” لعرض هذا الاختصاص للمناقشة، والتخوف من كون المناقشة نوع من المساءلة غير دقيق.

وقد عد التقرير:

1ـ تأخر صدور الإطار القانوني المنظم بـ 20 يوما في نقل اختصاص النيابة العامة إلى الوكيل العالم لدى محكمة النقض، صعوبة، ونشر القانون رقم 33.17 في الجريدة الرسمية عدد 6605 بتاريخ 8 شتنبر 2017 في الصفحة 5155.

2ـ 89 إطارا وموظفا ضمن الموارد البشرية للمبنى غير كافية، هو الطاقم الذي اعتمدته وزارة العدل لإنجاز هذه المهمة، ويطالب الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بمضاعفة عدد الموظفين 3 مرات على الأقل (300 في المائة)، وعمل هذا الطاقم من مقر وزارة العدل لعدم انتهاء أشغال التهيئة بالمقر المؤقت، فيما عززت الدولة رئاسة النيابة العامة بـ 50 منصبا ماليا جديدا في 2018، ليصل العدد الإجمالي لموظفيها إلى 139 إطارا.

3ـ الغياب الكلي لوسائل الاتصال والهاتف والفاكس (كما جاء في الصفحة 15 من التقرير).

+++ اعتراف رسمي بوجود سلطات حقيقية لوزير العدل على النيابة العامة في السابق

 من صفته نائبا للرئيس الأعلى للقضاء، “مارس وزير العدل سلطات حقيقية على النيابة العامة لصلاحياته على كافة القضاة، وكان بإمكانه توقيف القضاة وإحالتهم على المجلس التأديبي، وتعيين المقرر في المساطر التأديبية، وإيقاع العقوبات من الدرجة الأولى عليهم”، وظلت هذه الوضعية محل انتقاد بالداخل كما في الخارج كما جاء في الصفحة 16 من التقرير، معلنا أن المجلس الدستوري (السابق) هو الذي حسم بعض الجزئيات الخلافية، عن طريق التأويل لبعض المواد القانونية المنظمة قبل التصريح بمطابقتها للدستور، وهو ما يفيد أمرين:

1ـ أن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، اتهم القضاء الدستوري باعتماده على “التأويل”، وهو نفس الانتقاد الموجه للوكيل العام لاعتماده على منطق المخالفة في أمر عدم مثوله أمام البرلمان، رغم إباحة الدستور لهذا الإجراء لعدم وجود مانع، كما في أي قراءة قانونية غير متكلفة.

2ـ عدم رغبة رئيس النيابة العامة الساهر الوحيد على تنفيذ السياسة الجنائية أمام من أوكلت إليه حصرا أي (البرلمان)، في فجوة بين ممثل القانون وممثل الشعب، رغم اعتبار الأول ممثلا للمجتمع.

وفسرت نفس الجهة، عدم اشتراط الدستور لعرض الوكيل العام للملك تقريره أمام البرلمان مع وجود الإباحة، دليلا على رفض حضور رئيس النيابة العامة لعرض وجوه تنفيذه لما قرره البرلمان، وبالتالي، تكون علاقة وزير العدل ورئيس النيابة، أشد التباسا.

وقال التقرير بهذا الخصوص: “إن تطبيق المبدإ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يمكن أن يتم بنفس الكيفية ونفس الأدوات في مجالات أخرى”.

وتخضع النيابة العامة لمراقبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية (ص 17) وأمام رئيسها.

وذكر الدستور خصوصية قضاة النيابة العامة في كل فصوله (110 و116 و128)، وقد أدمج في 110 الوكيل العام للملك في تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بما يجعل الأصل في قضاة الحكم، والإلحاق في غيرهم.

وجاء التأويل غير دقيق للفصل 110 لقوله: “يجب على قضاة النيابة العامة، تطبيق القانون، كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها”، فتكون السلطة، هي سلطة المجلس الأعلى، ومنه الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وهو يمارس رئاسة النيابة العامة عطفا، فيما ترى النيابة العامة، أنها سلطة مستقلة بهذا المنطوق.

+++ “سلطة مستقلة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية”، يجعل المملكة تحت أربع سلطات: تشريعية تنفيذية وقضائية وسلطة النيابة العامة، لأن السلطة القضائية، سلطتان في منطوق الفصل 110 من الدستور، حسب تأويل النيابة العامة، كما جاء حرفيا في أول تقرير لها

خرقت المملكة قاعدة السلطات الثلاثة (تشريعية وتنفيذية وقضائية) لإطلاق سلطة رابعة اسمها “النيابة العامة” حسب أول تقرير للأخيرة في صفحته 17، حين قال: “كما نص الدستور على وجود سلطة مستقلة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يخضع لها قضاة النيابة العامة، وفي هذا الصدد، نص الفصل 110: يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون، كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها”.

وجاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 116: “يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة، تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون لها”، وسبق للتقرير، أن أكد على مراقبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو ما تقصده الفقرة، لكن السلطة الواضحة في استعمال الفقرة، خضعت لتأويل للقول أن المقصود بهذه السلطة، هي النيابة العامة، رغم التحديد الدقيق للدستور، لوجود ثلاث سلطات حصرا في المغرب كما في غيره، ولأن النيابة العامة أخذت بالمعيار الأممي والدولي في إبعاد وزير العدل وقيام الوكيل العام لمحكمة النقض بمهامه في تحريك ومتابعة الدعوى العمومية، وهي لا ترى الأمر نفسه في تأويل يجعلها سلطة رابعة إلى جانب السلطات الثلاثة في المملكة، وفي الصفحة 18 من التقرير، نجد بالحرف، “أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ملزم بمراعاة تقارير التقييم” التي تضعها رئاسة النيابة العامة، بما يجعلها خارج أي مراقبة، وجاء القانون التنظيمي بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية موضحا في مادته 66: “يراعي المجلس بالنسبة لقضاة النيابة العامة، تقارير التقييم المقدمة من قبل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة”.

وتفصل المادة في أن السلطة المقصود بها في الفصل 116، هي السلطة القضائية التي يمثلها المجلس الأعلى، وتعد مسألة التقييم المهني لقضاة النيابة، اختصاص دستوري للوكيل العام للملك، وليس لغيره، لكن التأديب وما عداه، حق خالص للمجلس، ولا توجد سلطة موازية بذكر هذا الاختصاص لباقي السلطات الثلاثة، لذلك، فالتأويل الذي عمل عليه التقرير، ليس دقيقا.

+++ حزب الأحرار الذي يدير حقيبة العدل ووزير المالية الذي أشر سريعا على القرار رقم 17/1، يساهم بشكل كبير في تحول النيابة العامة إلى “سلطة”

أصبحت لرئيس النيابة العامة، كتابة عامة و4 أقطاب و11 شعبة و36 وحدة بمقتضى القرار 17/1 لرئيس النيابة العامة الذي أشر عليه وزير الاقتصاد والمالية، بوسعيد، المنتمي لحزب وزير العدل (الأحرار).

ويساهم هذا الحزب في تحول النيابة العامة إلى “سلطة”، ورفض رئيس النيابة العامة، نعت جهازه بعدم الحياد أو قربه من أي حزب أو هيئة، ولذلك، فالمسألة ليست سياسية، بل فلسفة تقودها جهات في الدولة، فيما تعارض أخرى، تأويل النيابة العامة لضمانة دستورية لاختصاص محدد في المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وتشمل الأقطاب الأربعة للنيابة العامة.

1ـ قطب الدعوى العمومية، ويباشر وضعيات الاعتقال الاحتياطي ورصد الجريمة وتجميع المعطيات والإحصائيات ومعالجة الشكايات وإعداد التقارير.

2ـ قطب تتبع القضاء الجنائي وحماية الفئات الخاصة، ويباشر قضايا الإرهاب والصحافة والنشر وجرائم الأموال وجرائم الأمن والنظام العام والمخدرات وقضايا الاتجار بالبشر.

3ـ قطب النيابة العامة المتخصصة والتعاون القضائي، ويتابع عمل المحاكم التجارية والحالة المدنية، ودراسة مشاريع الاتفاقيات.

4ـ قطب الموارد البشرية والشؤون العامة.

وفي هذه الهيكلة ما يفيد ترتيبين:

1ـ وحدة النيابة العامة، ويلزم قرار أي قاض تابع لها، المؤسسة كاملة.

2ـ عدم قابلية أعضاء النيابة العامة للتجريح.

وبهذين العنصرين، تبدو النيابة العامة “سلطة” تتوفر على حوالي ألف قاض وقاضية (997)، أي حوالي ربع قضاة المملكة في الادعاء العام، منهم 27 قاضيا يمارسون خارج المحاكم، مما يجعل عدد القضاة الممارسين في المحاكم، هو 970 قاضيا فقط، 28 في المائة منهم بين 50 و60 سنة، و27 في المائة بين 30 و40 سنة، و5 في المائة يقل سنهم عن 30 سنة.

+++ النيابة العامة في المغرب، تتقدم للمرتبة الرابعة غير المحددة في الدستور في سلم السلطات المعلنة، فيما بأمريكا، هي في المرتبة السابعة في البروتوكول والثقل دون اعتمادها “سلطة”

المدعي العام في الولايات المتحدة، هو رئيس العدالة في الولاية المتحدة، أي وزير العدل، وهو محامي الحكومة، وحسب الفقرة الثانية من البند الثاني في الدستور، فإن المدعي العام، يسميه الرئيس ويصوت عليه البرلمان، لذلك، لا يمثل سلطة في النظام الأنجلوفوني، ولا يجب أن يتحقق ذلك في أي نظام كما في منطوق المحكمة العليا الأمريكية والمعروف ب، “باوشر في مقابل سينار تحت رقم 478، الولايات المتحدة 714″(1).

ولا تتجاوز القراءة الأمريكية، منذ قانون القضاة 1789، اعتبار النيابة العامة “مكتبا”(2)، فأنشئت وزارة العدل في 1870 لدعم النيابة العامة، وما يلاحظه الجميع، أن المغرب في هذه القراءة، يعيش ثورة مضادة بنقل اختصاص النيابة العامة من وزارة العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، لكن دعم الوكيل العام بالنيابة “اختصاص”، وليس “مؤسسة”، وإن تقرر أن تكون “مرفقا”، فإن إعلانها سلطة، لا تقبل به المعايير الدولية.

ويتساءل الخبير في هذا المجال، لماذا لا يتولى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض وزارة العدل، دون خلق مؤسسة أو سلطة موازية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فتسير المملكة على ضوء النموذج الأمريكي تحديدا، مع نائب لرئيس النيابة العامة، وهو ما يجعل الأمر مقبولا، فيما اختارت الرباط، منصب “الكاتب العام”، وبوجود “كاتب عام” لوزارة العدل، و”كاتب عام” للنيابة العامة، يستطيع المرء تخيل صعوبة هذه الخطوة، فهل يمكن أن تعيش العدالة بكاتبين عامين؟

إننا أمام سلطة مستقلة (النيابة العامة) عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أي سلطة مستقلة عن السلطة القضائية، وهي متميزة عن المؤسستين: المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل، وهذه الوضعية تنبئ بالتباس كبير في توزيع السلطات والاختصاصات، ولا يمكن إفراغ وزارة العدل من أي دور، إلا إن قرر صاحب القرار، نقل وزارة العدل إلى الوكيل العام للملك، كما في التجارب المعتادة، وهكذا لن يؤثر أي حزب في السياسة الجنائية، وهكذا تباشر الحكومة والبرلمان بوجود وزير العدل، وهو الوكيل العام للملك، تقييم تنفيذ السياسة الجنائية، كجزء من السلطة التنفيذية، ولا يعقل إلحاقها بالقضاء حصرا، أو انتفاء صفة التنفيذ عنها، وما يعيشه المغرب من ألم في الانتقال ـ من وزارة العدل أو العدالة إلى رئاسة الوكيل للملك ـ بإظهار المزيد من الشدة، هو نفس ما عاناه الأمريكيون في المرحلة الانتقالية مع الرئيس الأمريكي ترامب، إلا أن الشدة، أتت من الساسة وليس من القضاة، ليعالج القضاء ويوازن بعض القرارات الرئاسية.

وفي ميزان القوى الحالي، ومن الإجراءات المعمول بها، فإن البرلمان الذي لا يصادق على اسم رئيس النيابة العامة، لا يمكن أن يطالب بحضوره لعرض ومناقشة التقرير الذي يصدره عن تنفيذ السياسة الجنائية، وهل يتبنى وزير العدل تقريرا لم يكتبه، ويدافع عنه أمام أنظار مجلسي البرلمان، كما يوجب الدستور.

ويكاد التقليد يصل إلى خلاصات منها:

1ـ تعيين رجال دولة في رئاسة النيابة العامة(3).

2ـ التخوف من تعدد الرؤوس في تنفيذ السياسة الجنائية، وعلقت عليه جريدة “نيويورك تايمز” منذ عام 1993(4).

3ـ تغليب قاضي الحكم، بأقدمية كبيرة، على التسلسل الوظيفي لقاض من النيابة العامة لشغل منصب رئيس النيابة العامة، كما يوردها بدهاء، تعيين الرئيس جورج دابليو بوش للمدعي العام في 2007(5)، وبالنسبة لتجربة فرنسا، يمكن إجمالها في:

ـ تحيز السلطة السياسية في تعيين الوكيل العام(6)، وفي المغرب، لا تعين الحكومة، وبالتالي، لا تؤثر الأحزاب على تعيين رئيس النيابة العامة، بل تمارس كاختصاص قضائي للوكيل العام لدى محكمة النقض.

ويكاد الوكيل العام، أن يكون محامي الشعب مع اليسار، ومحامي الجمهورية مع اليمين، ولا تزال الفضائح المالية لليمين التي يكشف عنها الوكيل العام في المرحلة اليسارية، متواصلة، لكن دون تأثير طرف على آخر، لتغليب التوازن على أي معامل آخر في الساحة السياسية والاقتصادية، بضغط دائم من الأحزاب واللوبيات المالية.

ـ الساهر على تنفيذ السياسة الجنائية، كما في الحالة المغربية.

ـ الساهر على الدعوى العمومية.

ـ وضع القاضي.

ولذلك، فإن وزير العدل يقترح على الرئيس ما جرى تداوله مع المجلس الأعلى للقضاة، فيما المغرب يعلن السلطة القضائية، حكرا على القضاة، ولا يأخذ بكل أبعاد العدالة، ويتخوف الفرنسيون من “دكتاتورية القضاة”، فيضمنون الحياد والاستقلالية دون تحويل القضاة إلى سلطة، بل يساهمون في السلطة التي يجب عبر استقلالهم وضميرهم، أن يدعموها بشكل واسع لتحقيق المساواة.

وبناء عليه، فقاضي النيابة العامة، يرفع الدعوى، ويكون جزء منها في باقي أطوارها، باسم الصالح العام.

ومن البديهي أن تكون رئاسة النيابة العامة، في كل الأحوال، في مستوى محدد ومنضبط ومجدول من العلاقات مع وزارة العدل، بإعادة تعريف اختصاصات الطرفين، ودور الوزارة في المستقبل القريب.

ويتطور النموذج الفرنسي، الذي يتبناه المغرب، على مستويين:

1ـ إعلان الوكيل العام عن استقلاليته عن الحكومة والسلطة التنفيذية، مع استمرار علاقة صحية مع وزارة العدل، وقد اتهم الوكيل العام لدى محكمة النقض، جون كلود ماران، بعدم كفاءة العدالة الفرنسية(7).

ولذلك، فالمسألة عند الفرنسيين، واضحة، لوجود هشاشة يحاولون معالجتها دون أن تنزلق الأمور إلى حرب على الاختصاصات.

وقد انتقد قضاة في 2012، عدم تمكن العدالة الفرنسية من إدانة “طوطال”، وباقي الشركات الكبرى في البلد، ويكاد هذا الوضع لا يختلف عن باقي دول إفريقيا الفرنسية، لكن العدالة الكندية، من نموذجها الناطق بالفرنسية، ربحت بشكل كامل، لإطلاقها “وزارة الوكيل العام”، ولذلك، خدم موقع الوكيل العام كوزير، دورا متفردا، لأنه يمثل الدولة والمجتمع من خلال السلطة التنفيذية (الحكومة)، كما أنه الممثل القانوني لرئيس الحكومة.

وحسب الموقع الرسمي لوزارة الوكيل العام(8)، فإننا أمام حامي أو حارس الصالح العام والمتدخل في القضايا الشبه قضائية، ولذلك، فهو أمام أدوار أربعة:

أـ مسؤوليات الدولة.

ب ـ مسؤوليات المحاكم.

ت ـ التشريع.

ث ـ السلطة التنفيذية، وعلى ذلك فهو:

ـ محامي السلطة التنفيذية.

ـ مراقب وضابط الإدارة العامة كي تكون منسجمة ومنفذة للقانون.

ـ الساهر على كل ما يمس إدارة العدالة.

ـ العمل على كل قدرات القانون في التنفيذ.

ـ الاستشارة في كل ما له طبيعة تشريعية.

ـ الساهر على التكاليف القضائية وباقي مسؤوليات إدارات المحاكم(9).

وحسب البند 5 من القانون الكندي، فإن الوكيل العام، هو المستشار القضائي المستقل لرئيس الحكومة، ويفترض القانون أن يكون الوكيل العام، مستقلا إلى جانب رئيس الحكومة، وهي خاصية تمنح الوكيل العام وزارة، وأن يكون له دور المستشار القانوني المستقل تجاه رئيس السلطة التنفيذية.

2ـ قبول الوكيل العام لكل قواعد المحاسبة، من خلال قبوله الوزارة، أو عرضه على البرلمان في التنصيب أو المناقشة.

ولا يمكن تحسين الانتقال الحالي لاختصاص النيابة العامة، دون إعادة تعريف توزيع الاختصاصات بين وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة مع الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.

وقد استفاد الجميع من القانون الدستوري، ولا يجب تأويله بطريقة جافة أو حادة، وهو يخدم، إلى الآن، صناعة وضع آخر، وقد نجحت كندا انطلاقا من المادة 92 من دستور 1867، في تسليم الوكيل العام ليس رئاسة النيابة، بل نقل موقعه القضائي عبر وكلائه إلى العمل على مساعدة الساكنة في المدن على التشريع، ويجد هذا الدور في الوكيل العام، محامي المجتمع والمستشار المستقل لرئيس الحكومة في توازن فاعل يتحرك للحد من الفساد المحمي أو الفساد السيادي القائم على نفوذ دوائر القرار.

+++ المسؤوليات التشريعية للوكيل العام

لا يمكن في الوضعية الحالية، الحديث عن المسؤولية التشريعية للوكيل العام في المغرب، على غرار ما عليه الحال في التجارب الأخرى، إلا من خلال توصيات يتضمنها تقريره المرفوع إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومن ثم إلى مجلسي البرلمان.

ولأن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيس النيابة العامة، يلتزم بعدم مناقشة توصياته أو الدفاع عنها أمام البرلمان، ويتركها لوزير العدل، فإن منفذ السياسة الجنائية، يقترح التشريع على المشرعين في البرلمان، وينفذ بطريقته، دون أن تكون له الصفة التنفيذية من داخل الجهاز الحكومي للسهر على تحويل التوصيات المتضمنة في تقريره إلى مشاريع قوانين.

ولذلك، اختار النظام القضائي الدولي، أن يكون الوكيل العام وزيرا، لإنتاج مشاريع قوانين، فيما يكون اختصاص وزارة العدل، في الحالة المغربية، هو تحويل توصيات رئيس النيابة العامة إلى مشاريع قوانين، ومثل هذا الدور الواضح، قد يجمع شمل الفرقاء على استراتيجية منسجمة وواحدة.

ومن أجل المزيد من الفعالية، يرفع رئيس النيابة العامة تقريره إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وقد يعدل أو يزيد في التوصيات قبل تحويلها من المجلس إلى مجلسي البرلمان، وبهذا المسلسل، يمكن رفع النجاعة التشريعية، لأن عرض ومناقشة البرلمان، يوجه وزارة العدل إلى بناء قرارها من تحت إلى فوق، ومن الفاعلين جميعا قبل إنتاج مشاريع القوانين.

ويمكن لهذا المسار الطويل، أن يبدو غنيا أو معرقلا ودافعا لمزيد من “الضبط التشريعي”، المرهون كثيرا للحسابات السياسية ولموازين القوى.

+++ الوكيل العام، من المشرف على “رجال الملك” في القرن الثالث عشر بفرنسا، إلى حماية المصالح العليا للمجتمع

يكاد ينحصر الطيف القضائي العالمي في دور الوكيل العام، بين حماية السلطة الحاكمة، وبين حماية المصالح العليا للمجتمع، وقد وصلت بعض النماذج النامية، إلى الوسط بين الطرفين المحددين، لتقدم البلد أو تأخره.

ومنذ التهديدات الخطيرة التي وقعت على الحريات في جنيف عام 1534، اتفق البورجوازيون والمواطنون لتأسيس منصب محامي الشعب، لحماية المصالح العليا للساكنة ليكون دوره “حارسا مستقلا” للقانون.

وفي ظرف صعب، وتجاوزا لفكرة العدالة الانتقالية ومسلسل الإنصاف، انتهى المغرب إلى صعوبات في الانتقال إلى نيابة عامة مستقلة، بإبعاد الأحزاب عن وزارة العدل، ثم إبعاد وزارة العدل عن الدعوى العمومية، ومن المهم التذكير بتجربة 1798 إلى 1813، عندما قرر الجميع إعدام منصب “الوكيل العام”، ونقل صلاحياته الكاملة إلى وزير العدل.

وعاش المغرب هذه التجربة إلى 2017، قبل أن ينطلق مع التاريخ الذي قرره العالم المتحضر في 1814، وإن بشكل لم يمنع محاكم النقض في المملكة، أن تكون أكثر التزاما من غيرها في مراقبة مساطر الدعوى العمومية، ويتعهد الوكيل العام لدى محكمة النقض، في تقريره الأول، بنقل هذا الالتزام إلى المحاكم الابتدائية لرئاسته للنيابة العامة وإشرافه الكامل على الدعوى العمومية.

وما يعيشه البرلمان المغربي من رجة، لوصول تقرير النيابة العامة من رئيسها وليس من الرئيس المنتدب لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، عاشه السويسريون في 1842، وقرروا نقل سلطتهم إلى البرلمان، والقول أنه يمثل المواطنين(10).

ولذلك، فـ “روح” الفكرة الحديثة، غير مبنية على الاتجاهات أو الاختلافات الفرنكوفونية أو الأنجلوفونية في مهمة الوكيل أو المحامي العام أو محامي الشعب، لأنه:

1ـ محامي عام يجمع المعلومات، كما يقول ستيفان فايرلي، في إطار مراجعة القوانين الوطنية(11)، ولا يمكن أن يكون في هذه الحالة، سلطة مستقلة، بل اختصاصا لا يخضع لضغوط، ويتبع لمجلس أعلى لضمان استقلاله وعدم تحوله إلى سلطة من داخل السلطة القضائية.

2ـ محامي متخصص(12)، ويذهب الفقهاء إلى تعقيدات الجريمة المالية تحديدا، والإرهابية أيضا، ومن المهم مباشرة “العلمية” في البحث والتفتيش، ويشمل تعريف حالة تنفيذ القانون، وليس أي سياسة قانونية وجنائية كما في الاصطلاح الفرنسي، والوصول إلى كتب إرشادية، كما يوضحها الكتاب الشهير لروبرت ليت وجيل دييبورا رودس، والصادر هذه السنة في 479 صفحة، ويمكن إجمال أفكاره حول النيابة العامة في عصر الأمن المعلوماتي للقضاء في:

ـ الدقة من خلال بسط كل المعلومات دون تدخل أو تكييف أمام قاضي الحكم.

ـ ترسيخ العمومية.

ـ خضوع الأسئلة المثارة، لأجوبة، ولكل طلبات الدفاع دون إقصاء أي منها.

المشاركة في كل نشاط للحوار الوطني حول مكافحة الجريمة السبرنيتية، تحديدا، مع القطع مع “الجريمة المالية”.

وبناء عليه، فإن النيابة العامة أو عمل الوكيل العام على العموم، يخضع بشكل واسع، لسقوط المتابعة لعدم وجود كفاية الأدلة، ولذلك، يسعى الأنجلوفونيون إلى العمل على “توسيع العمل على الأدلة وتفسير الشك لصالح المتهم”، بما يرفع درجات التحقق، وعدم الحكم علة أساس القرائن.

والوصول إلى البديهيات والدلائل القاطعة، أسلوب معاصر في العمل القضائي، غير الخاضع سوى لدليله، وليس لتقديره، لأن السلطة المعنوية أو التقديرية للقاضي، لا تعني بحال “التقليدانية ووضع الأعراف مبادئ عمل”، لذلك، يمكن إبداء الملاحظات التالية:

ـ أن الحالات غير المسبوقة، لا يجب أن تثير التحفظ الشديد، أو تغليب السلطة التقديرية والحكم بها، لأن القضاء لا يقبل غير الدليل، ولا يبنى الحزم على غير الجزم في الدلائل.

ـ النزاهة مع الحالة، كما يقول البروفسور، جودي سولر.

ـ الفصل بين المعلومة الأمنية والدليل القضائي.

ـ إعطاء بنية قانونية صلبة لكل دعوى.

يقول روبرت ليت في كتابه: “إن الطمأنينة إلى عمل النيابة العامة، هو مصدر الواجب، والسعي إلى ذلك ضرورة، لما يسميه الأمن القضائي، الناتج عن ثقة المواطن”، ويضيف في الصفحة 73 من كتابه “إن الأمن المعقلن ـ في كل خطواته دون لبس ـ ينتهي إلى حكامة مع وسائل الضبط، لا أن يجر الضبط القانون إليه”، وهذه التحديات يطرحها الكاتب الأمريكي، رغم تقدم الجنسية القانونية لدولته، فيما تعد في المغرب، وفي لحظة انتقالية حساسة، واجبا وطنيا، لأن “الترشيد”، هو قياس الواجب على منفذ القانون قبل غيره.

تقول الصفحة 103: “إن تحويل المعايير الدولية إلى التطبيق والنفاذ محليا، وفي كل بلد ـ وليس بالضرورة بناء معايير محلية ـ هو القادر على الاستفادة من إمكانيات العصر، فليس مهما فصل المؤسسات أو اتصالها بمعيار عالمي، بل النفاذ إلى نفس القيمة”، وفيما عداها،   تفاصيل يجب أن تصل إلى مرفق العدالة، كي يطابق التحول التقدم، ولا يخلق الفجوة التي نراها.

*******************************

هوامش:

  • Text of Bowsher v Synar, 478 v Synar 478 U.S.714 N 85 – 1377 argued: April 23, 1986 decided: July 7, 1986.
  • Cabinets and conselors: the president and the executive branch congressional Quarterly, 1997 p:87.
  • Ben Cohoon, united states government, world stateman, 2000, 12 March, 1993 Stuart M. Gerson (b.1944).
  • Stephan Labaton, notes on justice, who‘s in charge! buch holdover says he is, but two Clinton men differ, the new York times 25/1/1993.
  • Bush text on attorney general nomination, associated press, September 17, 2007.
  • Nomination du procureur général de paris: Christiane Taubira n’échappe pas aux décisions politiques, atlantico.fr, 25/5/2015.
  • Erika: le procureur général rappelle son indépendance vis – a – vis de l’exécutif, 20 minutes. 10/4/2014.
  • Attorney general.jus.gov.on. ca /Canada.
  • Article 5 c, imprimeur de la reine pour l’ontario, 2008 sur les responsabilités de l’administration des tribunaux
  • Gerard bagnoud, archiviste du pouvoir judicaire source principale: encyclopédie de Genève, vol 4 p: 167 – 182.
  • How consumers choose an attorney information guethering the national law review, Stephan Fairley, 27/7/2012.
  • Standing committee on specialization, standing committee/specialization, abanet.org. 5/3/2012.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!