في الأكشاك هذا الأسبوع

حديث العاصمة | من المسؤول عن مسخ تراث الرباط؟

      الرباط مدينة التراث الإنساني العالمي، مهددة بفقدان هذا التراث، ففي داخل المدينة العتيقة أكثر من حالة تنذر بحلول الكارثة الفضيحة، ومهما تغاضت عن ذلك منظمة اليونسكو التي لها عيون وآذان بيننا، فإن السكان الذين يهمهم تاريخ وسمعة مدينتهم، لن يتنازلوا ولن يسمحوا بمسخ تراثهم وبمحو آثار أجدادهم المعترف بها دوليا. فلقد نددنا ونندد “بجرائم” هدم البنايات التي صنفتها المنظمة الأممية بأنها تراث إنساني للعالم أجمع، فكيف يا ترى وبأي مقابل أغمضت العيون على طمس معالم معمارية وتاريخية قيمة “وزلزلتها” من جغرافية العاصمة؟

ففي حومة “لكزة” بشارع محمد الخامس تم إعدام المعلمة الأثرية سينما موريتانيا لتلتحق بما تم هدمه من سينمات مثل سينما سطار بشارع لعلو، وسينما “أ. ب. س” وسينما أكدال وسينما فوكس، بينما ينتظر تنفيذ الإعدام في باقي القاعات التي تنتظر فقط “الغفلة” للإجهاز على بناياتها.

فعندما حظيت الرباط بصفة التراث الإنساني، لم يكن القرار الأممي خاصا بالمدينة القديمة، ولكن بالحاضرة الرباطية ككل والتي تضم تحفا من الآثار لا تقدر بثمن، ففي حي العكاري مثلا توجد دار الشهيد علال بنعبد الله، ودار مؤسس الحي، حسن العكاري، ودار رئيس الحكومة التي يشاع بأنها بيعت مؤخرا، وديور أدباء وشعراء وفقهاء، وغير بعيد عن هذا الحي يتلاشى في صمت حي الأحباس!

فأما المدينة الأصلية، ذاكرة وخزان الأصالة الرباطية ومنبع التراث الإنساني من علماء ومقاومين وزعماء سياسيين، ومعمار فريد في تصميمه وهندسته بما يعرف “بالدار الرباطية”، هذا الكنز الثمين تسلطت عليه الفؤوس لتخربه وتعبث به وتمسخه وتزيله من الوجود وليس من التاريخ.

وفي مدينة باريس الفرنسية تنظم بلديتها زيارات للأحياء التاريخية مثل الحي اللاتيني وحي مانمارتر، وتقدم للزوار بكل افتخار “ديور” عباقرة وكتاب ومقاومي وسياسيي وفناني فرنسا، والتي حافظت عليها وجعلتها من التراث الوطني، وفي مدينة صنعاء اليمنية، مدينة قديمة جعلتها البلدية قبلة للسياحة العالمية بفضل الاهتمام الكبير الذي أولته لتصميمها المميز حتى أنه وحيد في العالم، وفي تونس العاصمة، وفي إسطنبول التركية، بل وفي مدينة أصيلة المغربية اهتمت هذه المدن بتراثها وحولته إلى كنوز واللائي تغري المعمور لاكتشافه، أما عندنا في الرباط المصنفة عالميا ضمن التراث الإنساني العالمين، فلقد شوهوا حيها العتيق (المدينة القديمة) بردم بناياتها في كبريات الشوارع مثل السويقة، والقناصل وسيدي فاتح ولكزة، ولعلو، وأقاموا بناءات حديثة بمواصفات لا علاقة لها بالآثار ولكن بالربح على حساب هذا التراث.

ولم يتوقف الأمر عند هذا المسخ، بل تعداه ليجرف محلات تجارية من قلب تراث المدينة، مثل تجارة التمور والتين الجاف و”الكركاع” واللوز ومختلف الفواكه والخضر، واللحوم والدواجن على مختلف الأنواع، وبائعي الهركمة، ورؤوس “الغنمي” المبخرة، وحلويات كعب الغزال وورقة البسطيلة والمحنشة والمخرقة، والأدوات المنزلية التقليدية(..) وغيرها، ليقع هجوم كاسح على هذا التراث وتحتل كل الحوانيت وأبوابها: بضائع من “الشينوى” ومن “الجوطيات”، واختفت كل المواد التي لها صلة بتراث مدينة الرباط، بتقاليدها، ويمكن الجزم بأن “جريمة” محو ذاكرة العاصمة، نفذت في وقت معين استغله المشوهون وتحت جناح الظلام ليرتكبوا مجازر في حق عاصمة المملكة.

إننا نغار من الحي القديم “خان خليلي” بمدينة القاهرة، ونقف مشدوهين أمام حي “البلد” في مدينة جدة وقد حافظا على أصالتهما وتجتهدان كل سنة في إضافة وتنفيذ معالم لصيانة مكتسباتهما، ونخجل نحن هنا في عاصمة المملكة مما آلت إليه أوضاع أحيائها التاريخية والتي جردوها من هويتها وتركوها فريسة بين يدي الذين ارتكبوا أبشع الجرائم الأثرية في حقنا جميع أمام السلطات والجماعة ووزارة الثقافة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!