في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | الملكية تفتح ثورة على المخزن في كل الجهات بالمغرب!!

إعداد: رشيد بغا

بعد أن قدم وزير الداخلية قبل أسبوعين للملك محمد السادس، نتائج التحريات التي قامت بها وزارته، معتمدة في ذلك، على الأبحاث والتقارير الميدانية المتعلقة بالتتبع المستمر لعمل رجال السلطة، والتي رصدت حالات تقصير في القيام بالمسؤولية من طرف عدد منهم، والمنتمين لمختلف درجات هذه الهيئة، جاءت تعليمات ملكية كإعلان ثورة على المخزن العتيق!

لم يترك وزير الداخلية في حكومة سعد الدين العثماني، عبد الوافي لفتيت، يوما واحدا يمر على تعليمات رئيس الدولة، حتى حول تعليمات جلالته الصارمة، إلى ارتجاجات زلزالية، تضمنها قرار نزل كالصاعقة، يقضي بإعفاء من المهام، شمل واليا وستة عمال و6 كتاب عامين و28 باشا ورئيس دائرة ورئيس منطقة حضرية و122 قائدا و17 خليفة قائد، وذلك بعد ثبوت تقصيرهم في القيام بمسؤولياتهم(..).

القرار أو “الزلزال الرابع”، كما سنوضح ذلك في سياق تحليلنا هذا، لم يكن سوى استمرارا لمسلسل من الهزات السياسية السابقة في ظل ثورة شاملة فتحها الملك على المخزن القديم، والتي أعلن جلالته انطلاقتها الرسمية، بمناسبة خطابه ليوم الجمعة الثانية من أكتوبر من سنة 2017 تحت قبة البرلمان، عندما دشن بدايتها بوصفها بـ “زلزال سياسي ستعرفه المملكة”، لتصحيح مسارات الانحرافات الكبرى، التي كشفها الحراك الشعبي للحسيمة ومشروع “الحسيمة منارة المتوسط” أولا، فحراك “شهداء الفحم” بجرادة ثانيا، ثم المقاطعة الشعبية لمواد استهلاكية لثلاث شركات وطنية.

 3 أسباب مجتمعة، حسب الرأي العام وخبراء التحليلات السياسية في البلد، جعلت الملك والمؤسسة الملكية، تعلن ثورتها الإصلاحية العميقة على المخزن، سواء تعلق الأمر بوزراء ومسؤولين في الحكومة، أو في جهاز القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي أو في صفوف رجال السلطة، كما يحتمل جدا، أن تضرب الثورة الأحزاب السياسية وزعماءها الذين “يأكلون من السلة ويسبون الملة” على حد تعبير إدريس البصري، وزير الداخلية القوي في عهد المرحوم الحسن الثاني.. وتلكم قصة أخرى.

ثورة على المخزن لأول مرة يقودها الملك محمد السادس، مقتديا بسياسة والده الحسن الثاني، بما يلزم من الهدوء والحكمة، وكما كان يقول الملك الراحل، سياسة تشبه “الطجين المغربي الذي لا يستقيم في طبخه ومذاقه إلا فوق نار هادئة”، أو عندما سأله صحافيون فرنسيين عن الديمقراطية في المغرب، فأجاب: “إني أحقنها بحقنات”، يعني أنه يتدرج في علاج أعطاب الديمقراطية حسب قدرة الجسم المغربي على تحمل الإصلاحات القوية!!

ثورة الملك على المخزن هذه، وقبل انطلاقها، استشرف آفاقها، وقرأ ما بين سطورها مباشرة بعد خطاب الملك أمام نواب الأمة، حين نطق بها مدوية بالتعبير الصريح، وليست مجرد إشارات أو تلميح، الباحث في العلوم السياسية، والبرلماني السابق، حسن طارق، في تعليق على الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الخريفية 2017، بتدوينة على “الفايسبوك” بالقول: “الخطاب الملكي استعمل معجم القطيعة السياسية، من خلال مفردات: المرحلة الحاسمة، مسيرة من نوع جديد، الصرامة، التصحيح، التقويم، وأساسا من خلال البؤرة المركزية للخطاب، المتمثلة في الزلزال السياسي، وهنا، فإذا كانت الاحتمالات الدستورية والسياسية للمقصود بالزلزال، لا تخرج عن مصفوفة محددة من الاختيارات المؤسساتية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، هو ما إذا كان هذا الزلزال السياسي المحتمل، سيعني ثورة ملكية على المخزن، أم أنه لن يعني سوى المزيد من التحكم في الحياة الحزبية وإضعاف المؤسسات وتتفيه نتائج الانتخابات وتنصيب الزعامات بنوعيها البهلواني أو التقنوسياسي، واعتماد المقاربة التقنقراطية في تدبير السياسات؟

القراءة الاستباقية لحسن طارق، كانت دقيقة جدا، وأسئلته كانت تلتقي مع الانتظارات الشعبية التي توجهت، مباشرة بعد انتهاء الخطاب، إلى السؤال عن  الإجراءات التي ستتمخض عنه، هل ستكون في مستوى تطلعات الشعب الغاضب من المخزن والحكومة والأحزاب والنقابات… إلخ، أم أن “الجبل سيتمخض مرة أخرى ليلد فأرا” كما جرت العادة في المغرب؟

الجواب عن هذه الاستفهامات، لم يتأخر بعد الخطاب الملكي كثيرا، ليبدأ الزلزال الملكي في أول هزاته، بضرب حكومة تصريف الأعمال، وحكومة العثماني في 24 أكتوبر 2017، وذلك بإعفائه لمجموعة من الوزراء من مهامهم، كما حرم مسؤولين آخرين من أية مهام مستقبلية، مباشرة بعد تلقيه لتقرير جطو، لأن  المجلس الأعلى للحسابات، أكد أن التحريات والتحقيقات التي قام بها، أثبتت وجود مجموعة من الاختلالات تم تسجيلها في عهد الحكومة السابقة، وباختصار شديد، نقول أن وزراء ومسؤولين سامين، كذبوا على الملك الذي قرر إقالة أربعة وزراء وتبليغ خمسة وزراء سابقين عدم رضاه عنهم، واتخاذ إجراءات ضد 14 مسؤولا آخرين.

لقد ظن الكل، أن الزلزال انتهى، ونزل الخبر بردا وسلاما على عدد من المفسدين في دواليب الدولة والمعششين في أجهزتها كالعناكب، إلا أن تردداته لم تتوقف، حيث وصلت إلى المؤسسة العسكرية، كثاني الجبهات التي تحتاج إلى الإصلاح بالتشبيب وضخ دماء جديدة فيها، فأصدر الملك والقائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، تعليماته القاضية بإحالة عدد من المسؤولين العسكريين الكبار على التقاعد، بناءً على اقتراح من الجنرال دوكور دارمي عبد الفتاح الوراق، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، وشمل القرار ضباطا في القوات المسلحة الملكية من رتبة جنرال دو ديفزيون، وجنرال دو بريغاد وكولونيل ماجور، و43 ضابطا ساميا، وتم تعيين مسؤولين آخرين خلفا للمحالين على التقاعد فورا، حتى لا تبقى مناصبهم شاغرة.

في نفس الوقت الذي كانت فيه الأرض تتحرك تحت أقدام الجيش بهزات إصلاحات للمؤسسة العسكرية، بدأت خضات شديدة تهز جهازا آخر، لا يقل حساسية وأهمية عن سابقيه بالنسبة للمخزن، وهو الدرك الملكي، حيث بدأ الجنرال دو ديفزيون محمد حرمو، قائد جهاز الدرك الجديد، بتعليمات من الملك كذلك، تفعيل رزنامة من الإصلاحات، جاءت على صيغة تغييرات، طالت العديد من مواقع المسؤولية بجهاز الدرك منذ خلافته للجنرال حسني بنسليمان.

وشملت التنقيلات والإعفاءات التي باشرها الجنرال حرمو، القيادات الجهوية وسريات الدرك الملكي بكل أنحاء المغرب، واعتبرت أكبر حركة انتقالية في تاريخ الجهاز، همت أكثر من 80 مسؤولا، وواصل الجنرال حرمو، تنفيذ تعليمات الملك، وقام بإعفاءات شملت رؤوسا كبيرة في الجهاز، تتراوح رتبهم بين كولونيل وجنرال، كانوا يشغلون مهاما مركزية مكنتهم من التحكم في دواليب القطاع لمدة طويلة تحت إمرة الجنرال حسني بنسليمان، خاصة في الخمس سنوات الأخيرة، ما جعل الكثير من المتتبعين يحملونهم المسؤولية كاملة في كل الاختلالات والفضائح التي تفجرت في الجهاز مؤخرا(..).

وككل الثورات التي عرفها تاريخ البشرية في الأرض، فإن الثورة تولد فكرة في رأس رجل واحد، تتوالد وتتصاعد، وتتقدم على كل الجبهات لتهدم وتبني الأفضل الممكن، وكذلك كانت ثورة الملك محمد السادس، من أجل التغيير في كل هياكل المخزن، الكبيرة والصغيرة، خطوة بعد خطوة، ولا أدل على ذلك، الزلزال الرابع الأخير في بحر الأسبوع الذي ودعناه، مجسدا في قرار قوي صادق عليه جلالته، ونفذه وزير الداخلية لفتيت، بعد أن رفع إليه نتائج التحريات التي قامت بها الوزارة، ومعها مقترحات إجراءات تأديبية وافق عليها الملك، وقد شملت واليا واحدا وستة عمال بالتوقيف عن ممارسة مهامهم، وإحالتهم على المجالس التأديبية المختصة، وبالنسبة للمسؤولين المنتمين لباقي درجات رجال السلطة، فقد تم توقيف 86 رجل سلطة عن ممارسة مهامهم، في أفق عرضهم جميعا على أنظار المجالس التأديبية المختصة قصد توقيع الجزاءات المناسبة عليهم إلى جانب توجيه توبيخ لـ 87 رجل سلطة(..).

بعد صدور قرار وزارة الداخلية، الذي شكل حالة من الصدمة والدهشة عكستها وسائل الإعلام الوطنية، صدح صوت المحلل السياسي، العمراني بوخبزة، الذي كشف أنه “كان هناك حديث عن وجود لائحة جاهزة تنتظر التأشير الملكي، غير أن البلاغ الجديد، يلمح إلى وجود غضبة ملكية، ربما على بعض الأسماء المتضمنة في اللائحة، مما يتطلب من وزارة الداخلية، إعادة اختيار أسماء أخرى”، وقال أيضا: “لقد أبان عدد من المسؤولين، عن عدم قدرتهم على تدبير موجة من الهزات الاجتماعية بالمناطق التابعة لنفوذهم”.

وأضاف المحلل السياسي، العمراني، في تعليقه لوسائل الإعلام: “إن ورش الجهوية المتقدمة، كشف كذلك أن عددا من ولاة وعمال المملكة، لم يستطيعوا التسريع بهذا الورش الكبير، رغم الاختصاصات الدستورية الواسعة المخولة لهم، ورغم أن صلاحياتهم تمكنهم من مساعدة المجالس المنتخبة والتنسيق بين المصالح اللاممركزة وتمثيل السلطة المركزية على المستوى الترابي”، فيما رأى حفيظ الزهري، المحلل السياسي من جهته، بـ “أن وزارة الداخلية، أخذت التعليمات الملكية، مأخذ الجد، والدليل على ذلك، هو حجم وعدد المسؤولين الترابيين الذين شملهم بلاغ الوزارة بالتنقيل أو الإعفاء أو العزل”، مشيرا إلى أن هذا النوع من القرارات، جاء تنزيلا لمبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو إعلان لبداية مرحلة جديدة تعتمد الكفاءة والمهنية لاستحقاق المنصب، وبالتالي، يستطرد المتحدث: “إن وزارة الداخلية، ماضية نحو طرح أسلوبها الجديد في عملها وفق استراتيجية تستهدف بالأساس، خدمة المجتمع”.

أما من زاوية نظرنا، فإن الأسلوب الجديد الذي تحدث عنه المحلل الزهري، وتطالب الوزارة المعنية من رجال السلطة التابعين لها بإعماله، لن يكون سوى ما أعلنه الوزير لفتيت بيومين فقط قبل إصداره لقرار التوقيفات والتوبيخات والإحالة على مجالس التأديب، في لقاء جمعه بمتدربات ومتدربين بالمعهد الملكي للإدارة الترابية في مدينة القنيطرة، خصص لتناول موضوع تعزيز عمل رجل السلطة، وبصوت مدوي، أرسل لفتيت رسائل واضحة في توقيت سياسي مدروس بعناية، لمن يريد أن يكون رجل أو امرأة سلطة، عليه بـ “الحضور الفعلي في دائرة نفوذه أمر لا محيد عنه، ولا يمكن لأي كان الحلول محله، وإن غيابه عن الميدان وتقصيره في أداء مهامه، يعتبر خطئا جسيما يعرضه للمساءلة”.

كما على رجل السلطة، يضيف وزير الداخلية، أن “يستثمر موقعه الإداري وصلاحياته، للحيلولة دون توقف الدينامية التنموية المحلية، لا سيما على مستوى اتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة كل العراقيل التي قد تتسبب في وقوع تأخر في إنجاز المشاريع التنموية، وذلك، لن يتأتى إلا بتبني حكامة جيدة تقوم على المصداقية والفاعلية والتدبير الاستباقي والشفافية والالتزام بالمسؤولية”.

إلى جانب ذلك، طالب الوزير بـ “التحلي بروح المسؤولية ونكران الذات في خدمة المصلحة العامة والانخراط في مسار التحديث الذي تعرفه البلاد”.

أما عن الذين لم تحركهم رياح التغيير في صفوف المخرن الجديد، فأخبرهم لفتيت في كلمته، بأنه “لا مكان لهم، ولكل من يفتقد لهذه الخصال، ضمن أطر وزارة الداخلية، التي لن تقبل أي تهاون أو تقصير في تنفيذ المهام الموكلة لرجال السلطة بمختلف مستوياتهم، كضرورة استراتيجية ملحة تستوجب الانضباط وحسن الخلق، مراعاة لوضعيتهم الاعتبارية، والابتعاد عن كل ما من شأنه إضعاف مؤسسات الدولة والمس بمصداقيتها أو التشكيك في فعاليتها وتبخيس أدائها، مع وجوب الالتزام بتطبيق القانون، والاستنارة بالتعليمات الملكية السامية التي تدعو السلطات العمومية، إلى السهر على التطبيق الصارم للقانون، لتحصين وترسيخ الممارسة الديمقراطية، من دون الرضوخ إلى مزايدات ذوي النيات السيئة الذين يحاولون استغلال بعض القضايا والملفات الاجتماعية، لزعزعة الاستقرار والتشويش على ما تم تحقيقه من مكتسبات..”.

 كما حث لفتيت في توجيهاته التي كانت بمثابة خارطة طريق لمن يسعى إلى شرف الانتماء إلى هيئة رجال السلطة، على أن “يعمل على الدوام ومن دون انقطاع، للتواصل مع المواطن، والتواجد رهن إشارته في كل وقت وحين، داعيا الجميع، إلى السعي الحثيث إلى تكوين رؤية رصينة متجددة عن محيطهم، والتعرف بشكل أفضل إلى المشاكل المطروحة حسب الخصوصيات المحلية، ونهج أسلوب الحوار الدائم، والإقناع المؤسس على الحكمة، والحرص على ضمان احترام الحريات الفردية والجماعية”.

ولأن الانتساب إلى سلك رجال السلطة، لم يعد كما كان، بالتزكية والولاءات ممكنا، بل هو حسب المصدر ذاته، أصبح “تكليفا مسؤولا خاضعا لمبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كمبدإ دستوري يجسد أحد أوجه الممارسة الديمقراطية الحقة”، فإن السؤال الملح الذي يفرض نفسه من بعد استعراضنا لأربعة زلازل متتالية وغير مسبوقة منذ اعتلاء محمد السادس العرش، هو متى، وأين، وكيف ستتوقف ثورة الملك على المخزن؟

لا أحد يمتلك الجواب الكافي والشافي، بقدر ما هناك تكهنات وسيناريوهات مفترضة، يجمع عليها المحللون والخبراء السياسيون من المغاربة والأجانب المهتمين بقضايا المغرب وشمال إفريقيا، تقول بأن خطاب عيد العرش القادم، سيكون محطة أخرى، ومنعطفا حاسما في تاريخ المخزن بالمغرب، خصوصا أمام تواصل حملة المقاطعة بشكلها العفوي الذي يأتي على الأخضر واليابس، دون سيطرة الحكومة عليها ووقف ألسنة لهيبها، وقد يطيح خطاب العرش القادم، بحكومة سعد الدين العثماني الحالية، وقد يكون بداية لاعتقال أسماء وازنة في الساحة السياسية، ينتمون لمختلف الأحزاب السياسية، من أجل المتابعة القضائية، وليس الإحالة على التأديب فقط، كما حصل مع رجال السلطة بمختلف درجاتهم!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!